الغرب لا ولن يدعم في حكم بلادنا إلا الطغاة ومن يظن غير ذلك واهم حالم  وسلطان الأمة لا يستجدى بل ينتزع من مغتصبيه
April 19, 2019

الغرب لا ولن يدعم في حكم بلادنا إلا الطغاة ومن يظن غير ذلك واهم حالم وسلطان الأمة لا يستجدى بل ينتزع من مغتصبيه

الغرب لا ولن يدعم في حكم بلادنا إلا الطغاة ومن يظن غير ذلك واهم حالم

وسلطان الأمة لا يستجدى بل ينتزع من مغتصبيه

مقالان متقاربان نشرا في الواشنطن بوست ونقلهما موقع الخليج الجديد، الأول في 11/4/2019م، وفيه اعتبرت نانسي عقيل، المديرة التنفيذية لمعهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط، أنَّ دعم الرئيس دونالد ترامب للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي سيعقّد الأمور في مصر وسيفسح المجال أمام السيسي لتعزيز سلطته وقمع أي معارضة، مؤكدةً أن زيارة الأخير لواشنطن ولقاءه مع الرئيس الأمريكي داخل البيت البيضاوي كانت بمنزلة موافقة أمريكية على مضي "رأس الانقلاب" في تعديلاته الدستورية التي تتيح له البقاء بالسلطة مدى الحياة، وعندما سُئل الرئيس الأمريكي عن رأيه في احتمال وجود السيسي بالسلطة حتى عام 2034، في إشارة إلى التعديلات الدستورية، قال ترامب: "أعتقد أنه يؤدي عملاً رائعاً، لا أعرف عن الجهد الذي بذله، ولكن يمكنني أن أخبرك فقط بأنه يؤدي عملاً رائعاً.. إنه رئيس عظيم".

أما الثاني والذي نشر في 14/4/2019م، ففيه دعت الواشنطن بوست الكونغرس الأمريكي إلى ضرورة التحرك لتصحيح الموقف من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي قالت عنه إنه "ديكتاتور آخر" في الشرق الأوسط "يحتضنه" الرئيس دونالد ترامب، تماماً كما احتضن قبله ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وقالت الصحيفة في افتتاحيتها إن الرئيس المصري يستعد لإجراء تغييرات دستورية ترسخه ديكتاتوراً مدى الحياة، في وقت يواصل تعزيز قبضته العسكرية على النظام السياسي في مصر، ويواصل انتهاكاته ضد معارضيه، حيث تعج السجون المصرية بالآلاف من السجناء السياسيين بينهم عشرات المواطنين الأمريكيين، متسائلة عن الأسباب التي دعت ترامب إلى الإعجاب بالسيسي خلال زيارته يوم الثلاثاء الماضي ووصفه بأنه يقوم بعمل "رائع".

هكذا يتعامل الغرب مع حكام بلادنا؛ يضع ويثبت ويخلع ويدعم وينقلب بما يتفق مع مصالحه وما يبقي النظام بالشكل الذي يريده الغرب والذي يحمي ويحافظ على نهبه لثروات بلادنا وخيراتها ويبقيها تابعة خاضعة عميلة، ولا يبقي على رأس الأنظمة إلا من يثبت أنه أقدر من غيره على خدمة السادة ورعاية مصالحهم وأجدر بنيل ثقتهم وحظوتهم، ولهذا وقف بومبيو يدافع عن السيسي خلال جلسة الاستماع مؤكداً أنه يواجه الجماعات (الإرهابية) في شبه جزيرة سيناء، ويدافع عن الحرية الدينية في مصر، بومبيو وزير خارجية أمريكا نفسه قال في لقاء سابق إن الخطر الحقيقي على أمريكا هو في مسلمين يؤمنون أن الإسلام طريقة عيش، أي لهم وجهة نظر أساسها عقيدة الإسلام، ويحملون الإسلام كمبدأ تجسد فيهم يسعون لتجسيده في المجتمع كله، نعم هذا هو الخطر على أمريكا والغرب والرأسمالية التي تحكم العالم الآن، مسلمون يسعون لإقامة دولة الإسلام الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي تطبق الإسلام كاملا بكل أنظمته وعلى رأسها النظام الاقتصادي الذي يقضي على رأسمالية الغرب فور تطبيقه ويظهر عدل الإسلام ورحمته وكذب الغرب وغشه وخداعه للناس بحصره للإسلام وشرعه ودولته في مجموعة الحدود التي تُدرأ بالشبهات ولا تطبق إلا بتطبيق كل أحكام الإسلام التي تضمن العدل لمرتكب الجرم المستحق للحد، فأوهموا الناس أن هذه الحدود هي الإسلام وأن من يطبقها يطبق الشريعة ولو كان ملكا أو رئيسا لجمهورية تحكمها الرأسمالية، رغم أن تطبيق الحدود دون تطبيق أنظمة الإسلام في دولته الخلافة الراشدة هو ظلم محض وتشويه للإسلام وأحكامه ولا يقوم به إلا خائن للأمة مدفوع من الغرب الكافر كمثل هؤلاء الذين أعلنوا لعقود خلت أنهم يطبقون الشريعة في بلاد الحرمين وهم يضعون بلادنا وخيراتها رهينة في يد الغرب ويدفعون له الجزية عن يد وهم صاغرون!

الذي بيننا وبين الغرب هو صراع وجود وصراع حضارات، صراع على ثرواتنا؛ فوجوده ووجود مبدئه وحضارته متوقف على بقاء بلادنا في ربقة التبعية، فالغرب بدون ما ينهبه من ثرواتنا يعود إلى ظلام العصور الوسطى، ولهذا يستنفر الغرب كل طاقاته وطاقات أدواته في آخر فصول هذا الصراع والذي سينتهي حتما بانتصار الإسلام وعودة دولته للوجود، خلافة راشدة على منهاج النبوة، تطبق الإسلام تطبيقا عمليا صحيحا يظهر أحكامه ويجسدها فيدخل الناس في دين الله أفواجا، ومن لا يقبل به كدين يدين لله به سيتمنى ويسعى لأن يعيش في ظله وينعم بعدله، الأمر الذي يقلق الغرب على الرأسمالية العلمانية التي يحملها والنصرانية التي يدين بها، وهو يدرك أنه لا قبل لهما بمجابهة الإسلام وأفكاره خاصة مع وجود حزب قوي في الأمة كحزب التحرير الذي وصفته مؤسسة راند في تقرير لها صدر في 2004 بأنه المقاتل الرئيس في حرب الأفكار وأنه ينتهج مع أمريكا نفس سياسة تخطي الأسوار التي مارستها مع الاتحاد السوفيتي سابقا، وقريبا عُقد مؤتمر في تركيا يناقش كيفية التصدي لخطر حزب التحرير في آسيا الوسطى والشرق الأوسط والحد من انتشاره واتساع قاعدته بين الناس.

حُق لهم أن يخافوا وأن يعتبرو حزب التحرير خطرا حقيقيا عليهم فهو الرائد الذي لا يكذب أهله وهو القائم على فكر الأمة ووعيها والعامل لنهضتها وإنهاء عقود التبعية للغرب بإقامة خلافة على منهاج النبوة، إلا أنه لا ينتهج سياسة أمريكا التي مارستها مع السوفييت بل ينتهج طريقة النبي ﷺالتي أقام بها دولته في المدينة، حُق لهم أن يخافوا وأن يبللوا سراويلهم هم وعملاؤهم من حكام بلادنا، فالأمة المنتفضة لن تقبل بأقل من دولة يقودها حزب التحرير والأيام قادمة وستثبت ذلك، لهذا فدعمهم للسيسي وأمثاله مبرر وهو يؤدي عملا جيدا من وجهة نظر بعضهم بحربه على الإسلام وأفكاره وسعيه لتدجينه، وما خوف البعض الآخر إلا من انقلاب السحر على الساحر وأن تكون قراراته الاقتصادية وسياساته القمعية دافعا لثورة جديدة، تكون فرصة لظهور أصحاب الفكر الصحيح الذي لا تقوى أمريكا وأدواتها على التصدي له ومواجهته، فحربهم الفكرية مع الإسلام حرب خاسرة مهما دلسوا وكذبوا وشوهوا، فثورة قادمة غير مأمونة العواقب، وقد تنهي وجود أمريكا بل قد تطيح بالرأسمالية كلها، وهذا ما جعل الواشنطن بوست حقيقة تدعو الكونجرس الأمريكي إلى ضرورة التحرك لتصحيح الموقف من الرئيس المصري ووصفه بالديكتاتور، وهو ما دعا أمريكا لإبراز بعض رجالها لمحاولة ركوب أي موجة ثورية جديدة أو إفشالها من مهدها بما أسموه المجلس الثوري وتلك التسميات الرنانة التي لا يملك ممثلوها حلولا ولا طرحا يخالف ما تريده أمريكا، بل يحاولون حصر المشكلة في شخص السيسي رأس النظام وبعض رفاقه من العسكر، بينما المشكلة الحقيقة والتي بينها دوما حزب التحرير للأمة هي في النظام كله مهما اختلفت رؤوسه وأدواته ومنفذوه فلم يختلف النظام بين مبارك ومرسي والسيسي، كلهم طبقوا الرأسمالية وإن ازداد توحش السيسي وتغوله على الناس لكسر إرادة الثورة والتغيير في نفوسهم.

يا أهل الكنانة الكرام، لا يختلف واقع بلادكم عن غيرها من بلاد المسلمين من حيث ارتباطها وعمالة حكامها للغرب الذي لم يخرج من بلادنا إلا بعد أن كوّن وسطا سياسيا عميلا له مضبوعا بأفكاره كحائط صد أمام أفكار الإسلام، ثم نصب على عرش بلادكم أسوأ وأوضع وأحط من وجده ليكون حاكما متسلطا عليكم منذ عبد الناصر حتى وقتنا هذا، لا فرق بينهم في الخيانة والعمالة والخسة، ولا يعنيهم إلا حماية ورعاية مصالح السادة أصحاب رأس المال ووضع قراراتهم وتوصياتهم موضع التطبيق ولو كانت على جثثكم، وهو ما شاهدتم وتشاهدون، ونجاتكم مما أنتم فيه ليست في مخاطبة أمريكا لتتوقف عن دعمه فستأتي بمن هو أسوأ حتى وإن ألقى إليكم ببعض الفتات وخفف من قبضته الأمنية...

إن نجاتكم الحقيقية في وقوفكم في وجه النظام كله مهما اختلفت أدواته، والمطالبة باقتلاعه من جذوره وتبني ما يحمله لكم حزب التحرير، وحمل إخوانكم وأبنائكم في جيش الكنانة على نصرته وإقامة الدولة التي تنهي هيمنة الغرب على بلادكم وربطها ومقدراتها برأسماليته العفنة، دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذا هو العمل الحقيقي المنتج الذي يخشاه الغرب منكم ويخشى من وعيكم عليه وعلى كيفيته وكيفية القيام به، فأوجعوا الغرب وأدواته فلطالما أوجعوكم وأقيموا دولة العز التي تحميكم وترضيكم وترضي ربكم عنكم فيكون الخير الذي ما بعده خير والعز الذي دون عز؛ خلافة تملأ الأرض عدلا... نسأل الله أن تكون مصر مبتدأها وأن نكون من جنودها وشهودها.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر