الغرب يصنع آلامنا والخلافة تحيي آمالنا
March 05, 2022

الغرب يصنع آلامنا والخلافة تحيي آمالنا

الغرب يصنع آلامنا والخلافة تحيي آمالنا

في 28 رجب 1342هـ، أي قبل مائة وواحدة من السنوات، وفي جولة من جولات الصراع بين الحق والباطل، استطاع الغرب الكافر المستعمر، أن يهدم دولة المسلمين (الخلافة)، ذلك الصرح الذي أسس بنيانه رسول الله ﷺ فكان منارة للخير والعدل في أرجاء المعمورة لثلاثة عشر قرناً من الزمان. وبهدم الخلافة، هُدم السياج الواقي، والجدار الحامي للأمة الإسلامية، فاستباح العدو الحرمات، ومزّق البلاد، وجعل نمط الحياة في بلاد المسلمين على أساس حضارته؛ فصل الدين عن الحياة، في دويلات وطنية هزيلة، جلبت لنا العار والدمار!! وجعلت الأمة الإسلامية ألعوبة في يد دول الاستعمار يحكمها رويبضات نكرات لا حول لهم ولا قوة إلا بالاستناد لقرارات أمريكا وأوروبا، واستطاعت أمريكا المتحكمة في بلادنا، أن ترسم سياسة تلبي مطالبها ويظل السودان في حالة التيه والتمزق.

فبعد الانقلاب الأخير في 2021/10/25م، ابتعثت أمريكا مبعوثها للقرن الأفريقي ساترفيلد، ومساعدة وزير الخارجية الأمريكية للشؤون الأفريقية مولي في، التي قدمت تقريراً عن زيارتها الثانية في كانون الثاني/يناير 2022م، أمام لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي في الأول من شباط/فبراير 2022م، عن الحال في السودان، ومما جاء في بيانها: "بعد 30 عاماً من ديكتاتورية إسلامية وعسكرية ونزاعات داخلية متكررة... ونظام سياسي ممزق يتبع تدخلا عسكريا موجها نحو التقسيم...".

هذا الكذب لا ينطلي على المتابع لواقع السياسة الأمريكية في السودان لأن الدكتاتورية التي حكمت السودان 30 عاماً كانت بدعم أمريكي مكشوف لكل ذي بصر وبصيرة، فأمريكا هي التي قامت بانقلاب 1989م عبر عميلها عمر البشير، وهي التي أوعزت له أن يتخذ من المعارضة آنذاك حاضنته السياسية ريثما يتمكن الجيش من الانقضاض عليها، وكانت الإدارة الأمريكية على دراية تامة بأن تلك المعارضة هي علمانية التوجه، وأن قادتها هم خريجو المدارس السياسية للغرب العلماني، ولا علاقة لهم بالإسلام، فأمريكا سمحت لتلك الحاضنة بالبقاء عشر سنوات داعمة للجيش ثم أُقصي زعيم الحاضنة السياسية حسن الترابي عام 1999م، فانفرد الجيش بالحكم بعد التمكين. كل ذلك بعلم أمريكا، وبتنسيق مخابراتها.

أما ما ادعته مولي في، في بيانها، عن استنكار النزاعات الداخلية المتكررة في السودان، فهي دموع التماسيح لأن الولايات المتحدة تغض الطرف عن دعمها القوي للحركات المسلحة، فهي التي رعت الحركة الشعبية لتحرير السودان، ففصلت بها الجنوب، وأقامت دولة ذات صبغة نصرانية فيه، والآن هي تضغط على العملاء، وتمكنهم من قيادة السودان نحو تفتيته إلى دويلات منهكة لا تقوى على البقاء إلا تحت سيطرتها.

وثالثة الأثافي وتماهيا مع استراتيجية الحرب على الإسلام في كل تشريعاته قالت مولي: "رحبنا بالتقدم الذي أحرزته الحكومة الانتقالية لناحية إلغاء التشريعات القمعية..." فهي تقصد الحدود الشرعية في الإسلام والتي لم تطبق في السودان رغم وجودها في القانون الجنائي إلا لإرضاء الحاضنة الشعبية التي خُدعت بشعارات تطبيق شرع الله من حكومة الإنقاذ، والحكومة الانتقالية شرعت بالفعل في إلغاء القوانين المتعلقة بالإسلام، بدءاً من القانون الجنائي، فبحسب موقع الجزيرة نت في 2019/11/29: "قال وزير العدل نصر الدين عبد الباري إن السودان ألغى قانون النظام العام الذي كان مستخدما إبان حكم الرئيس السابق عمر البشير لفرض الآداب العامة...". وهو ما رحبت به كذلك منظمة العفو الدولية؛ إحدى أدوات الغرب في الحرب على الإسلام، فقد أوردت المنظمة في موقعها في اليوم نفسه ترحيبها، فقال سيف ماغانغو، نائب مدير برنامج شرق أفريقيا والقرن الأفريقي والبحيرات العظمى في المنظمة: "هذه خطوة إيجابية كبرى بالنسبة لحقوق المرأة في السودان. فقد تأخر إلغاء قوانين النظام العام كثيراً"، وأضاف: "يجب على الحكومة الانتقالية الآن ضمان الإلغاء التام لقوانين النظام العام القمعية. وهذا يشمل إلغاء المواد التي تفرض قانون لباس المرأة... وحل شرطة النظام العام، والمحاكم المخصصة، وإلغاء عقوبة الجلد... والمواد التي تنظم استهلاك الخمر وتداوله، والمواد التي تنظم ما يسمى "بالأخلاق"، بما في ذلك ممارسة الجنس بالتراضي...". فكانت هذه المنظمة أكثر وضوحاً في حربها على الإسلام ضمن الاستراتيجية الغربية في مسخ هوية المسلمين.

وتطالب مولي الحكومة الانتقالية: بـ"الشروع في إصلاحات اقتصادية خاصة بالسوق الحرة"، ما يعني استمرار اغتيال اقتصاد السودان بخصخصة أصول الدولة، وتسليم ثروات الأمة لقراصنة الاقتصاد الرأسمالي، فالغرب المستعمر عموماً يضغط ويضغط، ثم يراقب الأوضاع حتى تكتمل عملية مسح هوية أهل السودان، ومسخها إلى علمانية صارخة تضاهي باريس وواشنطن ولندن في مظهرها العلماني المخالف لأحكام الإسلام، بعد تركيع أهله وحكومته اقتصادياً عبر روشتات مهلكة يمليها صندوق النقد والبنك الدوليان وينفذها العملاء. هكذا صار الحال بعد أن تحولت بلادنا وسائر بلاد المسلمين إلى دولايات تُحكم دول الغرب السيطرة المباشرة عليها في استعمار جديد ينفذه أبناء جلدتنا.

إنه جولة من جولات الصراع بين الحق والباطل، ومع الأسف كانت تلك الجولة في صالح الباطل، عبر أعظم خيانة في تاريخ الأمة، ألا وهي هدم دولة المسلمين؛ الخلافة، فتم تمزيق وحدة المسلمين، وتوزيعهم في دويلات الضرار، أشبه بالأقفاص في حديقة الحيوانات يشرف عليها عدوهم! فباتت حياة المسلمين كلهم تحت أنظمة حكم استبدادية، ظالمة، خانعة، ذليلة، أورثتهم الظلم والفقر، فأحس المسلمون بالذل والضياع، والانحطاط، كونهم يعيشون في حال لا تشبه حياة أمة بين يديها القرآن الكريم، ولارتباط ذاكرة الأمة بتاريخ ناصع عن عظمة العيش في ظل الإسلام.

قد يقول قائل لماذا الخلافة الآن؟ نقول ذلك لأن الخلافة هي تاج الفروض، وهي التي تحدد مصير المسلمين، فبها يقام الدين كله، وتقام الحدود، وتحفظ الأنفس والأموال والأعراض، وتحمى الثروات المنهوبة من قراصنة الاقتصاد. هذا من حيث أهميتها لحياة المسلمين، أما من حيث أهميتها لعموم الإنسانية، فبالخلافة يُحمل الإسلام إلى الناس في أرجاء المعمورة، فينصلح معاشهم ومعادهم. أما وجوب وجود خليفة، فيكفي أن الصحابة رضوان الله عليهم، لعلمهم بأهمية الخلافة في حياة الناس، قد أجلوا دفن الحبيب المصطفى ﷺ، ثلاثة أيام، وانشغلوا بتثبيت هذا الصرح العظيم باختيار خليفة، رغم علمهم بالنصوص المتعلقة بتعجيل الدفن، ما يدل على أولوية الخلافة على سائر الفروض، ولو كان هذا الفرض - أي فرض الدفن - يتعلق بخاتم النبيين، وسيد المرسلين، وقائد الغر المحجلين ﷺ. واليوم قد مضت مائة وواحدة من السنين بتمامها وكمالها، فحسبنا الله ونعم الوكيل، والأمة تنتظر انبثاق فجر جديد، يذوق الناس فيه طعم الحياة في ظل أحكام اللطيف الخبير.

وقد يثير بعض اليائسين شكوكاً حول إمكانية إعلانها خلافة راشدة في ظل هذا الوهن والضعف الذي أصاب الأمة، ومؤامرات الغرب للقضاء على الإسلام والمسلمين. صحيح أن هناك حالة استنفار معلنة بين قادة العالم الغربي، وهم يحذرون من قيام الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، ويقودون حملات خشنة، وأخرى ناعمة متعددة الجبهات، في ظل موقف دولي تتحكم فيه أمريكا ودول الغرب، والحكام في بلاد المسلمين، الذين خانوا الله ورسوله والمؤمنين، وقد التأمت مصالحهم المتوهمة، مع مصالح الغرب المستعمر، ويتحكم جميعهم في عملية التغيير في بلاد المسلمين، ويضعون متاريس فكرية، ومؤامرات، وعقبات، ويشنون حروبا هنا وهناك، في طريق نهضة الأمة، لكن هذه الأمة ما عادت تلقي بالاً لكيد الكافر المستعمر، ومؤامراته، وأدواته، ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾.

إن الأمة لن تيأس من روح الله ونصره، وبين يديها بشارات تستنهض الهمم، وتطمئن لها القلوب المؤمنة بنصر الله سبحانه وتعالى، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾. وزير خارجية أمريكا الأسبق هنري كيسنجر قال ليهود وهو يحذرهم "إنّي أسلِّمك أمَّةً نائمة، والمشكلة أنّها تنام ولا تموت... لأنّها إذا ما استيقظت فإنّها تعيد في سنوات قليلة ما ضاع منها في قرون". نعم، فها هي الأمة قد خرجت من كبوتها بخطا ثابتة نحو تحقيق قضيتها المصيرية بإعادة الخلافة، من أجل استعادة عزها وسلطانها، بإعلانها خلافة راشدة على منهاج النبوة، وما ذلك على الله بعزيز.

بين يدي ذكرى هدم الخلافة، يجب أن نعلم أن غياب الخلافة إنما يعني، غياب الحكم بما أنزل الله، والحياة على غير أساس الإسلام؛ بل على أساس الأنظمة العلمانية الغربية، وذلك هو الظلم المبين، الذي نتجرع مراراته في كل لحظة.

وغياب الخلافة يعني، ضعف الأمة وهوانها على عدوها، الذي تجرأ عليها بالتدخل السافر في شؤنها بعد أن فقدت وحدتها، بتمزيقها على أساس الوطنية، والقومية، والمذهبية، والقبلية، التي حلت محل رابطة العقيدة؛ الأخوة الإسلامية.

وغياب الخلافة يعني تعطيل قضية الإسلام والمسلمين المصيرية؛ حمل الإسلام إلى العالم، بالدعوة والجهاد، اقتداءً برسول الله ﷺ وصحابته الكرام، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾.

وغياب الخلافة يعني نهب ثروات الأمة وإفقارها بواسطة عدوها الغرب الكافر المستعمر، الذي يخدمه حكام المسلمين العملاء الخاضعون للمؤسسات الدولية، قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾.

كل هذا وغيره الكثير من منكرات؛ دماء المسلمين التي تجري أنهاراً، ومآسي استغاثات الثكالى والأرامل، والأيتام، والجوعي، والمحرومين في بلاد المسلمين جراء غياب الخلافة، حيث طمع فينا عدونا، وأصبح ينظر إلى مكمن العقيدة في صدورنا، يريد أن يحرّف ديننا تحت لافتات (الحرب على الإرهاب)، وإلغاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، والمساواة في الميراث، وما يسمى بالحريات العامة، وغيرها...

إن الذي يوقف الانحدار، والفقر، وحياة الضنك والتعاسة، والإحباط الذي تحياه الأمة، ويبعث الأمل مرة أخرى، في حياة ملؤها الارتقاء، ورغد العيش، والطاعة، والعزة والكرامة، إنما هو قلب الطاولة على العدو، بإعادة الخلافة من جديد، راشدة على منهاج النبوة، تقلب صفحة الهزائم، لتستشرف الأمة عهداً جديداً، في طاعة الله، يؤذن بالتغيير الحقيقي في حياة الأمة، بل حياة الإنسانية كلها في أرجاء المعمورة.

إن تململ الأمة، وتحركها، رفضاً للظلم، وتطلعها للتغيير بحثاً عن حياة كريمة، لن يقودها إلا إلى الإسلام، تطبقه دولة الخلافة، وإن العمل لإقامة الخلافة فرض، بل هو تاج الفروض، يقول سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾، ويقول النبي ﷺ، «وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً»، ولأن الصحابة رضي الله عنهم، قد أجمعوا على إقامة خليفة، بعد وفاة الرسول ﷺ، ولأن القاعدة الشرعية: (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب).

#أقيموا_الخلافة             #الخلافة_101              #ReturnTheKhilafah#YenidenHilafet

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

غادة عبد الجبار (أم أواب) – ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر