الغاز والنفط وطرق نقلها  طاقات إسلامية جيوسياسية واستراتيجية هائلة
الغاز والنفط وطرق نقلها  طاقات إسلامية جيوسياسية واستراتيجية هائلة

    قام وزير الخارجية الروسي لافروف في 23 حزيران بزيارة إلى أذربيجان ناقش فيها سير الحرب الجارية في أوكرانيا، وركز على التطبيق الكامل لاتفاقية الوضع القانوني لدول بحر قزوين، بشأن كيفية استخراج الطاقة منه ونقلها، ومنع وجود أي قاعدة أجنبية في المنطقة، وقال إنه بحث سبل تعزيز الأمن في منطقة جنوب القوقاز. (يُنظر الرابط)

0:00 0:00
السرعة:
June 28, 2022

الغاز والنفط وطرق نقلها طاقات إسلامية جيوسياسية واستراتيجية هائلة

الغاز والنفط وطرق نقلها

طاقات إسلامية جيوسياسية واستراتيجية هائلة

(منطقة بحر قزوين مثالاً)

قام وزير الخارجية الروسي لافروف في 23 حزيران بزيارة إلى أذربيجان ناقش فيها سير الحرب الجارية في أوكرانيا، وركز على التطبيق الكامل لاتفاقية الوضع القانوني لدول بحر قزوين، بشأن كيفية استخراج الطاقة منه ونقلها، ومنع وجود أي قاعدة أجنبية في المنطقة، وقال إنه بحث سبل تعزيز الأمن في منطقة جنوب القوقاز. (يُنظر الرابط)

هذا الخبر يلفت النظر إلى أمرين، وستركز هذه المقالة على الثاني أكثر من الأول لأنه أهم منه بكثير وأخطر.

أما الأول فهو ما يشهده العالم اليوم من أزمة عالمية تتعلق بتأمين الغذاء والطاقة، وبخاصة في أوروبا. ويلحق بهذه الأزمة التي ما زالت تتفاقم وتؤثر تداعياتها على المواقف من الحرب، مشكلة تأمين طرق النقل. لذلك تتنافس الدول الكبرى وتكثر اجتماعاتها ولقاءاتها وخططها لهذا الغرض. وقد صار موضوع النفط والغاز في الحرب الأوكرانية حرباً قائمة بحد ذاتها. ومن المعلوم أن الصراع حول تأمين النفط وخطوط إمداده هو صراع عالمي، وأكثر من حيوي، وذلك لأن النفط مادة استراتيجية في عالم اليوم والعلاقات بين الدول. ولذلك فإن أهم هدف في زيارة لافروف إلى أذربيجان هو التأكيد على عدم إفشال أو اختراق سياسة روسيا في الضغط على أوروبا، ودفعها للتراجع عن دعم أوكرانيا وعن تبعيتها لأمريكا في هذه الحرب. واتفاقية الوضع القانوني التي ركز على التزام تطبيقها هي اتفاقية بين الدول الخمس المشاطئة لبحر قزوين تضمن النفوذ الروسي في المنطقة وتمنع أي نفوذ أجنبي فيها وبخاصة لأمريكا.

الأمر الثاني في هذه المقالة هو القوة الإسلامية المعطلة لبلاد المسلمين من حيث ثرواتُهم، ومواقعُ بلادهم، ووقوعُ طرق النقل، إلى معظم أنحاء العالم، تحت سيطرتهم. وهذا مصدر تأثير جيوسياسي واستراتيجي في الموقف الدولي، ولكنه معطل بسبب التضليل وتعمّد صرف النظر عن هذه الطاقات وتأثيرها.

إن الحديث عن ثروات المسلمين وطاقات بلادهم الهائلة واسع ومتشعب ولا يمكن حصره. وتقتصر هذه المقالة على معلومات لافتة وسريعة تتعلق بأذربيجان، التي زارها لافروف، وبمنطقة بحر قزوين بوصفها بلاداً إسلامية.

وإذا كانت منطقة الشرق الأوسط تتميز بأهميّة قصوى في حسابات الدول الكبرى، لما لها من أهميّة استراتيجيّة في المشهد السياسي الإقليمي لأسباب في مقدمتها غناها بالنفط والغاز والموقع، فإن منطقة بحر قزوين، وهي أيضاً منطقة إسلامية، تليها مباشرة في هذا الأمر. ويعدّها بعض الباحثين مستودع النفط والغاز للعالم في المستقبل. وفي غمرات الحرب الجارية في أوكرانيا وأهمية نتائجها، صار دور النفط والغاز عالمياً وليس إقليمياً فحسب. لذلك، تلفت هذه المقالة إلى ما في هذه البلاد من طاقات تبعث الأمل بجدوى العمل، وتشحذ الهمم لدخول صراع التغيير.

بحر قزوين مسطح مائي مغلق تتغير مساحته تبعاً للعوامل الطبيعية وأقلها 370 ألف كلم2، وهي مساحة كبيرة جداً بالنسبة لبحر مغلق. والمراد بمنطقة بحر قزوين البحر والدول المحيطة به، وهي روسيا الاتحادية وكازاخستان وتركمانستان وإيران وأذربيجان. تتعدد ثروات هذا البحر وأكثرها أهمية النفط والغاز، ومنها الكافيار. واكتشاف النفط فيه ليس جديداً، ولكنه كان قبل التسعينات تحت سيطرة الاتحاد السوفييتي، وبعد تفكك الاتحاد وبروز دول جديدة في المنطقة، أخذت أمريكا تتدخل في هذه الدول، الأمر الذي رفضته روسيا، فظهرت أهمية منطقة بحر قزوين كمركز أعمال سياسية جديدة ونزاعات إقليمية ودولية، وذلك بسبب ما يحتويه من موارد وثروات متنوعة للطاقة تسعى دول العالم اليوم للحصول عليها. فأهمية المنطقة سياسية، وتتصل بأمن كل من الاتحاد الروسي وأمريكا. وقد نشأ بسبب ذلك تعبير "أمن الطاقة". فالقضية لا تقتصر على النفط والغاز فيها، ولكنها مرتبطة بعموم قضية الطاقة والحاجة إليها في العالم، وترجع أيضاً إلى طرق نقلها إلى أوروبا وغيرها. وقد كانت أمريكا جادةً في إيجاد نفوذ قوي لها في تلك المنطقة، إلا أن روسيا واجهت سياساتها وتدخلاتها بجدية، وبخاصةٍ بعد العام 2000، وربطت بلدانها بها باتفاقيات اقتصادية وأمنية وبمشاريع مختلفة، وقامت بإجراءات عسكرية حاسمة كما في جورجيا عام 2008، وضمها القرم عام 2014. وقد قال عنها نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني عام 1998 عندما كان رئيساً لشركة هاليبيرتون: "إن منطقة بحر قزوين منطقة نفطية واعدة تنمو بسرعة كبيرة لتتحول إلى منطقة استراتيجية لها أهمية كبرى للولايات المتحدة وللغرب بصفة عامة".

إنّ تقديرات ثروات بحر قزوين واحتياطياتها من النفط والغاز مختلفة ومتفاوتة، وهي في أدنى تقديراتها مصدرُ قوة كبيرة لمن يستقر له النفوذ على منطقتها. تتراوح أرقامها بين 15 و200 مليار برميل من النفط ذي النوعية العالية. وتقدِّر وكالة الطاقة الدولية الاحتياطيات الأكيدة من النفط بنحو 50 مليار برميل (3% من الاحتياطيات العالمية الأكيدة). بينما تصل تقديرات الاحتياطيات المحتملة إلى ما يتراوح بين 200 و250 مليار برميل. وتعادل هذه التقديرات ثلث احتياطيات النفط بدول الخليج العربي والشرق الأوسط، وتزيد عن ضعف الاحتياطيات المؤكدة لأمريكا والتي تُقدَّر بحوالي 22 مليار برميل. أما الغاز الطبيعي فيبلغ الاحتياطي المؤكد منه نحو 170 تريليون قدم3، والاحتياطي المحتمل منه 300 تريليون قدم3 (6% - 7% من الاحتياطيات العالمية من الغاز). وتقول مصادر إنّ منطقة بحر قزوين تحتوي على نفط وغاز أكثر من أي دولة في العالم، ويقع أكثر من نصف نفط حوض قزوين في أراضي أذربيجان وحدها. ويوجد أكثر من 200 حقل نفطي ضخم في قاع قزوين، منها 145 في القِسم التابع لأذربيجان. وهناك تقديرات بأن حجم الاحتياطي النفطي في أذربيجان وحدها يصل إلى 120 مليار برميل، إضافةً إلى 80 ملياراً أخرى في تركمانستان وكازاخستان. وتملك هاتان الدولتان احتياطياً ضخماً من الغاز الطبيعي، لذلك أُطلق عليهما اسم "مستودعات الطاقة في المستقبل". ويأتي توزيع حصص دول بحر قزوين من هذه الثروات المكتشفة فيه كالتالي: كازاخستان 75%، أذربيجان 17%، تركمانستان 6%، روسيا الاتحادية 2%.

إنّ الأبحاث حول أهمية منطقة قزوين وثرواتها كثيرة ومتنوعة، ولا يسمح المقام بزيادة التفصيل، لأن موضوعه هو التنبيه إلى حجم طاقات بلاد المسلمين وليس الإحاطة بأسباب أهمية المنطقة. وذلك أن هذه المنطقة إسلامية، وتوفِّر إمكاناتها لمن يمتلك النفوذ عليها كفايةً واستغناءً، فتوفر له أمن الطاقة، كما توفر له تأثيراً في الموقف الدولي. ولذلك، تتدخل الدول الكبرى والفاعلة لتمنع استقرار الهيمنة عليها لأيٍّ من خصومها، وتوظِّف لأجل ذلك ما تستطيعه من تحالفات واتفاقيات وقوىً ناعمة، ومن حروب سياسية وبالوكالة. ومن ذلك إغلاق طرق النقل عبر بلاد معينة، وهو ما يُعد صراعاتٍ محتدمة اقتصادياً وسياسياً. وهذا ما ساهم في عرقلة استثمار حقول بحر قزوين وغض بعض دول المنطقة النظر عنها. وإذا كانت هذه الصراعات، قبل الحرب الأوكرانية، تقوم على التآمر والخطط الخفية وتُطبَخ على نار هادئة، فهي اليوم معلنة وتتفاقم وتنذر بالاتساع عسكرياً.

ومع أن هذه المنطقة - كغيرها من البلاد الإسلامية - خاضعة حالياً لنفوذ أعداء الإسلام، فإن التنبيه إلى هذه الإمكانات يعزز الثقة بالعمل للتغيير، ويُذكر بضرورة أخذ هذه الطاقات بالاعتبار في التخطيط للتغيير، وللمواجهة الحتمية بعد التغيير. وذلك أنّ منطقة قزوين منطقة إسلامية، والبلاد الخمسة المحيطة بالبحر هي إسلامية. يضاف إلى ذلك أنّه على الرغم من قوة روسيا وسطوتها في المنطقة، فإن حصتها من ثروات بحر قزوين لا تزيد عن 2% فقط، بينما حصص الدول الأربع الأخرى 98%.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود عبد الهادي

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر