الحجاب فريضة من رب العالمين ولا يغير في ذلك دعوات المتآمرين ولا آمانيهم
April 22, 2015

الحجاب فريضة من رب العالمين ولا يغير في ذلك دعوات المتآمرين ولا آمانيهم

الحجاب فريضة من رب العالمين ولا يغير في ذلك دعوات المتآمرين ولا آمانيهم

كانت مصر ولا تزال صاحبة مركز مهم في المنطقة، ولها ثِقلها السياسي المؤثر ما يجعلها قبة الميزان، وموضع الحسم بين فسطاط أمريكا ومن لفَّ لفيفها وسار يدعو لحضارتها، وبين فسطاط المسلمين وفيه الدَّاعون من أبناء الأمة لتطبيق الشريعة الإسلامية. فمصر بيضة القبان، ولها بين المسلمين مكانة عظيمة. لهذا تتالت عليها هجمات المستعمرين كما اشتدت على أخواتها الشام والعراق وغيرها. فمنذ ما قبل هدم دولة الخلافة العثمانية وقعت مصر في الأسر البريطاني، وعاث فيها المستعمر الإنجليزي فسادًا بل وراح يسعى فيها - وقد أيقن استحالة بقائه فيها -، لنشر ثقافته وتغريب الإسلام فيها، استغلَّ بذلك كل جهوده من حملات المبشرين كاللورد كرومر وغيره، والمضبوعين به من أبناء المسلمين كقاسم أمين وسعد زغلول الذي تحت شعار محاربة الإنجليز والثورة ضدهم استطاع إدخال المفاهيم التغريبية لمصر، وحادثة خلعه للنقاب عن وجه هدى شعراوي، ومن ثم خلع زوجته صفية زغلول نقابها وإشعالهن النار فيه داعيات لتحرير المرأة حسب زعمهن، عام 1919 مشهورة معروفة. وما تسمية ميدان التحرير وسط القاهرة إلا لهذه الحادثة التي تبعتها الهجمات على الحجاب "غطاء الرأس" واللباس الشرعي للمرأة، ومن ثم أحكام النظام الاجتماعي كلها.

سُميَّ الميدان بالتحرير: ودُعي فيه لمجاهرة الله بالمعصية والتنكر لتشريعه سبحانه، وبدأت الحركة النسوية بمصر عام 1920 نشاطها وكانت هدى شعراوي أول مسلمة تشارك فيها، وهي التي تهاجم الحجاب وترى فيه تخلفًا وظلمًا للمرأة!

وبعد 90 عامًا قامت الثورة المصرية على نظام مبارك: النظام الذي أنجبه الاستعمار وكرَّسه لخدمة مصالحه - وإن اختلف الولاء من بريطانيا لأمريكا أو العكس - وسلَّطه على رقاب أهل مصر نارًا وسُعارًا؛ انتفض الشعب وأعلن في التحرير تجمُّعه بالملايين، صارخًا بكل قوة وتحدٍ كسر حاجز الخوف من السلطات: ارحل. وخُلع مبارك. فصار التحرير رمز تحرر من الظلم والبلطجة السياسية، وتحررًا من خوف العبيد للخوف من الله الواحد القهار، ولو أن النظام ذاته لا زال قابعًا يجثم على صدور أهل مصر، يطبق عليهم النظم الغربية ويسير على نهجها في محاربة الإسلام، ويفتح المجال تحت ستار الحريات لمهاجمة الإسلام وأحكامه، فصار التهجم على الحجاب طريقًا للشهرة في مصر كما يحدث في فرنسا وهولندا وغيرها.

 بل إن رأس النظام ذاته يخرج مصرحًا بكل وقاحة بضرورة تغيير الخطاب الديني بقوله خلال حواره مع "إذاعة القرآن الكريم" المصرية، في ذكرى تأسيسها الـ51، الأربعاء 25 آذار/مارس: "إن مصر بحاجة إلى ثورة دينية ضد الأفكار المشوشة والمغلوطة عن الدين الإسلامي". وهذا ما شجَّع العلمانيين لإبراز أنيابهم - مع أنها برزت من قبل - والتصريح بدعواتهم فتيات مصر لخلع الحجاب كما حدث مع شريف الشوباشي، أحد الكتاب العلمانيين، في تدوينة له بموقع فيسبوك في السادس من الشهر الجاري، أن تخلع فتيات الحجاب خلال مظاهرة بميدان التحرير على أن يحضر رجال خلال الفعالية لحماية الفتيات. ما حدا بالأزهر أن يرد عليه مستنكرًا الفكرة من باب أنها "تدخل سافر واعتداء صارخ على حرية وكرامة الإنسان" كما جاء على لسان عباس شومان وكيل الأزهر. وردود أخرى تهاجم الدعوة لكونها تتعارض مع الحرية الشخصية!

وتبع ذلك أخذ ورَدٌّ، خاصة من الجمعيات النسوية والعلمانيين الذين فُتح لهم المجال بشكل قوي لإظهار إسفافهم. حيث صرَّحت هدى بدران، رئيس الاتحاد العام لنساء مصر ل "الوطن " بقولها: "إن دعوة الشوباشي لخلع الحجاب "صحوة سياسية للمرأة المصرية"، و"صفعة" على وجه "الإخوان" والدعوات السلفية." وتتابع بدران بقولها "أن جماعات الإسلام السياسي منذ انتشارها في فترة السبعينات والثمانينات، وهي تحاول تغيير مفاهيم الهوية الثقافية للمجتمع المصري، كي يتلاءم مع حلم "دولة الخلافة"، الذي بدأوه بفرض الحجاب على المرأة المصرية، وانتشار بعض الشعارات، مثل "أختي المسلمة" و"الحجاب فريضة".

 تظهر أنياب العلمانيين بقوة، يهاجمون الخلافة والدَّاعين لها تارة، ويروجون للمساواة والحرية الشخصية تارةً أخرى، ثم ما يلبثون يهاجمون الحجاب تحت مسمى الحريات.

لكنَّ الظاهر أن أمريكا ومشروعها في علمنة مصر وإفشال مشروع الإسلام السياسي فيها عبر الانقلاب العسكري وأعماله الدمويَّة العنيفة تجاه الشارع المصري الذي ظهر عليه حب الإسلام ورغبته في تطبيقه، فشل فشلًا ذريعًا ما أرَّق العلمانيين وأقضَّ مضاجعهم فتوالت هجماتهم وكثر لغطهم عن الحجاب والخلافة والإسلام السياسي.

ويبدو أنَّ الجمعيات النسوية التي تدَّعي الحرص على المرأة نسيت أن المرأة المصرية المسلمة هي التي هتفت في ثورة 25 ضد النظام الجبري، وهي التي خرجت في مليونيات تأييد تطبيق الشريعة وهي التي استشهدت وسُجنت لأجل إسلامها ومطالبتها بتطبيقه، هي التي بحجابها خرجت للتحرير تهتف مع الرجل بصوت واحد ضد الظلم.

نسيت بدران وأمثالها أن المسلمة متمسكة بحجابها لأنه فرض من رب العالمين جاء به محمد r بقرآن يُتلى إلى يوم الدين ﴿وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31] وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: 59]. فريضة من الله تلتزم بها المسلمة خضوعًا لله لا لأجل مصالح سياسية وليس تنفيذًا لأجندة الوهابيين ولا الإخوان.

إن هجمتهم هذه ليست لأجل تحرير المسلمة ولا حرصًا عليها، فلو كانوا صادقين في حرصهم على المرأة لما سكتوا عن قمع الكنيسة للمسلمات حين يُسلمن. ثم لماذا لا نراهم مثلًا يدعون الراهبات من النصارى أو المتدينات من اليهود لخلع حجابهن والتحرر منه؟ أم أنَّهم لا يجرؤون؟

إن تجرؤهم هذا على المسلمات وحجابهن، وعلى الإسلام وأحكامه، ما كان ليكون لولا غياب دولة الإسلام التي تطبقه حق التطبيق، وترعى حرمته، وتحفظ هيبته وتمنع كلَّ ساخر أو ماكر أو متطاول.

سعد زغلول وزوجته وشعراوي ماتوا وبقي التحرير شاهدًا على صدق مصر وأهلها وحبهم للإسلام، وبقي الحجاب وسيبقى فريضةً من الله، وستبقى المسلمات متمسكات به رغم الناعقين والظلاميين المضبوعين بالحضارة الغربية الزائفة. والإسلام دين الله الحق سيبقى كذلك حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فشريعته الناسخة لما قبلها المحفوظة إلى قيام الساعة من التحريف، ولا يحتاج المسلمون لمارتن لوثر ليجدد لهم إسلامهم!

﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ﴾ [الرعد: 17]

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أختكم: بيان جمال

المزيد من القسم اجتماع

الذمة وحق الرعاية في الدولة الاسلامية


برز الحديث في الآونة الأخيرة على ألسنة العلمانيين عن الأقباط في مصر لما أصبح الحديث عن تطبيق الشريعة في مصر هو حديث الناس, وكأني بهم يقولون لا يمكن تطبيق الإسلام طالما أن هناك غير مسلمين في الدولة، وتناسى هؤلاء تاريخا يناهز الثلاثة عشر قرنا كان الإسلام هو الحاكم لدولة امتدت من الصين شرقا إلى الأطلنطي غربا، ووقفت على أبواب فينا في زحفها نحو أوروبا. ضمت هذه الدولة بين جنباتها مختلف "الأقليات" العرقية واللغوية والدينية، ولم تبرز أية مشاكل لهذه الأقليات إلا مع تفتت الخلافة الإسلامية.

ومن المعلوم أن التراث الإسلامي لم يستخدم مصطلح " الأقليات" بالنسبة للتجمعات الدينية غير الإسلامية وإنما استخدم لفظ "أهل الذمة" الذي يحمل من الدلالات الأخلاقية ما لا يحمله لفظ "الأقليات". فلفظ الذمة يعني الأمان "ويسعى بذمتهم أدناهم"، وفي لسان العرب الذمة العهد والأمان والضمان والحرمة والحق.

ومما لا شك فيه أن وجود" الأقليات" في الدول، يترتب عليه مشكلات كثيرة من أهمها تفتيت المجتمع، ونشوء المصادمات ومحاولة " الأقلية" الانفصال والتعاون مع الأعداء، ومن المعلوم أن أميركا، والتي هي عبارة عن أقليات أصلا تطبق المبدأ الراسمالي، تستخدم ورقة " الأقليات" للسيطرة على العالم بحجة المحافظة على حقوق" الأقليات".

ولقد ضرب الإسلام أروع الأمثلة في التعامل مع "الأقليات الدينية" أهل الذمة - ناهيك عن أنه استطاع أن يصهر الأقليات اللغوية والعرقية في بوتقة الإسلام - وهناك أحكام قررتها الشريعة في التعامل مع أهل الذمة منها:

1- العدل: فالمسلم لا يمكن أن يحقق التقوى إذا كان بعيدا عن العدل قال تعالى: "ولا يجرمنكم شنآن قوم على آلا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى".

2- الوفاء بالعقود: قال تعالى "أوفوا بالعقود" وقال أيضا "إن الله لا يحب الخائنين" والذمة عقد يجب الوفاء به.

3- النهي عن الظلم والبغي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا".

4- لا أكراه في الدين: والدليل على ذلك استمرار وجود تلك الأقليات إلى اليوم في بلاد المسلمين، فإنه في مقابل غدر الأوروبيين ونقضهم السريع لعهودهم وعقودهم التي كانوا يبرمونها مع الأقليات المسلمة الذين سقطت ولاياتهم تحت أيدي الأسبان بين يدي سقوط الأندلس، وفي مقابل إبادة أولئك المسلمين وإكراههم على تغيير دينهم أو تخييرهم بين ذلك أو الموت في محاكم التفتيش في غرناطة وغيرها .


في مقابل ذلك فإن دولة الخلافة في شيخوختها حيث كانت الأقليات غير المسلمة من الأرمن والروم واليهود في اسطنبول إبان الحكم العثماني تتصل مع أعداء الدولة المسلمة وتكيد لها المكائد وتثير القلاقل والمشاكل مما أغضب السلطان سليم الأول فأصدر قراراً بإجبار هذه الأقليات على اعتناق الدين الإسلامي، فهل رضي بذلك المسلمون وهل أقره عليه العلماء .. إن التاريخ يخبرنا أن العلماء أنكروا عليه ذلك أشد الإنكار، ومنهم شيخ الإسلام (زمبيلي علي جمال) الذي ساءه ذلك جداً وواجه السلطان بقوله: (أيها السلطان إن هذا مخالف للشّرع إذ لا إكراه في الدين، وإن جدكم محمد الفاتح عندما فتح اسطنبول اتبع الشرع الإسلامي، فلم يكره أحداً على اعتناق الإسلام بل أمن الجميع على عقيدتهم، فعليك باتباع الشرع الحنيف وإتباع عهد جدكم محمد الفاتح) وهدد بخلع السلطان إن هو أصر على قراره .. ولكن السلطان الذي كان يحترم العلماء استجاب له وترك للأقليات غير المسلمة دينها وعقيدتها .

وقصة السلطان سليمان القانوني مع يهودي أبى أن يبيع كوخاً له في أرض أراد السلطان إقامة مسجد جامع عليها ، صورة مشرقة من ذلك ، فمع إصرار اليهودي على رفضه البيع، ذهب السلطان إلى كوخ اليهودي يرجوه ويسترضيه ويعرض عليه أضعافاً مضاعفة لثمن كوخه ، وذهل اليهودي لمشهد السلطان يرجوه ويسترضيه لأجل بيع الكوخ .. وهو القادر على طرده من الدولة كلها ، فوافق على البيع وقام مسجد السلطان سليمان القانوني على تلك البقعة بعد استرضاء وموافقة ذلك اليهودي!!


أقول: هذا حدث في شيخوخة الدولة الإسلامية وهرمها وتهلهلها ، وأمثاله والله كثير ولست هنا في صدد تتبعه واستقصائه . ومنه تعرف أن وتر الأقليات في الدولة المسلمة والذي يطنطن ً عليه أعداء الإسلام إنما يعزف عليه ويطرب له أصحاب المآرب الخبيثة الذين يسعون في الحقيقة إلى سيطرة تلك الأقليات التي توافقهم وتقاربهم في الدين على مقاليد الحكم في بلاد المسلمين .


فأنت ترى أن اليهود والنصارى كانوا ينعمون بالأمن والأمان على ممتلكاتهم وعباداتهم وكنائسهم وأنفسهم وذراريهم في ظل دولة الإسلام ، ولم يكونوا يكلفون بالدفاع عن الدولة أو يجندون تجنيداً إجبارياً بل تتحمل الدولة حمايتهم، وكانوا يدفعون جزية زهيدة تدفع مرة في السنة مقابل حمايتهم، وكان كثير من الخلفاء والولاة يسقطونها عمن كبر وعجز منهم ولا يستطيع دفعها، وإن لم تستطع الدولة حمايتهم أعادت لهم الجزية، وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم حيث قال "من أذى ذميا فقد أذاني وأنا خصمه يوم القيامة" وقال أيضا "من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة وان ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما". ثم أليست غضبة عمر ومقالته التي ذهبت مثلاً: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) قيلت انتصاراً لقبطي من مصر ضربه ابن الوالي هناك؟ ولننظر في وصيته للخليفة من بعده" وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم وان يقاتل من ورائهم وان لا يكلفوا فوق طاقتهم".

وفي النهاية فإن الأقباط أو غيرهم من غير المسلمين هم رعية الدولة الإسلامية كسائر الرعية لهم حق الرعوية وحق الحماية وحق ضمان العيش وحق المعاملة بالحسنى وحق الرفق واللين ولهم أن يشتركوا في جيش المسلمين ويقاتلوا معهم، ولكن ليس عليهم واجب القتال، ولهم ما للمسلمين من الإنصاف وعليهم ما عليهم من الانتصاف، وينظر إليهم أمام القاضي وعند رعاية الشئون وحين تطبيق المعاملات والعقوبات كما ينظر للمسلمين دون أي تمييز، فواجب العدل لهم كما هو واجب للمسلمين.

شريف زايد

مصر