February 19, 2009

  الحقوق الشرعية للإنسان ح1 - بقلم الأستاذ محمد عبد الله

نشأت فكرة حقوق الإنسان في أوروبا في القرن السابع عشر الميلادي، نتيجة الصراع الذي احتدم بين الكنيسة ورجالها من جهة، وبين المفكرين والفلاسفة من جهة أخرى، فقد نادى الفيلسوف ((لوك)) بالحقوق الطبيعية للأفراد، المستمدة من فكرة ((القانون الطبيعي)) وهو القانون الذي يستمد من طبيعة الإنسان والأشياء، حيث يتوصل الإنسان بعقله، بعد دراسة خاصيات الإنسان، إلى وضع التشريعات الكفيلة بصيانة حقه الفردي وإسعاده في هذه الدنيا.

وبعد الصراع المرير بين الفريقين، انتصر رجال الفكر على رجال الكنيسة، فقرروا فصل الدين عن الحياة، ونشأ جراء ذلك المذهب الحر، أو المبدأ الرأسمالي، الذي أفرز فكرة حقوق الإنسان.

وبالنظر في هذا المبدأ، نجد أن للحقوق الطبيعية للإنسان أسساً ثلاثة هي :

أولاً: إن الحقوق الطبيعية للأفراد سابقة للوجود السياسي، أي سابقة لقيام الدولة، ولذلك تقع على الدولة مسؤولية احترام الحقوق والحريات الفردية، والامتناع عن المساس بها، بل ورعايتها.

ثانياً: إن وقع تناقض بين سلطة الدولة وحرية الفرد، يحسم لصالح الحرية الفردية، وذلك لأن الغاية من قيام الدولة هي حماية الحريات الفردية، أي حماية الحقوق الطبيعية للإنسان كفرد.

ثالثاً: إن جعل الحرية الفردية أساساً للوجود السياسي للدولة يقتضي تقييد سلطة الدولة بما يحفظ الحرية الفردية، ومنعها من التعسف في تقييد حرية الأفراد.

وبناءً على هذه الأسس، عمد مفكرو المبدأ الحر ((المبدأ الرأسمالي)) إلى استبعاد القوانين الإلهية التي تقيد الحريات الفردية، وتحدد حقوق الإنسان، وإلى الاستعاضة عنها بالقانون الطبيعي المستند إلى الواقع والعقل، فبرزت فكرة حقوق الفرد مقابل الدولة، التي أصبحت تعرف فيما بعد بحقوق الإنسان، فنادت بها الثورة الأمريكية علم 1776م والثورة الفرنسية عام 1789م، ثم اكتسبت الفكرة بعداً دولياً بعد الحرب العالمية الثانية، على يد هيئة الأمم المتحدة، تلك الهيئة التي أنشأتها الدول الكبرى، لحفظ مصالحها، وفرض هيمنتها على العالم.

وبعد ذلك توالت المؤتمرات، وصيغت المواثيق الدولية الداعية لحفظ حقوق الإنسان، والتي جعلت الفرد محور اهتمامها وركزت على حماية حرياته الأربع: حرية العقيدة وحرية الرأي وحرية التملك والحرية الشخصية.

ففي عام 1948م صدر عن الأمم المتحدة، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وفي عام 1966م صدر العهد الدولي بشأن الحقوق المدنية والسياسية، وفي عام 1993م صدر البيان الختامي للمؤتمر العالمي لحقوق الإنسان، الذي تضمن تعديلات لميثاق عام 1948م.

إن فكرة حقوق الإنسان المبنية على الحقوق الطبيعية في الفكر الرأسمالي متهافتة تنظيراً وواقعاً.

فمن حيث التنظير، نجد أن بعض المدارس الفكرية كالدارونية نسبة إلى ((دارون))، صاحب فكرة النشوء والارتقاء، قد نادت بقاعدة ((البقاء للأصلح)) وهذه تنكر حق بعض الأفراد في الحياة، وهي تناقض الحقوق الطبيعية لكل فرد.

وبعض النظريات في علم النفس التي يتبناها الرأسماليون، تدعي أن بعض البشر عدوانيون بطبعهم، والبعض الآخر أليفون بطبعهم، وبذلك لا توجد مساواة طبيعية بين الناس تعطي كل إنسان الحق نفسه، ويترتب على توحيد حقوق الإنسان، فقدان بعض الناس لحقوقهم.

وكذلك لا يوجد اتفاق بين المفكرين على وجود حقوق طبيعية أصلية بمعزل عن الوجود المجتمعي، فالعديد منهم يرى أن التشريع المتضمن حماية حقوق الإنسان، وليد التطور المجتمعي والمادي معاً، ولا يمكن فصله عنهما.

أما من حيث الواقع، فإن الدساتير والمواثيق الوضعية تناولت حقوق الإنسان بأسلوب عاطفي أدبي، مما يعطي المرونة للسلطة الحاكمة في إقرار بعض الحقوق، وفي التنكر لبعض الحقوق الأخرى، وتمكنها هذه الصياغة غير القانونية، من الالتفاف على النصوص ولي أعناقها لما فيه مصلحة هذه السلطة.

كذلك لم تشر المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، إلى آلية تنفيذ تلك الحقوق، فلم تنص على الطرق أو الوسائل الكفيلة بضمان تلك الحقوق، ولا على عقوبات محددة لخرقها، واكتفت بالنص على ضرورة الالتزام بها وصيانتها.

والآن لا بد لنا من بين وجهة نظر الإسلام من فكرة حقوق الإنسان:

إن مصطلح ((حقوق الإنسان)) مصطلح رأسمالي، له مدلول نابع من وجهة نظر معينة، وهي عقيدة فصل الدين عن الحياة، وهي عقيدة تناقض العقيدة الإسلامية، والأفكار المبنية عليها تخالف الأفكار المبنية على العقيدة الإسلامية، لذلك يجدر بالمسلمين وخصوصاً المفكرين منهم، أن يجتنبوا استعمال هذا الاصطلاح في معرض المطالبة بمضمونه، لأنه يخالف الإسلام، وأن يستعيضوا عنه باصطلاح ((الحقوق الشرعية للإنسان)) لأن مدلول الأول، يعني أن الذي يعين حقوق الإنسان هو الإنسان نفسه، مستنداً إلى الواقع وهو غرائزه وحاجاته العضوية، وإلى عقله، فيكون بذلك عبداً لغرائزه وحاجاته العضوية، بينما الاصطلاح الشرعي الذي يستمد مضمونه من النصوص الشرعية، يدل على أن الإنسان عبد لله الذي خلقه، وقد شرع له خالقه أحكاماً ليشبع غرائزه وحاجاته العضوية إشباعاً صحيحاً، يؤدي إلى رقيه ونهضته في الدنيا، وإلى سعادته بنيل رضوان الله في الآخرة.

ومن المشاهد المحسوس، نرى أن الدول التي تحمل لواء حقوق الإنسان، تمارس أعمالاً بعيدة كل البعد عن كرامة الإنسان، فهي تمارس التمييز العنصري ضد الملونين، وتمارس سياسة استعمارية فوقية ضد غيرها من الشعوب والدول، وتكيل بمكيالين في مواقفها من المشاكل الدولية، ومشاكل حقوق الإنسان، ولنقرأ ما كتبته مجلة ((العالم)) اللندنية في افتتاحيتها عشية انعقاد مؤتمر فيينا الدولي لحقوق الإنسان عام 1993م، إنها تؤكد ((على أن قضية حقوق الإنسان أصبحت واحدة من القضايا التي يتم التلاعب بها لخدمة أهداف سياسية، فالدول الصديقة للولايات المتحدة الأمريكية، لا تُسلَط الأضواء على أوضاع حقوق الإنسان فيها، وعندما تتوتر العلاقات يصبح هذا الموضوع ذا شأن، والأمثلة في هذا المجال كثيرة، فسوكارنو الذي حكم أندونيسيا بالحديد والنار، وقتل في الستينيات أكثر من نصف مليون إنسان من شعبه كان يوصف بالاعتدال، ولكن بعد أن أصبح له دور في دول عدم الانحياز فتحت ملفات حقوق الإنسان في أندونيسيا ...))، والصواب أن يقال بعد أن أصبح غير مرغوب لأمريكا.

فالدولة أو الدول المسيطرة والمتحكمة في سياسة العالم، هي التي تقرر أن الدولة الفلانية تعدت حقوق الإنسان، فتفرض عليها المقاطعة والحصار، وقد تنزل بها الدمار، بينما تبارك أعمال الدولة الفلانية الأخرى، لأنها على حد زعمها معتدلة، وتحارب الإرهاب، رغم أنها تنتهك كرامة الإنسان باسم القوانين التي ابتدعها الغرب، ثم سوّقها لنا، مثل قانون الطوارئ، وقانون الدفاع والأحكام العرفية والمحاكم الاستثنائية.

تلك القوانين التي تصير في آخر المطاف، في كثير من الدول هي الأصل في تقرير حقوق الإنسان. وعندها يقل المنتفعون بهذه الإعلانات والمواثيق الدولية، وتصبح مزاياها وقفاً على فئة القابضين على السلطة في كل دولة، فهم باسم الحريات والصلاحيات الممنوحة لهم يفعلون ويقررون ما يشاؤون.

فأمريكا- مثلاً - ضربت العراق وحاصرته بحجة انتهاكه لحقوق الشيعة والأكراد، بينما سكتت عن الصرب الذين ارتكبوا أبشع وأفظع الجرائم في التاريخ بحق البوسنيين المسلمين، وهي احتلت بنما لاعتقال نورييغا ومحاكمته بحجة اتجاره بالمخدرات، بينما دعمت رابين وعسكره الذي احتلوا فلسطين، وشردوا أهلها، وقتلوا الأطفال والنساء والشيوخ ... وهي تستنكر وتدين قتل سائح أجنبي، بينما تمدح وتؤيد ملاحقة وقتل عشرات المسلمين المطالبين بحقوقهم الشرعية ... وهذا غيض من فيض، يرتكب على أيدي الذين يدعون المحافظة على حقوق الإنسان في العالم، ذلك الإعلان الخيالي الذي نادت به دول الغرب لتزيين صورتها وصورة نظامها عند الشعوب المستعمَرة ((بفتح الميم))، ولاستعماله كمبرر قانوني ودولي من أجل التدخل في شؤون الدول والشعوب الأخرى إن لزم الأمر.

فتكون فكرة ((حقوق الإنسان)) فكرة رأسمالية استعمارية، لا تمت إلى أفكار الإسلام بصلة، لأنها بنيت على أساس مناقض للإسلام، وهو عقيدة فصل الدين عن الحياة، التي انبثق عنها فكرة السيادة للشعب، بدل أن تكون السيادة للشرع، فأصبح الإنسان ينفذ أوامر الإنسان، بدل أن ينفذ أوامر الله.

أما الحريات التي انطلقت منها فكرة حقوق الإنسان، فهي بعيدة عن واقع الإنسان، وبعيدة عن التطبيق الفعلي، لأن الإنسان خلق وخلقت معه غرائزه وحاجاته العضوية، وهي بحاجة إلى إشباع صحيح، بنظام يكفل عدم غمط حقوق الآخرين في علاقتهم مع بعضهم البعض، وهذه العلاقة بحاجة إلى تنظيم دقيق يأتي من قبل جهة مدركة ومحيطة بجميع الفروق الفردية بين بني البشر في غرائزهم وحاجاتهم، وهذا لا يتأتى إلا لخالق البشر. وأما إطلاقها وعدم تنظيمها، وترك الناس يشبعونها كما يشاؤون، فإنه حتما يؤدي إلى الفوضى والخطر على حياة الأفراد وقد اضطر دعاة الحرية، عندما اصطدموا بهذه الحقيقة، أن يقولوا بأن حرية الفرد تنتهي عندما تتعارض مع حرية الآخرين، وهذا يعني أنه لا حريات..

والحريات العامة بمفهوم الرأسمالية، غير موجود في الإسلام، فالمسلم مقيد بأحكام الشرع في كل ما يصدر عنه، من عقيدة أو رأي أو تملك أو سلوك. فإن ارتد عن عقيدته وأصر على ارتداده قتل، وإن خالف أحكام الشرع عزر وعوقب.

إخوة الإيمان نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة على أن يكون حديثنا في الحلقة القادمة إن شاء الله عن الحقوق الشرعية للإنسان في الإسلام، وإلى ذلك الحين أستودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

المزيد من القسم سياسة

يا علماء الأزهر: الشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار!!

ذكرت جريدة اليوم السابع في 26/10/2015م، أنها حصلت على نسخة من تقرير مهم لمرصد الأزهر الشريف أكد فيه "أن التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة "جائزة"، ما دامت ليست من قبيل الاستعانة بالمشركين على المسلمين طلبا لخذلان المسلمين، كما ذكر أن من مقاصد الشريعة عمارة الكون ولتحقيقها تمت الاستعانة بهم في نواح عديدة، منها الإدارية والصناعية والكتابية والقتالية وغيرها، واستدل بأن الرسول r استعان حينما هاجر إلى المدينة برجل مشرك ليدله على الطريق، وكان له غلام يهودي يخدمه بالمدينة، ولما قدم إلى المدينة كتب معاهدة بين المسلمين واليهود جاء فيها: (وأن بينهم النصر على من داهم يثرب)، ولما توجه رسول الله إلى مكة عام الحديبية ووصل إلى ذي الحليفة أرسل عينا له من خزاعة يأتيه بخبر قريش، وكان ذلك الرجل مشركا"، ليختم قائلا: "أما التحالف مع غير المسلم في مواجهة جماعة متطرفة تهدد أمن المجتمعات وسلامتها فعلينا هنا أن نفرق بين من يستعين بالمشركين على المسلمين طالبا خذلان المسلمين، قاصدًا هدم دولتهم، هادفًا إلى إضعاف شوكة الإسلام، كارها مبغضا لهذا الدين وأهله، فهذه الحالة نهى عنها ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وبين من يفعل ذلك ردا لعدوان فئة باغية لا يستطيع رد عدوانها وحده، مع احتفاظه بسيادة دين الإسلام في بلده ظاهرا غالبا، فلا مانع له أن يستعين بغير المسلمين تحقيقا لمصالح المسلمين؛ ولضرورة أمن المجتمع وسلامته".

من الواضح جدا أن الوضع في الشام يلقي بظلاله على المنطقة كلها، وأن هناك ترتيباً وتحضيرات لكي تصبح مصر مخلبا من مخالب أمريكا في الشام بإدخالها إلى حلبة الصراع كما فعلت في ليبيا من قبل، كجزء من حلف أمريكا في حربها الصليبية الجديدة بعد أن أوشكت روسيا على الفشل، وحتى لا يغضب أبناء الكنانة لتحرك جيشهم تجاه إخوانهم في الشام، ويكون هناك مبرر لقمع من يظهر الغضب منهم، فلا بد من مبرر قوي وفتوى شرعية لخداع أهل الكنانة وأبنائهم في الجيش حتى لا يؤرقهم فيما بعد تلوث أيديهم بدم إخوانهم في بلاد الشام، وبدلا من أن يصدر مرصد الأزهر وعلماء الكنانة بيانا وفتاوى تحرم تلك التحالفات على أبناء الأمة وتجرم الدخول فيها، وتبين وجوب نصرة أهل الشام وأهل فلسطين وغيرهم ورد كيد أعداء الأمة من أمريكا ويهود والغرب الكافر، أصدر المرصد تقريرا أجاز فيه التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة، ما دامت ليست من قبيل خذلان المسلمين، وكأن قتل المسلمين ليس خذلانا لهم أو أنه قد أصبح أحد مقاصد الشريعة، ولا ندري من أين أتى المرصد بهذه الفتوى وما دليله عليها؟! ولا عن أي شريعة وأي مقاصد يتحدث؛ فمقاصد الشرع تحفظ النفس المسلمة لا تقتلها بتحالف مع عدو الله ورسوله وعدو الأمة، والمعلوم من قول رسول الله r «إنا لا نستضيء بنار المشركين» ورده على المشرك الذي لحق بالجيش «إنا لا نستعين بمشرك»، أما الاستعانة في الأمور الإدارية فلم يرد تحريمها، وهي تختلف جملة وتفصيلا عن الاستعانة في القتال فضلا عن قتال المسلمين، والأصل فيها الإباحة ولا يجوز قياسها على قتال أهل البغي من المسلمين بأي حال من الأحوال، فهي ليست من الأمور الإدارية وإنما هي أحكام شرعية لأفعال الأصل فيها التقيد بأحكام الشرع المستنبطة من أدلتها، وما أتى به النص الصريح هنا في قتال طائفتين من المؤمنين ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه﴾ فالأصل في قتال طائفتين من المؤمنين أن نعمل على الإصلاح بينهما ثم يقاتل المسلمون، والمسلمون فقط دون غيرهم، الفئة الباغية طالما بقيت على بغيها حتى تعود عنه، ولا يجوز لهم أن يستعينوا بكافر على إخوانهم بعدوهم أبدا، فكما في الصحيحين «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وحتى نفصل في الفتوى يجب أن نستعرض واقع الأمة اليوم؛ حيث لا وجود لدولة إسلامية بالمفهوم الشرعي بل كلها بلاد إسلامية يسكنها مسلمون، يحكمها حكام ضرار مغتصبو سلطة وضعهم الغرب الكافر على رؤوس البلاد والعباد لرعاية مصالحه ولقهر الأمة واستعباد شعوبها للغرب الكافر، وكل من حاول الانعتاق من التبعية والتملص من ربقة الغرب يتسلطون عليه بسلاح ثمنه من أموال وأقوات الأمة واصفين كل من حاول الانعتاق بكل أوصاف التطرف والإرهاب والخروج.

وهنا مع هذا الواقع يكون واجب الأمة خلع هؤلاء الحكام وتنصيب خليفة واحد تكون رئاسته عامة لجميع المسلمين ويحصل الحكم ببيعة شرعية صحيحة ويحكم الأمة بالإسلام كاملا شاملا غير منقوص، ويكون له وحده حق تبني الأحكام الشرعية وسنها دستورا وقوانين، بهذا فقط يكون لدينا دولة إسلامية من حقها وحدها قتال البغاة والخارجين، أما هؤلاء الحكام وعلماؤهم وعملاؤهم فهم مغتصبون لسلطان الأمة محاربون لله ورسوله وأوليائه، وهم آخر من يقيم للإسلام وأحكامه وزنا أو احتراما في بلادنا ولا علاقة لهم لا بالشرع ولا بمقاصده، وأول من يدرك ذلك هم العلماء قبل عوام الناس من أهل الكنانة وغيرها، فلا يجوز لهم أن يبرروا ويشرعنوا خياناتهم في تجارة بالإسلام واستغلال واضح لجهل الناس بأحكامه لصالح حكام السوء ومن خلفهم الغرب الكافر عدو الإسلام والمسلمين، والذي يبررون الآن التحالف معه لوأد ثورة الأمة في الشام وغيرها، في محاولة يائسة لمنع عودة الخلافة على منهاج النبوة والتي أصبح نجمها يعلو في الأمة بعمومها والشام خاصة، والتي فضحت العملاء وعلماء السوء وأبت إلا أن تكشف كل متلون مخادع، ولن يبقى ثابتا إلا من يستحقون بحق أن يكونوا كأمثال الصحابة وأن تقام على أكتافهم دولة خلافة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض.

يا علماء الأزهر الكرام وأحفاد العز بن عبد السلام سلطان العلماء، لا تكونوا أكثر الخاسرين فتبيعوا دينكم بدنيا غيركم، ولن ينفعكم حكام السوء أو يغنوا عنكم من الله شيئا، فكونوا مع الحق الذي تعلمون وطالبوا أهل مصر الكنانة وجيشها بخلع حكام السوء وإعلانها خلافة على منهاج النبوة، ونصرة أهل الشام وفلسطين وسائر المستضعفين من أبناء الأمة، فهذا دوركم ودورهم، فأنتم ورثة الأنبياء وهم جند الله ورسوله ودرع الأمة وحماة الإسلام فحرضوهم على نصرة الله ورسوله تفوزوا وإياهم ويكون لكم وللكنانة السبق في ركب الجنة.

يا أهل الكنانة وعلماءها وجيشها، يا من كنتم للإسلام درعا وحصنا وكان للإسلام بكم عزٌّ ومنعة من للإسلام، إن لم يكن أنتم من ينتصر لحرمات المسلمات غيركم من يحرر الأقصى دونكم، إن الأقصى والشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار وخلف عدو من أعداء الله ولخدمة الغرب الكافر ولفرض نفوذه ومخططاته ومنع عودة الحياة الإسلامية من خلال خلافة على منهاج النبوة، وإنما تنتظركم أنتم جند صلاح الدين تحت راية رسول الله r، تنتظركم ناصرين فاتحين محررين كما عهد بكم، تنتظركم بأسا شديدا على أعداء الله ورسوله وعزا لدينه ومددا لأنصاره، واعلموا أن نصر الله قادم لا محالة، فليكن بأيديكم أنتم وليكن لكم السبق للفردوس الأعلى مع أنصار الأمس فإنها الجنة، والأيام القادمة أيام فاصلة فانحازوا فيها لما يحب الله ويرضى وانصروا إخوانكم في حزب التحرير واحملوا معهم مشروع الأمة المنبثق عن عقيدتها خلافة على منهاج النبوة تنهي التبعية للغرب الكافر وتعيد عز الإسلام وأهله وتعيد بلادنا سيدة الدنيا كما كانت، اللهم اجعله قريبا واجعله بأيدينا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله عبد الرحمن

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

نعمة الأمن والأمان في الأردن

نتغنى في الأردن بالأمن والأمان، وإذا ما تكلم بعضنا بوجوب نصرة الشام والأقصى رد علينا آخرون بقولهم أنتم تريدون إشاعة الفوضى في البلد والقضاء على الأمن والأمان، ألا ترون ما حدث لأهل سوريا ومصر وليبيا واليمن وغيرهم؟

أقول لمثل هؤلاء: إن نعمة الأمن والأمان والرخاء الاقتصادي كان يتنعم بها أهل مكة، فقد آمنهم الله من الجوع والخوف بينما كانت القبائل من حولهم يغير بعضها على بعض فيقع فيهم القتل والأسر، قال تعالى مذكرا إياهم أنهم كانوا في أمان بينما غيرهم يعيش في خوف ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فماذا حدث لأهل مكة؟ هل استمر الأمن والأمان؟ هل حافظوا على نعمة الأمن والأمان؟ قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.

أطعمهم من جوع: أمان اقتصادي... كانت خيرات الجزيرة العربية والشام واليمن تجبى إليهم في رحلتين سنويتين، رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وآمنهم من خوف: كانت القبائل تسعى إلى ودِّهم لأنهم أهل الحرم،كما أن الرحلة في الصحراء إلى اليمن جنوبا والشام شمالا دليل على الأمن الذي تنعَّم به تجار مكة.

ولما بعث رسول الله r إليهم طلب منهم أن يحافظوا على هذه النعمة، كيف؟

اسمعوا قوله تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ

إذن المحافظة على الأمن والأمان تكون بطاعة الله عز وجل، وتنفيذ أوامره سبحانه في الحياة العامة، في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة الخارجية، وليس الاقتصار على تنفيذ أمر الله في العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات فقط، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ أي نفذوا أحكام الإسلام كلها، فلا يجوز أن نقصر الإسلام على جزء منه ونترك الباقي خوفا من أمريكا وأوروبا وغيرهما من دول العالم.

فحتى نحافظ على الأمن والأمان يجب تغيير الدستور إلى دستور إسلامي وتغيير النظام الحاكم من نظام علماني إلى نظام إسلامي، وأن تسترد الأمة سلطانها وتختار حاكمها لتبايعه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله r... وفي ذلك تحقيق لعبادة رب البيت.

وأما عصيان الله وإعلان الحرب على أحكامه الشرعية فهو خسران الأمن والأمان، والحكم بغير ما أنزل الله خروج عن طاعة رب البيت، والتنسيق مع روسيا في حربها على المسلمين في الشام خروج عن طاعة رب البيت، والمشاركة في التحالف الصليبي خروج عن طاعة رب البيت، وإباحة الربا باسم الحرية الاقتصادية، وإباحة التعري والسفور والاختلاط والمثلية الجنسية باسم الحرية الشخصية خروج عن طاعة رب البيت، وترك قطعان يهود يمارسون عربدتهم في الأقصى خروج عن طاعة رب البيت، وتأييد نتنياهو في تركيب كاميرات التجسس خروج عن طاعة رب البيت، وخذلان أهل سوريا وتركهم لبشار وروسيا وإيران وحزبها في لبنان خروج عن طاعة رب البيت، وإرسال الجيش الأردني ليحارب المسلمين بدلا من توجيههم لمحاربة يهود وتحرير الأقصى وفلسطين منهم هو خروج عن طاعة رب البيت...

أهل مكة رفضوا دعوة الله فخسروا الأمن والأمان.

انقسم المجتمع إلى مؤمنين وكافرين... أصبح الأخ يعادي أخاه والابن يعادي أباه والزوجة تعادي زوجها والعبد يعادي سيده. عصا العبيد أسيادهم، وعصا الشعب حكامه، وسموا زعيمهم أبا الحكم بأبي جهل. وأمر الله نبيه والمؤمنين بتهديد أبي جهل ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ثم أمره أن يعلن الوصف الحقيقي لأبي جهل ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ثم يستأنف التحدي والتهديد والوعيد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ثم أمر رسوله والمؤمنين بعصيان الحاكم المجرم وإعلان التمرد على دستوره ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.

لو دخل أبو الحكم في الإسلام وعبد ربَّه الذي أعطاه الأمن من الجوع والأمن من الخوف لما فرق مجتمعه، ولو آمن زعماء مكة لحققوا شرفا ما بعده شرف، ولظل ذكرهم معطراً خالدا، ولكنهم رفضوا الشرف واستغربوا وعد الرسول r بالانتصار على فارس والروم، واتهموه بالجنون، ففقدوا الأمن والأمان وقُتلوا في معركة بدر، أين هم الآن؟!.. في الجحيم والعياذ بالله وقانا الله وإياكم ذلك المصير. أما أولادهم الذين آمنوا بدعوة الإسلام فقد حافظوا على نعمة الأمن والأمان وأصبحوا قادة البشرية.

ونحن في الأردن إذا لم نعِ الدرس وندرك أن الحفاظ على الأمن والأمان لا يكون إلا بعبادة رب البيت... فسنخسر الدنيا والآخرة.. نعوذ بالله من ذلك... وها نحن نرى بعض البوادر في فقدان نعمة الأمن والأمان من انتشار العصابات والعنف في الجامعات والعشائر وفساد الدولة ونهب المال العام والفقر والبطالة... وإذا لم نعد إلى ديننا عودة حقيقية فسيستمر الخسران حتى نجد أنفسنا مشردين لاجئين كأهل البلاد من حولنا... لا قدر الله.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نجاح السباتين – ولاية الأردن