الحرب الروسية الأوكرانية
October 17, 2024

الحرب الروسية الأوكرانية

الحرب الروسية الأوكرانية

مقدمة:

بدأ الغزو الروسي لأوكرانيا في 24 شباط 2022. وقد شنت روسيا الحرب على أوكرانيا بعد حشد عسكري ضخم، وبعد اعتراف روسيا بجمهوريتي دونيتسك ولوغانسك في شرق أوكرانيا، ودخول قوات روسية إلى منطقة الدونباس في شرق أوكرانيا في 21 شباط 2022. قامت القوات الروسية بقصف مواقع مختلفة في أوكرانيا في 24 شباط بعد خطاب للرئيس بوتين تحدث فيه عن عملية عسكرية خاصة في أوكرانيا تهدف إلى تجريدها من السلاح واجتثاث النازية فيها.

أسباب الحرب:

عند التدقيق في أسباب غزو روسيا لأوكرانيا نجد مجموعة من الأسباب والتي يمكن أن نوردها كما يلي:

أولا: قامت أمريكا ودول حلف الأطلسي بتوسيع الحلف من 16 إلى 31 دولة، علما أن معظم هذه الدول المنضمة حديثا كانت جزءا من حلف وارسو الذي كان جزءا من التحالف الشيوعي الموالي لموسكو، على سبيل المثال: بولندا وبلغاريا ورومانيا وهي من دول أوروبا الشرقية. وقامت أمريكا أيضا بمحاولة جر مجموعة من الدول التي تقع ضمن النفوذ الروسي إلى نفوذها مثل أرمينيا وجورجيا وأذربيجان في منطقة القفقاز، وأوزبيكستان وقرغيزستان في آسيا الوسطى.

فبعد التفكك المفاجئ للاتحاد السوفيتي في عام 1991 تم تفكيك حلف وارسو وكان من المفترض بالمقابل أن يتم تفكيك حلف الناتو، ولكن ذلك لم يحدث. فقد اكتفى الرئيس الروسي يلتسين في حينها بطمأنة الرئيس الأمريكي له بأن حلف الناتو لن يتوسع باتجاه روسيا. أما ما حدث فعلا بعد ذلك فهو قيام أمريكا بضم معظم دول أوروبا الشرقية لحلف الناتو. والحقيقة أن يلتسين كان ساذجا عندما ظن أن حلف الناتو سيبقى بعيدا عن روسيا. ولاحقا، أعلن حلف الناتو في قمة بوخارست 2008 أن أوكرانيا وجورجيا ستنضمان للحلف، وأن هذا الضم هو الطريقة الوحيدة لضمان الأمن والاستقرار في أوروبا.

ثانيا: لاحظت أمريكا وجود نزعات استقلالية لبعض الدول الأوروبية عن أمريكا وحلف الأطلسي، على سبيل المثال عمل فرنسا على إقامة جيش أوروبي مستقل عن الناتو، وأيضا تبعية أوروبا لروسيا في مجال الطاقة، والتقارب الروسي الألماني وخاصة في مجال الطاقة وبناء خطي نورد ستريم 1 ونورد ستريم 2 ما بين روسيا وألمانيا. وبالتالي عملت على استفزاز روسيا بالاستحواذ على أوكرانيا من خلال وصول زيلينسكي عميل أمريكا للحكم في كييف وذلك في 21 شباط 2014، وكان رد روسيا على هذا الاستفزاز هو احتلال جزيرة القرم في آذار 2014، ومن ثم اندلاع الاضطرابات في أقاليم شرق أوكرانيا الموالية لروسيا في نيسان 2014.

بدأت روسيا بحشد قواتها حول أوكرانيا في آذار 2021، وبعد ذلك في تشرين الأول/أكتوبر 2021، حيث أصدرت روسيا مطالبات لأمريكا وحلف الناتو لضمانات أمنية مكتوبة تتضمن التعهد بعدم ضم أوكرانيا إلى حلف الناتو، وتتضمن أيضا خفض قوات الحلف في أوروبا الشرقية، وهددت برد عسكري قريب إذا لم تلب هذه المطالب.

ثالثا: العمل على استنزاف روسيا وتحويلها إلى دولة فاشلة ومن ثم إلى دويلات صغيرة يمكن التحكم فيها عبر العملاء، وذلك كما حصل للخلافة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى. فمن المعلوم أن اقتصاد أمريكا يمر بالكثير من الصعوبات، مثل الدين الهائل البالغ 33 تريليون دولار، واهتراء البنية التحتية. وتعتبر روسيا فريسة مغرية لحل مشاكل الوحش الرأسمالي، حيث إنها تعتبر أغنى دولة في العالم بالموارد الطبيعية، مع مساحة تقدر بـ17 مليون كم2.

رابعا: عندما أدركت الدولة العميقة في روسيا، ما يحوكه لها الغرب، جاءت بضابط المخابرات بوتين ليعيد ضبط الأمور ويوقف تمدد الغرب. وبالفعل بدأ بوتين بتحديث الجيش الروسي، وبناء الاقتصاد المتعب، والعمل على بناء تحالف مع الصين لمواجهة حلف الأطلسي. وقام بالتخلي عن الدولار تدريجيا في التعاملات التجارية الخارجية، على اعتبار أن الدولار هو الأداة الأساسية التي تستخدمها أمريكا للهيمنة الاقتصادية على العالم، ومن ثم لحقته الصين في ذلك ولكن بوتيرة أقل تسارعا.

الهدف من الصراع في أوكرانيا:

بالنسبة لروسيا فهدفها المباشر من هذه الحرب هو إرجاع أوكرانيا لنفوذها أو تحييدها على الأقل. وعلى المدى البعيد تسعى روسيا لتغيير الموقف الدولي وإيجاد عالم متعدد الأقطاب، وذلك بالاشتراك مع الصين، مقابل أحادية القطبية التي تمتعت بها أمريكا لمدة ثلاثة عقود.

أما هدف أمريكا فيتمثل في استنزاف روسيا وإلحاق هزيمة تاريخية بها تؤدي لتفككها إلى دويلات صغيرة يسهل استعمارها والسيطرة عليها، بالإضافة إلى تجريدها من منطقة نفوذها الحيوي في آسيا الوسطى والقفقاز وشرق أوروبا، وإضعاف أوروبا.

أما الدول الأوروبية فتهدف لحماية نفسها من الدب الروسي، وتعمل على هزيمة روسيا، على اعتبار أن انتصارها في الحرب سيؤدي إلى هيمنتها على أوروبا. والحقيقة أن حكام أوروبا يبالغون في خطر روسيا لتبرير مواقفهم الضعيفة تجاه السياسة الأمريكية أمام شعوبهم، ولتبرير تبعيتهم العمياء للسياسة الأمريكية. وهناك بعض الاختلافات في المواقف السياسية بين دول أوروبا تجاه الحرب، فمثلا يعتبر موقف بولندا ودول البلطيق شديد الالتصاق بالسياسة الأمريكية، بينما موقف المجر وصربيا يميل للتصالح مع روسيا.

أما الصين فهي الداعم الرئيس لروسيا في حربها ضد حلف الأطلسي في أوكرانيا، وهي تهدف من دعمها هذا لتقوية موقف روسيا ضد حلف الناتو لأنها تعلم أنها ستكون الدولة المستهدفة الثانية في حال سقوط روسيا في هذه المواجهة.

مستقبل الصراع في أوكرانيا:

تبدو روسيا غير قادرة على حسم الصراع لصالحها، وهي تعد نفسها لحرب طويلة الأمد وليس لعملية عسكرية خاصة كما سماها بوتين في بداية الحرب، موحيا بأنها ستكون حربا سريعة على هيئة الحرب الروسية الجورجية التي لم تستغرق أكثر من 5 أيام في آب 2008، وانتهت بانتصار روسيا في إقليمي أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية.

في الواقع إن هذه الحرب هي حرب استنزاف بين حلف الناتو وروسيا، وهي تدور في ظل سباق وتنافس شديد على النفوذ العالمي والكسب الاقتصادي. ويمكن حصر احتمالات الصراع في أوكرانيا في أربعة احتمالات وهي كما يلي:

أولا: هزيمة روسيا في الحرب، وهذا على الغالب لن يحدث، وإن حدث سيؤدي غالبا إلى تفكك روسيا إلى دويلات شبيهة بدول العالم الثالث، سرعان ما ستقوم أمريكا ودول أوروبا الغربية باستخدامها كمورد للمواد الخام وسوق استهلاكية.

ثانيا: استسلام أوكرانيا وهزيمتها، وهذا ما سيؤدي إلى تسهيل تحول العالم إلى نظام متعدد الأقطاب، وصعود روسيا والصين لمنزلة أكثر تأثيرا في صنع الموقف الدولي، ونزول أمريكا والدول الغربية عن مركز الهيمنة على السياسة العالمية.

ثالثا: تحول الصراع إلى حرب عالمية ثالثة، ودخول الأسلحة النووية في الحرب. وهذا سيؤدي غالبا إلى قتل مئات الملايين من البشر، وتدمير أمريكا وروسيا وأوروبا وما حولها من الدول.

رابعا: التوافق على حل سلمي من خلال المفاوضات، تتم فيه تسوية قضية أوكرانيا والقضايا الأخرى العالقة بين أمريكا من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى. وذلك على شاكلة تسوية أزمة الصواريخ في كوبا في عام 1961 بين خروشوف وكنيدي. حيث يمكن الاتفاق على حياد أوكرانيا.

وما يغلب على الظن أن الاحتمال الأخير هو الأقرب إلى الواقع، خاصة إذا فاز ترامب في الانتخابات الرئاسية القادمة، ولكن الاحتمالات الأخرى كلها ممكنة إلى حد ما.

مواقف لافتة للنظر في الحرب الروسية الأوكرانية:

هناك الكثير من القضايا والمواقف التي يمكن أخذ العبرة منها في هذه الحرب، ومنها:

أولا: بعد استقلال أوكرانيا مباشرة عن الاتحاد السوفييتي في عام 1991 كانت أوكرانيا تمتلك 3000 قنبلة نووية، وبالتالي كانت ثالث قوة نووية في العالم. ولكنها تخلت طواعية عن هذا السلاح مقابل تعهد روسيا وأمريكا بحمايتها إذا تعرضت لأي اعتداء خارجي.

ثانيا: كان من المتوقع أن يسيطر الجيش الروسي على أوكرانيا خلال أسبوعين من بداية الحرب، وهذا ما جاء على لسان رئيس هيئة الأركان الأمريكية. ولكن استبسال الجنود الأوكران أمام القوات الروسية وبوسائل عسكرية بسيطة، مثل آر بي جيه وصواريخ جافلين المضادة للدروع، وصواريخ ستينغر المضادة للطائرات، حال دون ذلك. وهذا ما يذكرنا بهزيمة أمريكا في أفغانستان وقبل ذلك في فيتنام.


ثالثا: بعد إعلانها للتجنيد الإجباري للحرب، فر من روسيا حوالي مليون شاب في سن التجنيد في يوم واحد للدول المجاورة، ما يدل على حرص هؤلاء الشباب على الحياة وعدم قناعتهم بالحرب.

رابعا: فقر روسيا للحنكة السياسية يتضح من خلال الكثير من المواقف، فمثلا عندما وصل الجيش الروسي في بداية الحرب إلى بعد 12 كم عن كييف العاصمة أعلن الرئيس الأوكراني قبوله للمفاوضات مقابل وقف إطلاق النار، وقد تبين لاحقا أن المفاوضات التي عقدت في بيلاروسيا كان هدفها كسب الوقت لإمداد أوكرانيا بالسلاح.

خامسا: الأيدي المرتعشة والمترددة لا تصنع التغيير. كلما كانت روسيا تضع خطوطا حمراء لأوكرانيا ودول الناتو، كانت هذه الدول تتجاوزها. مثلا: اعتبرت روسيا أن ضرب جزيرة القرم خطا أحمر، وتجاوزته أوكرانيا ولم تفعل روسيا شيئا مهما، ثم قال بوتين إن ضرب الداخل الروسي هو خط أحمر، وأيضا تم ضربه ولم تفعل روسيا شيئا، ما وضع الرئيس الروسي في حرج شديد أمام شعبه وأمام العالم، ولم تعد للتهديدات الروسية قيمة أو احترام.

الخاتمة:

لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية تنخرط الدول الكبرى في العالم في حرب خطرة قد تؤدي إلى حرب عالمية ثالثة. وهذه الحرب وإن لم يكن المسلمون طرفا مهما فيها، إلا أنها من الأهمية بمكان بحيث إن متابعتها وتحليلها والنظر إليها من زاوية خاصة يعتبر من ضرورات العمل السياسي. فانشغال هذه الدول بحرب روسيا وأوكرانيا، بالإضافة للحرب بعد عملية طوفان الأقصى يمثل فرصة حقيقية للأمة الإسلامية للانقضاض على الأنظمة الفاسدة في بلاد المسلمين، وإقامة الخلافة على منهاج النبوة، وإسقاط النظام الرأسمالي برمته، والقضاء على كيان يهود، وإعادة عزة الأمة وانتصاراتها. قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله حامد (أبو حامد)

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر