الفساد والنظام والتغيير وواقع الدول، دراسة وتأمل
September 09, 2021

الفساد والنظام والتغيير وواقع الدول، دراسة وتأمل

الفساد والنظام والتغيير وواقع الدول، دراسة وتأمل


قد يقول قائل إن الفساد والإفساد في الأرض يكون بمخالفة شرع الله، وما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، وهذا شيء نعرفه ويكاد الخطباء يكررونه على المنابر في كل خطبة حتى حفظناه، فما الجديد في الأمر؟


نعم إن مخالفة شرع الله هي التي تؤدي إلى الفساد والإفساد والظلم والفسق والطغيان في الأرض، وهذا الكلام على عمومه هو الصحيح والذي لا يعلى عليه. إلا أن موضوع المقالة اليوم هو بيان كيفية حدوث هذا الفساد في بلد ما وكيف أن وجوده يصبح قدرا يحير الحكماء ويعجز الخبراء ويفشل الحكومات ويحبط الشعوب فتصبح ذليلة وعاجزة وترتضي الفساد وتتعايش معه وتكيف نفسها في بيئته، الأمر الذي يؤدي إلى أن تصبح الشعوب نفسها فاسدة: أحزابها ووسطها السياسي ورجال الدولة كلهم مغمورون بالفساد وإن اختلفت درجات هذا الانغماس، فالكل يصبح فاسدا أو في طريقه لذلك، أو يصبح فاسدا دون أن يدري وهؤلاء كثر وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا!


وهنا نعيد تكرار السؤال نفسه؟ لماذا الكل أو الغالبية منغمسة بالفساد رغم أن منهم الحافظ للقرآن والفقيه والمفتي المفسر والعالم والمفكر الإسلامي ومعلم اللغة وفقيهها؟ لماذا كل هذا الفساد وفي البلاد توجد المراكز الفقهية والفقهاء والأئمة والأطباء والخبراء والتقنيون والمعلمون والمهندسون وغيرهم من الكوادر والمختصين؟! لماذا يتغلغل الفساد رغم أن كل مؤشرات دوائر البحوث والفكر في العالم الغربي والشرقي تري بكل وضوح مدى تنامي حب المسلمين للإسلام ومدى تنامي التزامهم بإسلامهم وعودتهم له بحب وشغف مع مرور الوقت؟!


كان البعض وما زال يقول لو أننا نصلح الفرد سيصلح المجتمع، وكانوا يظنون أنه بزيادة عدد الأفراد الصالحين في المجتمع سيتغير الحال للأحسن وسيضمحل الفساد والإفساد في البلاد. ولكن الذي يحصل عكس ذلك تماما، فمنذ التسعينات والمسلمون بفضل الله يتوجهون بقوة لدينهم لدرجة أن وصل العديد من الجماعات الإسلامية في كثير من بلداننا للحكم وصاروا حكاما ولكن حال بلدانهم يصبح أسوأ وأسوأ وحال الشعوب أشد ضنكا وفسادا. وإذا بمقولة "أصلح الفرد يصلح المجتمع" قد أثبتت فشلها الذريع وعدم صدقها وأنها تخالف الواقع بل قد ثبت أنها فكرة خيالية بل فكرة مضللة.


ثم فهم آخرون أن المشكلة في بلداننا تكمن في النظام الذي يحكم البلاد، وهذا كلام صحيح لا غبار عليه، ولكنهم لم يفهموا كيف يغيرونه، فراحوا يغيرون الحكومة تلو الحكومة في البلاد حتى وصل الحال أن يبيت الشعب مع حكومة ويصبح مع حكومة أخرى، ولكن الحال من سيئ إلى أسوأ والفساد يضرب في أعماق حياتنا والحياة تشل عن الحركة لدرجة وصلت إلى عدم توفر أساسيات الحياة من طعام وشراب وعلاج ووقود كما في لبنان اليوم مثلا.


وهنا نعود للسؤال نفسه ولكن بصورة أخرى، النظام هو سبب الفساد والإفساد وليس قلة الأفراد الصالحين بل هم كثر، وحاولت الشعوب الانقلاب والتغيير إلى درجة أن أصبح تغيير الحكومات سهلاً كتغيير النعال - أعزكم الله - إذاً كيف يكون سبب الفساد هو النظام ولم يتغير الحال بتغيير الحكومات وبالتعديلات الدستورية التي تواكب كل حكومة جديدة، لا بل إن بعض هذه الحكومات كانت إسلامية وبأغلبية برلمانية؟


وللإجابة على هذا السؤال يجب العودة لفهم الواقع ابتداء، فصحيح أن الدين جاء ليغير الواقع، ولكن يجب معرفة هذا الواقع ابتداء لتتم معالجته المعالجة الصحيحة التي جاء بها الإسلام. فالإسلام جاء بعلاج لوقائع مختلفة وحسب نوع الواقع وضع العلاج. ولا يجوز عقلا ولا شرعا أن نعالج واقعا بمعالجة إسلامية لا تناسبه، تماما كما يحدث في الأمراض، فلا يجوز للطبيب أن يعالج أمراض السكري بأدوية النقرس، أو بأدوية الروماتيزم مثلا، لأن هذا سيفشل العلاج بل سيزيد حالة المريض سوءاً وتعقيدا ويزيد الطين بلة، وإن كان الطبيب نيته حسنة ولو كان إنساناً ملتزما وذا خلق إلا أنه خالف قواعد الطب في العلاج ولذلك حصل على نتائج عكسية. وهذا تماما ما يحدث إذا أرادت الشعوب أن تعالج واقعها الفاسد دون أن تفهم واقعها أولا وتشخصه تشخيصا صحيحا ثم بعدها تبحث له عن علاج في الإسلام.


وهنا نصل من جديد إلى سؤالنا الأول نفسه، ولكن بصيغة أخرى أكثر تفصيلا: ما هو واقع الدول القائمة في بلادنا الإسلامية؟ وهل هو واقع واحد؟ وكيف يمكن تغيير النظام فيها؟


وللإجابة على هذا التساؤل ينبغي تبيين أمر مهم للغاية وهو: تفصيل واقع الدولة عموما من ناحية السيادة والاستقلال. فلكل دولة في العالم أمور لا يمكنها أن تستغني عنها أبداً وهي تعتبر شرايين الحياة للدول، بدونها يتوقف قلبها ولا يعمل، وهي:


1. المداخل والمخارج لها من المطارات والمعابر والحدود البرية والبحرية إن وجدت.
2. الثروات وأهمها المياه والطاقة بأنواعها والزراعة.
3. الجيش والأمن.
4. الدستور والقانون.


هذه الأمور الأربعة تلزم كل دولة وبدونها لا تتشكل الدول وإن تشكلت تكون دولا كرتونية هزيلة آيلة للسقوط لأنها لا تملك أساسيات الحياة لشعبها، فيتركها الناس في أي فرصة تسنح لهم ويهجرونها، وتبعا لمن يسيطر ويتحكم بشرايين الحياة هذه في الدول تحكما فعليا لا شكليا، تتنوع الدول في العالم وتنقسم إلى ثلاث أقسام:


القسم الأول هو الدول المستقلة: وهي الدول التي لديها سيادة كاملة على هذه الشرايين داخليا وخارجيا أي تستطيع حماية ورعاية والحفاظ على شرايين الحياة فيها بنفسها أي بجيشها وشعبها وتستطيع أن تسير سياستها الداخلية والخارجية دون تدخل أو إملاء خارجي من دول أخرى. هذه الدول هي الدول المستقلة، أي الدول التي استقل قرارها السياسي داخليا وخارجيا لأنها سيطرت بقوة جيشها وشعبها وقانونها ودستورها على شرايين حياتها ولأنها سيرت مصالحها الخارجية مع الدول الأخرى بصورة مستقلة أي بدون إملاءات خارجية. وأمثال هذه الدول أمريكا والدول الأوروبية وروسيا مثلا.


القسم الثاني من الدول: الدول التي تدور في الفلك؛ وهي الدول التي لديها سيادة كاملة على هذه الشرايين داخليا فقط ولكنها لا تستطيع تسيير سياستها الخارجية بصورة مستقلة عن مصالح الدولة أو الدول الكبرى ولذلك تجدها في سياستها الخارجية تدور في فلك الدولة أو الدول الكبرى لعجزها عن تسيير شؤونها الخارجية بنفسها. أما داخليا فلها جيشها ودستورها وقوانينها وسياستها الداخلية المستقلة عن إملاءات الخارج عادة. وأمثال هذه الدول تركيا وإيران وكندا وماليزيا وكوريا الجنوبية وإندونيسيا وغيرها.


القسم الثالث من الدول: الدول التابعة؛ وهي الدول الذليلة التي لا تقوى على حماية شرايين حياتها بنفسها لا داخليا ولا خارجيا إلا بإملاءات وتحكم خارجي من دول أخرى، ولذلك سميت دولاً تابعة أو عميلة أو فاشلة أو وكالات وشركات للدول المسيطرة عليها. فجيشها متحكَّم به ودستورها مفصل ليخدم مصالح الدول المتحكمة بها. وثرواتها نهب وبواباتها ومطاراتها ومعابرها مشرعة للدولة التي تتحكم بها وتستعملها، وهذا حال جملة الدول القائمة في البلاد الإسلامية.


والآن يتبين لنا واقع الدول في العالم وكيف يتم فهم الواقع فيها بناء على مفهوم السيادة الفعلي على شرايين الحياة في الدول. ولننتقل للإجابة على التساؤل المطروح ابتداء: كيف يحدث الفساد والإفساد في البلاد وكيف يمكن القضاء عليه ومعالجته؟


أولا يجب معرفة واقع الدولة العربية أو العجمية، أتجنب الآن أن أقول إسلامية بعد التفصيل أعلاه حتى لا أخالف الواقع، فمثلا لنأخذ مصر:


كيف يتغلغل الفساد في مصر؟ والجواب إن شرايين الحياة في مصر يتحكم بها الجيش المصري ولكن ليس لصالح الشعب المصري وإنما لصالح أمريكا وبتحريك وتوجيه وتحكم خارجي من أمريكا. فمصر تعتبر دولة تابعة لأمريكا لأن رئيسها وأمنها ودستورها وشرايين حياتها تتحكم بها أمريكا. ولذلك إذا أردت أن تزيل الفساد والإفساد في مصر فإن عليك أن تنتزع سيادة مصر من يد أمريكا من جديد. وهذا لا يكون إلا بأن يلتحم الجيش والشعب من جديد ضد أمريكا وعندها فقط يستطيع المصريون أن يستقلوا وعندها فقط يمكن الحديث عن إزالة الفساد والفاسدين. ولذلك فإن تغيير الحكومات في مصر ووجود البرلمانيين والحكومات ذوي الأغلبية الإسلامية أو غير الإسلامية لن تغير واقع مصر ولن تزيل الفساد إطلاقا بدون رفع يد أمريكا عن شرايين الحياة في مصر واستعادة المصريين لسيادتهم وقرارهم السياسي داخليا وخارجيا من يد أمريكا. لأن السيادة ليست كلمة تقال بلا معنى وإنما لها معنى فعلي في الدول وبدون وجود السيادة هذه فلن تحقق أي ثورة أي تغيير ولو كان بسيطا، وأن يزال أي شيء من الفساد المتغلغل والضارب في جذور الحياة في مصر، وهكذا تونس وهكذا السعودية ومعظم البلاد العربية والإسلامية.


وهذا معنى قوله تعالى ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ أي لا يجوز أن يكون للكافرين سيطرة وسيادة على دساتيرنا وشرايين حياتنا لأن ذلك سيزيل سيادة الإسلام عن حياتنا وسيزيل استقلاليتنا وحكم الله فينا وسيجعل السيادة للمتحكمين بنا وعندها سيعشش الفساد وسيتغلغل في بلداننا ولن نقوى على صد أي عدو أو تحرير أي أرض أو صناعة سيارة أو التحكم بأسواقنا وتجارتنا وحياتنا ولا بقوتنا ولا حتى بخبزنا ومياهنا.


والعلاج الإسلامي لكي لا تقع البلاد الإسلامية تحت سيادة الكفار هو بأن الله قد شرع نظاما سياسيا فريدا متميزا وهو نظام الخلافة، التي ترعى المسلمين وتحمي بيضتهم وعزتهم وثرواتهم وخيراتهم وحياتهم وأعراضهم وكرامتهم ومالهم، ويطبق فيها شرع الله ودستوره المنبثق من القرآن والسنة وإجماع الصحابة والقياس الشرعي. فكل شيء في الخلافة مستقل عن التحكم الخارجي وعن سيطرة الدول الكافرة والمستعمرة على شرايين حياتنا، ودستورنا مستقل عن دساتير الدول الكبرى الاستعمارية لأنه ببساطة منبثق من الكتاب والسنة، وجيش الخلافة وخليفتها حاميان لشرايين حياتنا وكرامتنا وعزتنا ودستورنا، وبهذا فقط قضى الإسلام على الفساد والإفساد في البلاد. وهذا هو معنى تمكين الدين للمسلمين في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾. وهذا معنى الخلافة في حديث رسول الله ﷺ عن أَبي هريرةَ رضي الله عنه قَالَ: قالَ رَسُول اللَّه ﷺ: «كَانَت بَنُو إسرَائِيلَ تَسُوسُهُمُ الأَنْبياءُ، كُلَّما هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبيٌّ، وَإنَّهُ لا نَبِيَّ بَعدي، وسَيَكُونُ بَعدي خُلَفَاءُ فَيَكثُرُونَ، قالوا: يَا رسول اللَّه، فَما تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: أَوفُوا بِبَيعَةِ الأَوَّلِ فالأَوَّلِ، ثُمَّ أَعطُوهُم حَقَّهُم، وَاسأَلُوا اللَّه الَّذِي لَكُم، فَإنَّ اللَّه سائِلُهم عمَّا استَرعاهُم» متفقٌ عليه.


فالخلافة ليست كما يظن البعض قطع يدٍ وجلد ظهرٍ ورجم الزاني، بل هي تطبيق الإسلام كاملا في الداخل والخارج بحيث تكون السيادة على شرايين حياتنا للإسلام والمسلمين، وبذلك يمحى الفساد ويمنع الإفساد بكل أشكاله وأنواعه بنظام ودستور الإسلام العادل والراشد في دولة الخلافة.


والآن بقيت مسألة واحدة، وهي ما هي الخطوات العملية لإرجاع سيادة المسلمين لهم في بلدانهم بعد أن فقدوها وتحكم بها المستعمرون؟ أي كيف يمكن إرجاع الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة إلى الحياة من جديد؟


لن يتسع المقام لذكر تفاصيل ذلك هنا ولكن نبينه على عمومه:


لقد بين حزب التحرير ذلك بالتفصيل، فالخلافة وإعادتها من جديد هي تخصص حزب التحرير منذ أن نشأ، وهناك طريقة شرعية لتحويل البلاد من دار تحكم بغير الإسلام إلى دار تحكم بأحكام الإسلام، وهذه الطريقة منصبة على فهم واقع البلدان والدول المبين أعلاه وفهم المعالجة المناسبة لواقع كل بلد مناط البحث. ولكن عموما فلا بد للشعب من استرجاع جيشه إليه، ولا بد للشعب من السيطرة على شرايين الحياة في بلاده حتى يتمكن من فعل ذلك، أي لا بد للشعب من استعادة سلطانه. ورأي حزب التحرير المبني على هذا الفهم يقول بضرورة أن تعمل كل الأمة وأحزابها وعلمائها ومفكريها والمخلصين فيها على كل المستويات بالكفاح السياسي والصراع الفكري وطلب النصرة من أولي القوة والمنعة المخلصين من أبناء الجيوش لإعادة سلطان الأمة على شرايين حياتها لها وإزالة أدوات الدول الاستعمارية التي تتحكم بالبلاد عن طريقهم.


هذا على عجالة ولكن الأمور مفصلة ومدونة ومؤسسة في أدبيات حزب التحرير ومؤلفاته بناء على فهم الأدلة الشرعية وقوة الدليل، طبعا بعد أن درس الواقع جيدا لمعرفته ثم معالجته بمعالجات الإسلام الحنيف. قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
الدكتور فرج ممدوح

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر