"الحقيقة" حول برنامج القناة الرابعة الوثائقي الزائف "الحقيقة حول الزواج في الإسلام"
November 25, 2017

"الحقيقة" حول برنامج القناة الرابعة الوثائقي الزائف "الحقيقة حول الزواج في الإسلام"

"الحقيقة" حول برنامج القناة الرابعة الوثائقي الزائف "الحقيقة حول الزواج في الإسلام"


(مترجم)


بثت القناة الرابعة البريطانية في 21 تشرين الثاني/نوفمبر فيلمًا وثائقيًا بعنوان "الحقيقة حول الزواج في الإسلام" الذي سعى فيه إلى تقويض عقد الزواج في الإسلام بحجة أنه لا يحمي حقوق المرأة المسلمة في الزواج وأنه يجب إلزام المسلمين بالحصول على زواج مدني معترف به بموجب القانون البريطاني من أجل ضمان حماية الحقوق الزوجية للمرأة في ظل النظام القانوني البريطاني.


حسنًا، سنذكر فيما يأتي عددًا قليلًا من الحقائق المخزية عن محتوى الفيلم الوثائقي:


1. استخدم البرنامج، بشكل ساخر، خللًا في القانون العلماني البريطاني والذي رفض الاعتراف بصحة مراسم الزواج التي تقام في ظل قوانين دينية غير نصرانية، في محاولة لتشويه عقد الزواج في الإسلام وتصويره على أنه ضد مصلحة المرأة.


2. حقيقة أن النساء المسلمات اللواتي تزوجن وفق أحكام الإسلام بدلًا من الزواج المدني غير قادرات على تأمين حقوقهن الزوجية في بريطانيا هو اتهام لإخفاق النظام العلماني البريطاني وليس الإسلام. وهو يعكس فشل النظام البريطاني في قدرته على الاستيعاب الفعال لمن يحملون معتقدات دينية مختلفة. وينعكس ذلك أيضًا في الأنظمة العلمانية الغربية الأخرى التي منعت المعتقدات والممارسات الإسلامية الأخرى مثل النقاب أو الحجاب. ومن المفارقات أن أحكام الشريعة الإسلامية، التي تطبق في إطار النظام الإسلامي في دولة الخلافة، والتي يحب العلمانيون وصفها بأنها متخلفة وقمعية تجاه النساء والأقليات، من المفارقات أن هذه الأحكام تسمح لحملة تابعية الدولة الإسلامية من غير المسلمين بإجراء مراسم زواجهم وفقًا لمعتقداتهم الدينية دون مضايقات أو تشويه أو تدخل من جانب الدولة، وتعتبر زواجهم صحيحًا تم وفق الأحكام الشرعية.


3. اعترف العديد من المحامين والأكاديميين في البرنامج، بما في ذلك لجنة القانون في بريطانيا، أن قانون الزواج البريطاني، الذي أنشئ في عام 1836، لا يصلح للغرض الذي وضع من أجله في بريطانيا متعددة في ثقافات القرن الـ21، حيث تشكل الجاليات الآن من مختلف المعتقدات الدينية نسبة كبيرة من السكان. هذا دليل آخر على الضعف المتأصل في القوانين والأنظمة العلمانية وغيرها من القوانين والأنظمة الوضعية والتي لا يمكن أن تحل جميع المشاكل في جميع الأوقات والأماكن وللناس كافة، ولكنهم يضطرون إلى تغييرها بسبب فشلها وأوجه القصور فيها.


ولكن الحال ليس كذلك بالنسبة للقوانين والأحكام الإسلامية، فهي أحكام ثابتة وغير متغيرة لأنها قادرة على علاج كافة المشاكل وحلها حلًا إنسانيًا في جميع الأوقات والأماكن وللناس كافة، وبالتالي فهي لا تتطلب أي ترقيع أو إصلاح. إن هذه القدرة على معالجة كافة المشاكل تتمثل فقط في النظام الذي شرعه الخالق المدبر للكون والإنسان والحياة وهو يعلم ما كان وما يكون وما سيكون. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: 16]


4. إن الحجم الكبير للعنف المنزلي والمشاكل الزوجية الأخرى وسوء المعاملة التي تعصف بحياة النساء المتزوجات في عموم السكان في بريطانيا، فضلا عن وباء انهيار الأسرة والطلاق، لهو دليل على أن القانون العلماني البريطاني أخفق في إيجاد الزواج المتناغم داخل المجتمع، بل إنه سبب الأزمات في الحياة الأسرية. ويرجع ذلك إلى عوامل مختلفة، منها الحريات الجنسية الليبرالية التي عززت ثقافة العلاقات خارج نطاق الزواج، فضلًا عن الأفكار النسوية مثل المساواة بين الجنسين التي أدت إلى الارتباك فيما يتعلق بأدوار وحقوق الرجال والنساء في الحياة الزوجية، وأدت إلى صنع بيئة منافسة بين الجنسين بدلًا من التعاون بين الزوجين والقيام بأدوار تكميلية وأداء كل منهما لحقوق الآخر.


5. إن التكاليف القانونية الضخمة التي تواجهها النساء في بريطانيا عند طلب الطلاق، فضلًا عن الفشل المتأصل والمعروف في أنظمة الطلاق ورعاية الأطفال في بريطانيا، وحقيقة أن الكثير من النساء يتركن بلا أي مال بعد الطلاق، يبين بشكل واضح على أن النظام العلماني البريطاني ليس مثالاً لحقوق المرأة الزوجية كما يدعون.


6. لقد اختار الفيلم الوثائقي أن يقوم على نحو غير مسؤول بتشجيع تشويه الزواج في الإسلام، بدلًا من تقديم الحقيقة بشأن أحكام النظام الاجتماعي في الإسلام والنظرة الإسلامية للأسرة التي تصنع بيئة هادئة ومتناغمة في إطار الزواج، أو الحقيقة عن المكانة العالية، والمعاملة الطيبة، والحقوق العديدة التي تتمتع بها المرأة في إطار الزواج كما شرعت الأحكام الإسلامية، بما في ذلك الميراث والحقوق المالية والقانونية التي شرعت قبل قرون من تشريع الأنظمة العلمانية في الغرب. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19]


7. اختار البرنامج أن ينشر انتقادًا مألوفًا عن الشريعة الإسلامية بشأن تعدد الزوجات، مما يشير إلى أنه هو مصدر ظلم للمرأة المسلمة، بغض النظر عن حقيقة أن الرجل الذي يتزوج أكثر من زوجة، فرض الإسلام عليه رعاية الاحتياجات الجسدية والعاطفية والمالية لجميع زوجاته دون مفاضلة. غير أن الفيلم الوثائقي تجاهل حقيقة أن الرجال داخل المجتمعات الليبرالية يسمح لهم بإقامة علاقات مع عدد غير محدود من النساء في وقت واحد مع عدم تحمل أية مسؤولية عن رعايتهن الجسدية أو العاطفية أو المالية، أو رعاية أبنائه باستثناء شيكٍ يرسله مرة واحدة في الشهر - هذا إن حدث ذلك! وحتى بعد أن اعترف الباحثون في البرنامج بأنهم تحدثوا مع نساء مسلمات ضمن استطلاعهم وقد قلن بأنهن اخترن زواجًا فيه تعدد الزوجات بشكل طوعي وسعيد، وكن يخشين من أن القانون البريطاني يحظر تعدد الزوجات ويفرض الزواج المدني على المجتمع وهو من شأنه أن يجرم زواجهن، وحتى بعد ذلك اختار البرنامج ألا يتحدث عن حقوق هؤلاء النساء من أجل أهداف الإنتاج النسوية.


8. لقد تجاهل الفيلم الوثائقي، بما يتفق مع أهدافه، أن حماية الحقوق الثابتة للمرأة والواردة في النصوص الإسلامية فيما يتعلق بالزواج تتطلب نظامًا إسلاميًا يطبق القوانين الإسلامية بشكل شامل في الدولة، ويقوم نظامه القضائي بمساعدة المرأة في تأمين حقوقها الزوجية الإسلامية. وهذا النظام الذي يتمثل في الخلافة لم يعد قائمًا في البلاد الإسلامية اليوم، ولكن خلال قرون حكمه، هناك أمثلة لا حصر لها سُجلت في السجلات القضائية تبين أن هناك نساء رفعن شكاوى بشكل مستقل وفزن بقضايا تتعلق بانتهاك حقوقهن الزوجية. كما أنها تؤكد على أن المرأة المسلمة بحاجة إلى إقامة هذه الدولة على وجه السرعة من أجل حماية وإيصال حقوقها التي فرضها الله سبحانه وتعالى لها.


يا للعار! إنه بدلًا من تقديم الحقيقة الفعلية عن "الحقيقة حول الزواج في الإسلام"، اختارت القناة الرابعة مرة أخرى أن تنحط من خلال سلوك طريق وسائل الإعلام العلماني الذي يتمثل في نشر الكذبة القديمة الممجوجة وهي أن الإسلام عدو حقوق المرأة ويعرضها للإساءة والظلم وسوء المعاملة. لقد كان المعتاد أن تجري شيطنة المعتقدات والقوانين الإسلامية التي يمارسها المسلمون في الغرب لاستغلال ذلك كوسيلة لتشويه الإسلام في المجتمعات العلمانية في محاولة لإبعاد المسلمين عن دينهم وزرع بذور الشك والكراهية تجاه الإسلام بين عامة الناس هناك. وعلى الرغم من أن الهدف الرئيسي للعلمانيين المتطرفين كان تشويه الإسلام، إلا أن البرنامج كشف مرة أخرى عن كوارث النظام العلماني الذي يدافعون عنه بما في ذلك استعدادهم للترفيه والتسامح مع هذه السخافات الوضيعة التي تسبب الانقسام وتزيد من تخويف الناس من الإسلام! يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: 8]

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير


د. نسرين نواز


مديرة القسم النسائي في المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر