الفتنة والسَّكرة الكبرى بقطر والخيانات العظمى بأنقرة والرباط ودبي!
December 19, 2022

الفتنة والسَّكرة الكبرى بقطر والخيانات العظمى بأنقرة والرباط ودبي!

الفتنة والسَّكرة الكبرى بقطر

والخيانات العظمى بأنقرة والرباط ودبي!

ما وجدنا في تاريخ هذه الأمة على عديد أزمنتها مثلاً أغلظ وأقسى للخيانة من خيانة حكام زماننا، وليس من دليل في تاريخ الأمم على جمع من الخونة في زمن واحد كجمع خونة حكامنا! إذا شئت أن تعرف لسواد الخيانة معنى فانظر في سياسة حظائر الاستعمار ترى حقيق الخيانة وتمام معنى سوادها.

لا معنى في حكمهم إلا للخيانة، كل أمرهم خيانة؛ خيانة للدين، للأمانة، للرعية، للبطانة، للحكم، للسياسة، للقضاء والحقوق،... ومن نوائب دهرهم ومن فحمة خياناتهم أن جعلوا اللغو جدا، ثم اتخذوه مطية لبلوغ مآرب خائنة أخرى.

ولا يذهبن عنكم اليوم أن خيانتهم لكم هي في لغوكم ولهوكم وفتنتكم وسكرتكم بكأس جلدة الريح بدويلة الضرار قطر، وانشغالكم عما يُعقد ويُبرم من اتفاقيات وصفقات ومؤتمرات ولقاءات بشأن مصيركم وقضاياكم، فهذه الفتنة والسكرة بلغْوِ كأس قطر هي مطية المطايا لخيانة عظيم قضاياكم، ففي زمن هزل لغوكم وسكرتكم يعقد ويبرم جد غدركم وخيانتكم.

وقد حانت الآن استفاقتكم من سكرتكم فلقد بلغ سيل الخيانات الركب؛ هناك بأنقرة الأناضول دجالها اتخذ من وأد ثورة الشام المباركة هدفا وغاية، حتى صرح وزير خارجيته مولود جاويش أغلو "أجريت محادثات قصيرة مع وزير الخارجية السوري في اجتماع دول عدم الانحياز ببلغراد... علينا أن نصالح المعارضة والنظام السوري بطريقة ما وإلا فلن يكون هناك سلام دائم"، ثم بدأ التسويق للقاء بين دجال أنقرة وسفاح الشام، وكانت وسائل إعلام تركية قد ألمحت إلى إمكانية عقد لقاء بين أردوغان والأسد في روسيا لإنهاء أكثر من 10 سنوات من القطيعة.

أي أن دجال أنقرة بعد أن ساق ثوار الفنادق ومليشيات البنادق المأجورة ومرتزقة الثورة إلى طاولة المفاوضات ومن ثم العودة إلى حظيرة السفاح ولحضن نظام الطاغية، حان وقت إعادة تأهيل سفاح الشام وإعادة تدوير نظامه، حفظا لنظام إجرامه وخدمة لأمريكا في الحفاظ على كلب حراستها للمستعمرة بدمشق.

ثم كانت العملية العسكرية الأخيرة بشمال سوريا والعراق، وكانت السحابة الكثيفة لكأس فتنة دويلة قطر اللحظة المثالية لتنفيذها، ومن أهدافها المعلنة إنشاء حزام أمني شمال سوريا تحت ذريعة محاربة إرهاب المليشيات الكردية (قوات سوريا الديمقراطية "قسد")، وقال وزير الخارجية جاويش أوغلو "نحن بحاجة إلى مواصلة عملياتنا حتى نطهر المنطقة من الإرهابيين... نحن على اتصال مع النظام السوري على مستوى المخابرات". والحقيقة أن دجال أنقرة عبر عمليته العسكرية يسعى لإعادة الشمال السوري لسيطرة سفاح الشام، بل إن من شروط أمريكا اللافتة للنظر والتي أمرت بها مليشيات (قسد) العميلة لها الانسحاب 30 كلم، أي إفساح المجال أمام عساكر أردوغان. كما أن الوساطة الروسية التي رحب بها أردوغان ومليشيات (قسد) من أهدافها تسليم الشهباء شمالي حلب ومنطقتي منبج وعين العرب بريف حلب لقوات سفاح الشام مع دمج مليشيات (قسد) في عساكر السفاح (أي ضخ دماء جديدة في العصابة المجرمة بدمشق)، وهذا التسليم والسيطرة بتواطؤ تام مع دجال أنقرة. ثم ذلك الحديث الكافر مصحوبا بالفعل الغاشم الآثم في ترحيل ملايين اللاجئين وقسرهم على العودة إلى المحرقة.

هذا ما يقع في زمن هزل لغوكم، فعملية دجال أنقرة في الشمال السوري هي مكره الخبيث بثورة أهل الشام وسعيه الحثيث لوأدها. ثم ما اكتفى بخيانة أهل الشام حتى أردف معها خيانة أهل فلسطين، وفي وقاحة سافرة صرح وزير خارجيته جاويش أغلو "أن تركيا و(إسرائيل) قامتا بتطبيع العلاقات بينهما... إن هذا التطبيع يقدم مساهمات لكلا الجانبين" (روسيا اليوم 2022/12/2).

ثم ترادفت الخيانات وتلاحقت فشهدنا مؤتمرا بالمغرب لتثبيت خيانة التطبيع مع كيان يهود عبر إدراجها في مناهج التعليم لأبناء المسلمين بأرض المغرب وبلاد المسلمين الأخرى. فقد انطلقت بالعاصمة الرباط أشغال مؤتمر دولي حول "التعليم والتعايش" بمشاركة مسؤولين حكوميين وخبراء من كيان يهود ورأس الشر أمريكا، والهدف المعلن "هو تعزيز التعاون مع كيان يهود وباقي دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في العديد من المجالات" بحسب وكالة الأنباء المغربية 2022/12/06، واستمر المؤتمر ثلاثة أيام وبحسب المصدر نفسه فالمؤتمر يندرج ضمن مبادرة (ن7) التي أطلقها برنامج الشرق الأوسط لمركز التفكير الأمريكي (المجلس الأطلسي) بشراكة مع مؤسسة جيفري إم.تلبينز (أي تحت إشراف الخارجية الأمريكية)، وبحسب بيان صادر عن المجلس الوطني الأمريكي فإن مبادرة (ن7) تهدف إلى "توسيع وتعميق التطبيع بين (إسرائيل) والدول العربية..".

هي مناهج تعليم حظائر الاستعمار الرخيصة الحقيرة توظف غربيا المرة تلو المرة ضمن حملة مسعورة في حرب الأفكار وصراع الحضارات، لمسخ العقول وتزييف الوعي وتشويه المفاهيم، واقتلاع بذرة الإيمان من النفوس وانتزاع جذوة وحرارة العقيدة الإسلامية من العقول والقلوب لقتل تأثيرها ومحو صلابة كفاحها وجهادها. ومؤتمر الرباط المشؤوم الذي ناقش لمدة ثلاثة أيام المواضيع الحضارية الصلبة (الدين، الثقافة، الفكر، ميادين البحث، مناهج التلقين) هو لتدجين عقول أبناء المسلمين للقبول بجرثومة كيان يهود صنيعة الغرب الكافر المستعمر كجزء من نسيجهم وجغرافيتهم بل وثقافتهم، أي تدمج خيانة إقرار المغضوب عليهم على غصب أقصانا ومسرى ومعراج نبينا ﷺ كمادة تعليمية مستساغة.

أما في إمارات شرك الإبراهيمية فصبية زايد الأشقياء الذين استنزفهم حب يهود، فاستفحلت بهم الرزية وتفاقمت بهم المصيبة والبلية، ففي عداوتهم السافرة للإسلام تراهم يسارعون في المغضوب عليهم، وقد صادقوا مؤخرا على اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة مع كيان يهود وبموجبها ستلغى أو تخفض الرسوم على 96% من المنتجات حسب رويترز، (العربي الجديد 2022/12/11). وكأنك بصبية زايد الأشقياء بعثٌ من منافقي العرب القدامى في فجور عداوتهم للإسلام وأهله، وقد غلبتهم شقوتهم في استجلاب يهود لجزيرة العرب لإعادة شؤم أحلافهم الغابرة.

هي الخيانة دوما وأبدا، وأبى الرويبضات العملاء إلا أن يأتوها صفاً ويدخلوا فيها جمعاً. فهذه الخيانة الفاجرة والانبطاح المخزي لأنظمة الضرار أمام كيان يهود تجاوزت كل حدود الحقارة، فهي أبعد من تطبيع للعلاقات مع الكيان المسخ، بل تتجاوزها لمد هذه الجرثومة بحواضن لاستمرار حياتها وبقائها. ومتى عُلِم أن الوضع الجيوستراتيجي في هذه المنطقة الحساسة من أرض الإسلام (الشام، العراق، مصر، الحجاز) يعرف اهتزازات كبرى وزلازل سياسية من المستويات القصوى، تنبئ بانقلاب وتغير جذري في الموقف الدولي برمته وميزان القوى، والفاعل الأساسي هو الإسلام العظيم وتكتل الواعين المخلصين على أساسه، فضلا عن الجغرافيا الجيوستراتيجية للمنطقة فنحن في قلب البلاد الإسلامية وفي لب قلب العالم، أي أن هزة الإسلام الجيوستراتيجية في هذه المنطقة موجتها ستكتسح بلادنا بنفس القوة والتأثير، وهو ما تحسب له قوى الشر ألف حساب، تصبح معها حاجة الغرب الماسة لقاعدته المتقدمة داخل أرض الإسلام جرثومة كيان يهود كعنصر تشويش وإفساد وتخريب، بل أصبحت الحاجة ملحة مع زخم الارتجاجات التي يعرفها الإقليم والمنطقة ما يفسر هذا المستوى غير المسبوق من الانبطاح المخزي لدويلات الوظيفة الاستعمارية أمام كيان يهود المسخ خدمة للمستعمر الغربي المتحكم في المنطقة.

الأمر الآخر لتفسير هذا الانبطاح هو كون هذه الأنظمة المتعفنة في بلاد المسلمين تعيش خريف عمرها البائس، وموجة احتقان الشعوب وتمردها على مشارف التحول لتسونامي يجرف كل هذا العفن، وخوف هذه الأنظمة ورعبها من هكذا تطور للوضع يدفعها للالتصاق أكثر بالغرب وسعيها لشراء بقية من عمر عبر خنوعها أكثر للغرب سيدها وسندها وعلى رأسه دولته الأولى أمريكا المهيمنة على الموقف الدولي والسياسة العالمية، عبر التذلل للقيطها ومتبناها كيان يهود، لعل هذه الأنظمة تجد غطاء أو تأمن عواقب أي تمرد للشعوب أو تأمن عواقب التطاحن الاستعماري الغربي في استبدالها أو الانقلاب عليها.

معشر المسلمين: هي تمام الخيانة ساقها لكم أحقر الخونة على وجه الأرض، محْقاً لمعاشكم ومآلكم وخسرانا لدنياكم وآخرتكم، كيف تصلح دنياكم ويستقيم حالكم وفي كل أرض من بلادكم عميل خؤون يجهد في معاكسة شرع ربكم ونهك حقوق عياله؟!

ما أضيعها من حال! فكيف يستقيم مع هذه الحال لهو ولغو وهزل ولعب، فهذه الأنظمة الطاعنة في الخيانة جدها وهزلها ضلال. يا أبناء خير أمة أخرجت للناس: ما كنتم للهو واللغو أهلا، بل أنتم حقيق الجد فأنتم أصحاب الرسالة والشهادة على الناس، وأنتم أنتم حملة دعوة الإسلام إلى العالم لإخراجه من جحيم جاهلية الغرب، فقد آن الأوان لطلاق الهزل طلاقا بيّنا لا رجعة فيه، وحصر كل تفكيركم وانشغالكم وجهودكم في قضية قضاياكم وهي إعادة إسلامكم العظيم لسدة الحكم والقيادة والريادة، لتحيوا حياة الإسلام الطيبة وتحملوا رسالته إلى العالم نورا وهدى ورحمة، فالجد الجد والبدار البدار لخير الدنيا والآخرة.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مناجي محمد

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر