الفهم الغامض والتأصيل الفاسد للسياسة الشرعية لدى بعض المعاصرين
February 29, 2012

الفهم الغامض والتأصيل الفاسد للسياسة الشرعية لدى بعض المعاصرين

إن مما لا شك فيه أن الثورات التي انطلقت من تونس واجتاحت العديد من دول المنطقة كانت ردة فعل على تراكمات هائلة من المظالم عاشتها المنطقة وأوصلت الشعوب إلى حالة الانفجار .


وإن المدقق في المطالب والشعارات التي رُفعت فيها، والشعور بالانتصار وتحقيق الأهداف عندما سقط الحكام، يدل دلالة واضحة على عدم وجود رؤية سياسية عند الثائرين لمرحلة ما بعد الثورة، فغلب على مطالب الثائرين النواحي الإجرائية، وليس تغيير السياسات .


وهذا يجعل الثورات عُرضةً للاختراق والاحتواء وحرف مسارها، أو بالاكتفاء بالترقيعات التي تعالج مشاكل الشعوب ولا تنهض بالمجتمعات، لأن النهضة تقوم على مبدأ؛ عقيدة ينبثق عنها نظام شامل لجميع جوانب الحياة.


ومن الملاحظ أيضًا أن الحركات الإسلامية قد لحقت بهذه الثورات بعد تردد، وقد كان المأمول منها أن تعمل على ترشيد مسيرة الثورات، فتدرك واقع المشكلة، وتطرح البديل الإسلامي طرحا نقياً راقياً خاليا من أي شائبة كما نزل على الحبيب المصطفى "صلى الله عليه وسلم".


ومن المعلوم بداهةً أن المشكلات ناجمة عن تطبيق سياسات الكفر على أمة مسلمة من خلال أنظمةٍ فاسدة صاغ دساتيرها الكافر المستعمر وبرجال أكثر فساداً من هذه الأنظمة كرست نفوذ المستعمر ورعت مصالحهُ، فكان لابد من الانعتاق من التبعية الغربية، وبالتخلص من النظام الغربي وجميع الأفكار والمفاهيم التي تُدار بها عجلة البلاد، وكذلك التخلص من الوسط السياسي الحارس الأمين لمصالح الغرب، إلاَّ أنَّ الأمر كان مختلفاً، فقد رأينا الحركات الإسلامية تٌعلن تحالفها مع العلمانيين ومع الوسط السياسي والعسكري الذي تربَّى على موائد الغرب بدلاً من العمل على التخلص منه لأنه صنيع الاستعمار وخادمه .


فبدلاً من طرح مشروع الإسلام أقامت الحركات الإسلامية أحزاباً على غير أساس الإسلام وقبلت أن تكون أحزاباً غير إسلامية تعمل وفق قوانين الأحزاب التي تَحظُر الأحزاب على أساس الدين وتعمل على المحافظة على الدساتير الوضعية والمشاركة في صياغتها، وتخلت عن تطبيق الشريعة وأعلنت قبول كل عفانة الرأسمالية، وقذارة الحريات ورجسها وما أنتجته الأنظمة الهالكة.


أخذت ترسل التطمينات المتلاحقة لدول الكفر الاستعمارية، فأعلنت أنها لا تريد تطبيق الشريعة، وإذا ما وصلت إلى الحكم فستحترم كل الاتفاقات الدولية وحقوق الأقليات، ولن تمنع الربا والخمور والسياحة ومتطلباتها القذرة، وستبقي على كيان يهودَ وسفاراته ومصالح الغرب، وستعمل على محاربة الإرهاب، والقائمة تطول من المطالب والتطمينات، حتى أصبحنا لا نفرق بين مطالب علماني أو شيوعي أو مطالب الإسلاميين .


وأخذوا يُسوّقون هذه التنازلات تحت عنوان السياسة الشرعية التي لم يحددوا مفهومها، ولا ما هي ضوابط السياسة الشرعية عندهم، وأخذوا يضعون القواعد التي تبرر عدم الالتزام بالأحكام الشرعية، كالتدرج والاستحسان والعُرف والمصالح وغيرها من القواعد التي تركوها عائمة من غير ضوابط شرعية.


وكذلك تذرعوا بصعوبة تطبيق الإسلام دفعة واحدة وصعوبة إلزام الناس بدولة الخلافة وخاصةً مع وجود غير المسلمين في بلادهم .
ولنأخذ هذه المسائل بشيءٍ من الإيجاز المفيد .


مفهوم السياسة الشرعية :


السياسة هي رعاية لشؤون الناس على مستوى الفرد والمجتمع داخلياً وخارجياً، وعندما تم إضافتها للفظ الشرعية أصبحت رعاية شؤون من منظور إسلامي وفق أحكام الشرع الحنيف وما حواه من أوامر ونواهٍ، أي حصراً في الوحي الإلهي الذي لا يجوز الأخذ من غيره، قال تعالى : { إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيماً }
وقال تعالى :{ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون }
وقال رسول الله " صلى الله عليه وسلم " : (( كل عملٍ ليس عليه أمرنا فهو رد)).
وقال علية الصلاة والسلام: ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)).


فالسياسةُ الشرعية هي رعاية شؤون الناس بالأوامر والنواهي الشرعية ولا يعني التخلي عن الأحكام الشرعية ولا بعضها، ولا يعني الاحتكام إلى الواقع ومسايرته، والنصوص على ذلك مُستفيضة .


أما القواعد الشرعية الموهومة: وإن كانت كل قاعدة تحتاج إلى بحث أُصولي دقيق، فسنضع أهم المعايير التي لا يجوز لهذه القواعد القفز عليها، والتي يرجع إليها لرد القواعد الفاسدة وكذلك لضبط الأحكام المبنية عليها .


1- إن القواعد من أصول الفقه التي تضبط عملية الاجتهاد وضمان سيره على منهج صحيح، ولذلك يُشترط فيها أن تكون قطعية لا شك فيها ولا غموض ولا تكون حمّالة أوجه، فالقاعدة قطعية في ثبوتها مأخوذة من الأدلة الشرعية، وقطعية في دلالتها وتشمل جميع أفراد القاعدة، فعندما نقول بالمصلحة على سبيل المثال لابد من تحديد المصلحة دنيوية أم أخروية، ومن الذي يحدد هذه المصلحة العقل أم الشرع ؟ وهل هي علة في تشريع الحكم وباعث له ؟ أي أن الحكم الشرعي تابع لها حيثُما وجدت المصلحة وجد الحكم أم هي نتيجة لتطبيق الحكم؟ أي تابعة له حيثما يكون الحكم الشرعي تكون المصلحة،وهل هي معتبرة شرعاً أم ملغاة لا يمكن أخذها إلا بتعطيل النصوص؟ وهل هي في المباحات وما أجاز لنا الشرع أخذه أو تركه ؟ ثم إن المصلحة لا يتوصل إليها إلاَّ باجتهاد معتبر، ولا تحدد بتوافق الناس عليها على اختلاف عقائدهم وعدم أهليتهم للاجتهاد، وكل ما يؤهلهم هو إبراز الإعلام لهم تحت مٌسمى مفكر إسلامي أو داعية أو غير ذلك من الأسماء اللامعة .


2- إنَّ الفقه هو علم بالمسائل الشرعية العملية المستنبطة من الأدلة التفصيلية، فالأحكام الشرعية لا تؤخذ من الأدلة الإجمالية، فلا يُستدل على الفروع بالدليل الإجمالي أي بالقواعد .


مثالٌ على ذلك عندما نقول أن الإجماع دليل على المسألة نأتي بحادثة الإجماع ولا نكتفي بذكر قاعدة الإجماع أي الدليل الإجمالي، فنقول ثبت وجوب تنصيب خليفة واحد للمسلمين فنذكر حادثة الإجماع على مبايعة أبي بكر أو عمر أو عثمان، كما نقول وجوب صيام جزء من الليل لقوله تعالى: { ثم أتموا الصيام إلى الليل } بناءً على القاعدة التي تقول ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وبذلك لا بد من ذكر الدليل بعينه على المسألة التي تشهد له القاعدة ولا يكتفى بذكر القاعدة فقط لأنه يكون حينها من الإيهام .


3- وإذا جاريناهم واعتمدنا القواعد في الاستدلال، لابد من ذكر الحالة بعينها التي هي محل الشاهد، فعندما يُقال العرف دليل على المسألة الفلانية نقول اذكروا لنا الحالة التي جرى فيها إقرار العرف كدليل عليها وجرى قياس المسألة عليها .


4- يجب أن يتم استنباط القواعد الشرعية من جملة الأدلة الشرعية التي جاء بها الوحي حصراً، قال تعالى: { قل إنما أُنذركم بالوحي } وقال تعالى : { وأُوحي إليَّ هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ } .


ومثال ذلك قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب نجدها مأخوذة من جملة نصوص شرعية، قال تعالى: { وأن احكم بينهم بما أنزل الله } ولا يتم ذلك إلا بسلطان، وقال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} ولا يتم ذلك إلا بسلطان، وقال تعالى: { الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } ولا يتم ذلك إلا بسلطان، وقال تعالى: { ثم أتموا الصيام إلى الليل } ولا يتم ذلك إلا بإدخال جزء من الليل في الصيام، وقال تعالى: { فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق } ولا يتم غسل اليدين إلا بإدخال المرفق .


ومن هذه النصوص وغيرها تستنبط قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.


5- لا يجوز للقاعدة أن تكون معطلة لنصوص الشرع وناسخة لها .
كما يقولون في الضرورات تبيح المحظورات فتعطل النصوص فيستباح الربا بحكم الضرورة وتتخلى المسلمة عن حجابها بحكم الضرورة وتتم المشاركة في حكم الكفر والقبول بالدساتير الوضعية والحكم بغير ما أنزل الله ويحافظ على هذه الدساتير ويحتكم إليها بحكم الضرورة المعطلة لنصوص قطعية، فإن هذه القاعدة بهذه الصورة تبيح كل المحرمات وتسقط الواجبات فماذا يبقى من الإسلام؟ إنه قول عظيم.


6- إن طريقة الاجتهاد حددها رسول الله " صلى الله علية وسلم " وأرشد إليها في حديثه لمعاذ بن جبل عندما ولاه على اليمن وأخبره أن هناك أهل كتاب فبمَ تحكم، فقال بكتاب الله فإن لم يجد فبسنة رسول الله "صلى الله علية وسلم " فإن لم يجد يجتهد رأيه، ولا يكون العكس، أي لا تُترك النصوص ويُقفز إلى الاجتهاد والعمل بالمصالح وغيرها، فربما نلتمس عذراً لمن أعجزتهُ النصوص فلجأ إلى هذه القواعد وإن كان ذلك غير وارد .
فلا وجود لحادثة من غير نص.


7- الوحي جاء مُبيناً لكل شيء قال تعالى: { ونزلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين }.


فلا يقال يوجد أمر لم يرد فيه نص، والشرع سكت عن بيان حكمه، فالنصوص تناولت المسائل بأعيانها، أو بألفاظ العموم تندرج المسائل تحتها كأفراد العموم، أو معللة فتكون دخلت تحت النص باشتراكها في العلة الواردة في النص، فلا يُتهم دين الله بالنقص وعدم الكمال، ولا يُتهم الله عز وجل بأنه لم يعلم أن الأمة سوف تمر بمثل هذه الأحوال ولم يُشرِّع لها من الأحكام ما يُناسبها، ولا يُتهم الرسول بعدم تبليغ كل ما أُنزل إليه .


ومن ذلك كله نقول أن القواعد التي تقدم للمسلمين في هذه الأيام لا تراعي الضوابط الشرعية وليست هي التي تحَّدث فيها فقهاء المسلمين الأوائل، فالاستحسان تشريع ومن شرَّع فقد كفر، والعرف عند الإمام مالك هو عرف أهل المدينة في زمانه، زمن الصحابة والتابعين وهو إجماع عملي، وهذا مُختلف تماما عن عرف الناس في هذه الأيام، والعرف الذي أقره الشرع أخذ شرعيته من إقرار الشرع له وليس من العرف، وأما التدرج فهو يعني أن يُقسَّم الإسلام إلى حزم فيُأخذ بعضه ويُعطل البعض الآخر ولو كان قطعي الدلالة والثبوت، وهذا لا يعرفه الإسلام، ويتم تقديمه بطريقة خبيثة يُخلط فيها بين الدعوة ومرحليّتها، وتطبيق الشرع من خلال الدولة، فالدولة تُطبق الإسلام على جميع الرعية مسلمين وأهل ذمة دون تمييز، ولكن الدعوة لا يحملها من كفر بها، فكيف يتحالف أهل الدعوة مع الكفار لإيصال الإسلام إلى سدة الحكم؟ .


إن هناك مُغالطات مقصودة لتضليل الناس، كالاستدلال بحكم الخمر على التدرج، وكذلك الضرورات التي هي في باب الرخص الشرعية المحددة بأعذارها في النصوص، والتي لم يعللها الشرع ولا يجري فيها قياس، والأدهى من ذلك وأمر هو تقديم هذه الرخص على أنها أصل ولم تعد حالة استثنائية وإن الأمة أثناء سعيها للخروج من التخلف والانحطاط والإنعتاق من التبعية والتحرر من الاستعمار تحتاج لإعمال العزائم والإصرار على عظائم الأمور حتى تقتعد مكانتها كأمة رائدة، وليس الأخذ بالرخص والقعود عن العزمات ومعالي الهمم.


ومما لا شك فيه أن القواعد التي تُقدم للناس في هذه الأيام هي في غاية الخطورة وغاية الفساد .


أما موضوع صعوبات تطبيق الإسلام الآن في ظل الظرف الحالي فالقول به من باب التهويل وتضخيم العقبات التي تحول بين الإسلام والتطبيق وهذا أمرٌ مُبالغ فيه وخاصةً في هذا الوقت الذي يشهد تغييراً جذرياً على مستوى الشعوب الإسلامية وعلى مستوى الموقف الدولي وتأثير دوله.


فالعقبات في وجه التطبيق يمكن تقسيمها إلى قسمين :


1- أخطار داخلية: متمثلة في رفض المجتمعات للشريعة الإسلامية وعند النظر في واقع مجتمعاتنا نجدها مُتعطشة لتطبيق الإسلام واندفعت ثائرة تريد الإسلام، والمعارضون لتطبيق الشريعة هم أضعف الشرائح في المجتمع .


بقيت شريحة القوة الكامنة في الوسط السياسي والعسكرْ، وهذه الشريحة يتراجع خطرها كثيراً بعد الثورات، ويمكن التعاطي معها بحكمة، والتغلب عليها إن وجدت الجدية وابتعدنا عن العقلية التي بُرمجت على حسابات الماضي التي لا ترى إلا سطوة الحكام وأجهزتهم الأمنية. والأهم من ذلك جميعا أن لا ننسى توفيق الله سبحانه وتعالى للعاملين. وإن الحكام أصبحوا الآن في حالة ضعفٍ واسترضاء للشعوب الثائرة، فلم يعودوا ذلك الخطر الذي يمنع تطبيق الإسلام ولا يمكن التغلب عليهم.


2- أخطار خارجية: تتمثل في القوى الدولية والاستعمارية ووسطها السياسي في بلادنا فإننا نؤكد أن الغرب في حالة عجز في كل قواه، ومأزوم في داخله، وإنَّ خياراته في مواجهة الدولة الإسلامية محدودة جداً ويمكن التغلب على هذا الخطر ببذل الجهد الصادق والعمل السياسي الراقي ومن هنا نقول وبكل تأكيد لا يوجد ما يمنع من تطبيق الإسلام وإعلان دولته إلاّ العقليات التي تشكلت على ثقافة الغرب وبرعاية الحكام وما زالت تأتمر بأمره وتلبس لبوس الإسلام .


اللهم أبرم لأمة الإسلام أمر رشد يُعز به الإسلام وأهله ويذل به الكفر وأهله، ويعمل فيه بكتابك وسنة نبيك اللهم آمين آمين
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته


الشيخ سعيد رضوان- أبو عماد

المزيد من القسم سياسة

يا علماء الأزهر: الشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار!!

ذكرت جريدة اليوم السابع في 26/10/2015م، أنها حصلت على نسخة من تقرير مهم لمرصد الأزهر الشريف أكد فيه "أن التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة "جائزة"، ما دامت ليست من قبيل الاستعانة بالمشركين على المسلمين طلبا لخذلان المسلمين، كما ذكر أن من مقاصد الشريعة عمارة الكون ولتحقيقها تمت الاستعانة بهم في نواح عديدة، منها الإدارية والصناعية والكتابية والقتالية وغيرها، واستدل بأن الرسول r استعان حينما هاجر إلى المدينة برجل مشرك ليدله على الطريق، وكان له غلام يهودي يخدمه بالمدينة، ولما قدم إلى المدينة كتب معاهدة بين المسلمين واليهود جاء فيها: (وأن بينهم النصر على من داهم يثرب)، ولما توجه رسول الله إلى مكة عام الحديبية ووصل إلى ذي الحليفة أرسل عينا له من خزاعة يأتيه بخبر قريش، وكان ذلك الرجل مشركا"، ليختم قائلا: "أما التحالف مع غير المسلم في مواجهة جماعة متطرفة تهدد أمن المجتمعات وسلامتها فعلينا هنا أن نفرق بين من يستعين بالمشركين على المسلمين طالبا خذلان المسلمين، قاصدًا هدم دولتهم، هادفًا إلى إضعاف شوكة الإسلام، كارها مبغضا لهذا الدين وأهله، فهذه الحالة نهى عنها ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وبين من يفعل ذلك ردا لعدوان فئة باغية لا يستطيع رد عدوانها وحده، مع احتفاظه بسيادة دين الإسلام في بلده ظاهرا غالبا، فلا مانع له أن يستعين بغير المسلمين تحقيقا لمصالح المسلمين؛ ولضرورة أمن المجتمع وسلامته".

من الواضح جدا أن الوضع في الشام يلقي بظلاله على المنطقة كلها، وأن هناك ترتيباً وتحضيرات لكي تصبح مصر مخلبا من مخالب أمريكا في الشام بإدخالها إلى حلبة الصراع كما فعلت في ليبيا من قبل، كجزء من حلف أمريكا في حربها الصليبية الجديدة بعد أن أوشكت روسيا على الفشل، وحتى لا يغضب أبناء الكنانة لتحرك جيشهم تجاه إخوانهم في الشام، ويكون هناك مبرر لقمع من يظهر الغضب منهم، فلا بد من مبرر قوي وفتوى شرعية لخداع أهل الكنانة وأبنائهم في الجيش حتى لا يؤرقهم فيما بعد تلوث أيديهم بدم إخوانهم في بلاد الشام، وبدلا من أن يصدر مرصد الأزهر وعلماء الكنانة بيانا وفتاوى تحرم تلك التحالفات على أبناء الأمة وتجرم الدخول فيها، وتبين وجوب نصرة أهل الشام وأهل فلسطين وغيرهم ورد كيد أعداء الأمة من أمريكا ويهود والغرب الكافر، أصدر المرصد تقريرا أجاز فيه التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة، ما دامت ليست من قبيل خذلان المسلمين، وكأن قتل المسلمين ليس خذلانا لهم أو أنه قد أصبح أحد مقاصد الشريعة، ولا ندري من أين أتى المرصد بهذه الفتوى وما دليله عليها؟! ولا عن أي شريعة وأي مقاصد يتحدث؛ فمقاصد الشرع تحفظ النفس المسلمة لا تقتلها بتحالف مع عدو الله ورسوله وعدو الأمة، والمعلوم من قول رسول الله r «إنا لا نستضيء بنار المشركين» ورده على المشرك الذي لحق بالجيش «إنا لا نستعين بمشرك»، أما الاستعانة في الأمور الإدارية فلم يرد تحريمها، وهي تختلف جملة وتفصيلا عن الاستعانة في القتال فضلا عن قتال المسلمين، والأصل فيها الإباحة ولا يجوز قياسها على قتال أهل البغي من المسلمين بأي حال من الأحوال، فهي ليست من الأمور الإدارية وإنما هي أحكام شرعية لأفعال الأصل فيها التقيد بأحكام الشرع المستنبطة من أدلتها، وما أتى به النص الصريح هنا في قتال طائفتين من المؤمنين ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه﴾ فالأصل في قتال طائفتين من المؤمنين أن نعمل على الإصلاح بينهما ثم يقاتل المسلمون، والمسلمون فقط دون غيرهم، الفئة الباغية طالما بقيت على بغيها حتى تعود عنه، ولا يجوز لهم أن يستعينوا بكافر على إخوانهم بعدوهم أبدا، فكما في الصحيحين «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وحتى نفصل في الفتوى يجب أن نستعرض واقع الأمة اليوم؛ حيث لا وجود لدولة إسلامية بالمفهوم الشرعي بل كلها بلاد إسلامية يسكنها مسلمون، يحكمها حكام ضرار مغتصبو سلطة وضعهم الغرب الكافر على رؤوس البلاد والعباد لرعاية مصالحه ولقهر الأمة واستعباد شعوبها للغرب الكافر، وكل من حاول الانعتاق من التبعية والتملص من ربقة الغرب يتسلطون عليه بسلاح ثمنه من أموال وأقوات الأمة واصفين كل من حاول الانعتاق بكل أوصاف التطرف والإرهاب والخروج.

وهنا مع هذا الواقع يكون واجب الأمة خلع هؤلاء الحكام وتنصيب خليفة واحد تكون رئاسته عامة لجميع المسلمين ويحصل الحكم ببيعة شرعية صحيحة ويحكم الأمة بالإسلام كاملا شاملا غير منقوص، ويكون له وحده حق تبني الأحكام الشرعية وسنها دستورا وقوانين، بهذا فقط يكون لدينا دولة إسلامية من حقها وحدها قتال البغاة والخارجين، أما هؤلاء الحكام وعلماؤهم وعملاؤهم فهم مغتصبون لسلطان الأمة محاربون لله ورسوله وأوليائه، وهم آخر من يقيم للإسلام وأحكامه وزنا أو احتراما في بلادنا ولا علاقة لهم لا بالشرع ولا بمقاصده، وأول من يدرك ذلك هم العلماء قبل عوام الناس من أهل الكنانة وغيرها، فلا يجوز لهم أن يبرروا ويشرعنوا خياناتهم في تجارة بالإسلام واستغلال واضح لجهل الناس بأحكامه لصالح حكام السوء ومن خلفهم الغرب الكافر عدو الإسلام والمسلمين، والذي يبررون الآن التحالف معه لوأد ثورة الأمة في الشام وغيرها، في محاولة يائسة لمنع عودة الخلافة على منهاج النبوة والتي أصبح نجمها يعلو في الأمة بعمومها والشام خاصة، والتي فضحت العملاء وعلماء السوء وأبت إلا أن تكشف كل متلون مخادع، ولن يبقى ثابتا إلا من يستحقون بحق أن يكونوا كأمثال الصحابة وأن تقام على أكتافهم دولة خلافة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض.

يا علماء الأزهر الكرام وأحفاد العز بن عبد السلام سلطان العلماء، لا تكونوا أكثر الخاسرين فتبيعوا دينكم بدنيا غيركم، ولن ينفعكم حكام السوء أو يغنوا عنكم من الله شيئا، فكونوا مع الحق الذي تعلمون وطالبوا أهل مصر الكنانة وجيشها بخلع حكام السوء وإعلانها خلافة على منهاج النبوة، ونصرة أهل الشام وفلسطين وسائر المستضعفين من أبناء الأمة، فهذا دوركم ودورهم، فأنتم ورثة الأنبياء وهم جند الله ورسوله ودرع الأمة وحماة الإسلام فحرضوهم على نصرة الله ورسوله تفوزوا وإياهم ويكون لكم وللكنانة السبق في ركب الجنة.

يا أهل الكنانة وعلماءها وجيشها، يا من كنتم للإسلام درعا وحصنا وكان للإسلام بكم عزٌّ ومنعة من للإسلام، إن لم يكن أنتم من ينتصر لحرمات المسلمات غيركم من يحرر الأقصى دونكم، إن الأقصى والشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار وخلف عدو من أعداء الله ولخدمة الغرب الكافر ولفرض نفوذه ومخططاته ومنع عودة الحياة الإسلامية من خلال خلافة على منهاج النبوة، وإنما تنتظركم أنتم جند صلاح الدين تحت راية رسول الله r، تنتظركم ناصرين فاتحين محررين كما عهد بكم، تنتظركم بأسا شديدا على أعداء الله ورسوله وعزا لدينه ومددا لأنصاره، واعلموا أن نصر الله قادم لا محالة، فليكن بأيديكم أنتم وليكن لكم السبق للفردوس الأعلى مع أنصار الأمس فإنها الجنة، والأيام القادمة أيام فاصلة فانحازوا فيها لما يحب الله ويرضى وانصروا إخوانكم في حزب التحرير واحملوا معهم مشروع الأمة المنبثق عن عقيدتها خلافة على منهاج النبوة تنهي التبعية للغرب الكافر وتعيد عز الإسلام وأهله وتعيد بلادنا سيدة الدنيا كما كانت، اللهم اجعله قريبا واجعله بأيدينا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله عبد الرحمن

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

نعمة الأمن والأمان في الأردن

نتغنى في الأردن بالأمن والأمان، وإذا ما تكلم بعضنا بوجوب نصرة الشام والأقصى رد علينا آخرون بقولهم أنتم تريدون إشاعة الفوضى في البلد والقضاء على الأمن والأمان، ألا ترون ما حدث لأهل سوريا ومصر وليبيا واليمن وغيرهم؟

أقول لمثل هؤلاء: إن نعمة الأمن والأمان والرخاء الاقتصادي كان يتنعم بها أهل مكة، فقد آمنهم الله من الجوع والخوف بينما كانت القبائل من حولهم يغير بعضها على بعض فيقع فيهم القتل والأسر، قال تعالى مذكرا إياهم أنهم كانوا في أمان بينما غيرهم يعيش في خوف ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فماذا حدث لأهل مكة؟ هل استمر الأمن والأمان؟ هل حافظوا على نعمة الأمن والأمان؟ قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.

أطعمهم من جوع: أمان اقتصادي... كانت خيرات الجزيرة العربية والشام واليمن تجبى إليهم في رحلتين سنويتين، رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وآمنهم من خوف: كانت القبائل تسعى إلى ودِّهم لأنهم أهل الحرم،كما أن الرحلة في الصحراء إلى اليمن جنوبا والشام شمالا دليل على الأمن الذي تنعَّم به تجار مكة.

ولما بعث رسول الله r إليهم طلب منهم أن يحافظوا على هذه النعمة، كيف؟

اسمعوا قوله تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ

إذن المحافظة على الأمن والأمان تكون بطاعة الله عز وجل، وتنفيذ أوامره سبحانه في الحياة العامة، في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة الخارجية، وليس الاقتصار على تنفيذ أمر الله في العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات فقط، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ أي نفذوا أحكام الإسلام كلها، فلا يجوز أن نقصر الإسلام على جزء منه ونترك الباقي خوفا من أمريكا وأوروبا وغيرهما من دول العالم.

فحتى نحافظ على الأمن والأمان يجب تغيير الدستور إلى دستور إسلامي وتغيير النظام الحاكم من نظام علماني إلى نظام إسلامي، وأن تسترد الأمة سلطانها وتختار حاكمها لتبايعه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله r... وفي ذلك تحقيق لعبادة رب البيت.

وأما عصيان الله وإعلان الحرب على أحكامه الشرعية فهو خسران الأمن والأمان، والحكم بغير ما أنزل الله خروج عن طاعة رب البيت، والتنسيق مع روسيا في حربها على المسلمين في الشام خروج عن طاعة رب البيت، والمشاركة في التحالف الصليبي خروج عن طاعة رب البيت، وإباحة الربا باسم الحرية الاقتصادية، وإباحة التعري والسفور والاختلاط والمثلية الجنسية باسم الحرية الشخصية خروج عن طاعة رب البيت، وترك قطعان يهود يمارسون عربدتهم في الأقصى خروج عن طاعة رب البيت، وتأييد نتنياهو في تركيب كاميرات التجسس خروج عن طاعة رب البيت، وخذلان أهل سوريا وتركهم لبشار وروسيا وإيران وحزبها في لبنان خروج عن طاعة رب البيت، وإرسال الجيش الأردني ليحارب المسلمين بدلا من توجيههم لمحاربة يهود وتحرير الأقصى وفلسطين منهم هو خروج عن طاعة رب البيت...

أهل مكة رفضوا دعوة الله فخسروا الأمن والأمان.

انقسم المجتمع إلى مؤمنين وكافرين... أصبح الأخ يعادي أخاه والابن يعادي أباه والزوجة تعادي زوجها والعبد يعادي سيده. عصا العبيد أسيادهم، وعصا الشعب حكامه، وسموا زعيمهم أبا الحكم بأبي جهل. وأمر الله نبيه والمؤمنين بتهديد أبي جهل ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ثم أمره أن يعلن الوصف الحقيقي لأبي جهل ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ثم يستأنف التحدي والتهديد والوعيد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ثم أمر رسوله والمؤمنين بعصيان الحاكم المجرم وإعلان التمرد على دستوره ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.

لو دخل أبو الحكم في الإسلام وعبد ربَّه الذي أعطاه الأمن من الجوع والأمن من الخوف لما فرق مجتمعه، ولو آمن زعماء مكة لحققوا شرفا ما بعده شرف، ولظل ذكرهم معطراً خالدا، ولكنهم رفضوا الشرف واستغربوا وعد الرسول r بالانتصار على فارس والروم، واتهموه بالجنون، ففقدوا الأمن والأمان وقُتلوا في معركة بدر، أين هم الآن؟!.. في الجحيم والعياذ بالله وقانا الله وإياكم ذلك المصير. أما أولادهم الذين آمنوا بدعوة الإسلام فقد حافظوا على نعمة الأمن والأمان وأصبحوا قادة البشرية.

ونحن في الأردن إذا لم نعِ الدرس وندرك أن الحفاظ على الأمن والأمان لا يكون إلا بعبادة رب البيت... فسنخسر الدنيا والآخرة.. نعوذ بالله من ذلك... وها نحن نرى بعض البوادر في فقدان نعمة الأمن والأمان من انتشار العصابات والعنف في الجامعات والعشائر وفساد الدولة ونهب المال العام والفقر والبطالة... وإذا لم نعد إلى ديننا عودة حقيقية فسيستمر الخسران حتى نجد أنفسنا مشردين لاجئين كأهل البلاد من حولنا... لا قدر الله.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نجاح السباتين – ولاية الأردن