الهويّة الرّمادية في الدّعوة الشعبية: إعاقة طريق النّهضة الإسلامية
الهويّة الرّمادية في الدّعوة الشعبية: إعاقة طريق النّهضة الإسلامية

أتاح انفتاح وسائل التّواصل الإلكتروني فرصةً واسعة للجميع ليكونوا مشهورين. وحتى اليوم، فإن المانترا تقول "الشّعبية هي المال". أصبح البحث عن أكبر عدد ممكن من المشتركين أو المتابعين حلماً لمعظم جيل الألفية. في عصر المعلومات الحالي، تلعب الثقافة الشعبية دوراً رئيسياً في تشكيل ثقافة الصورة وثقافة التذوق من خلال محفزات جذابة ومُسكرة.

0:00 0:00
السرعة:
February 12, 2023

الهويّة الرّمادية في الدّعوة الشعبية: إعاقة طريق النّهضة الإسلامية

الهويّة الرّمادية في الدّعوة الشعبية: إعاقة طريق النّهضة الإسلامية

"بال في بئر زمزم ليعرفه النّاس" (مثل عربي)

(مترجم)

أتاح انفتاح وسائل التّواصل الإلكتروني فرصةً واسعة للجميع ليكونوا مشهورين. وحتى اليوم، فإن المانترا تقول "الشّعبية هي المال". أصبح البحث عن أكبر عدد ممكن من المشتركين أو المتابعين حلماً لمعظم جيل الألفية. في عصر المعلومات الحالي، تلعب الثقافة الشعبية دوراً رئيسياً في تشكيل ثقافة الصورة وثقافة التذوق من خلال محفزات جذابة ومُسكرة.

القوة الرمادية: في العقد الماضي، كانت هناك قوّة جديدة من المؤثرين على وسائل التواصل مثل (celebgram وYouTubers) الذين يمثلون المجتمعات الرمادية وكونهم "الضعفاء" بالوكالة مدفوعين بالقوى الرأسمالية. على الرّغم من أنّ هذه ليست ظاهرة جديدة، إلاّ أنّ القوة الأخلاقية الرمادية توجد بشكل متزايد مع الرقمنة الحالية.

منذ نهاية حقبة الحرب الباردة، نشأت هذه القوة عمداً بالتوازي مع عولمة الرأسمالية من أجل ترويض القيم الأخلاقية القديمة في البلدان التي تمثل السوق المستهدفة لها. خاصةً عندما تتقدم أمريكا في عالم الأعمال التجارية الدولية، من المهم بشكل متزايد بالنسبة لها أن تحظى القيم الأخلاقية الغربية بقبول عالمي. كما قال آين راند: "إن عبادة الرماد الأخلاقي ثورة ضدّ القيم الأخلاقية". إذن، الأخلاق الرمادية هي في الواقع تمرّد على القيم الأخلاقية نفسها.

في تطوّرها المستمر في التحول، نجحت قوة الصناعة الاقتصادية الأمريكية في خلق ثقافة شعبية من خلال الموسيقى والأفلام منذ منتصف القرن العشرين، للتوسّع في آسيا ومواصلة تتابعها من كوريا بموجة الكي-بوب. نظراً لأن المزيد والمزيد من الأفلام والفن ينفصلان عمداً عن تباين المناطق الأخلاقية السوداء مقابل البيضاء، فإنها تصبح تدريجياً ظلالاً رمادية أكثر فأكثر. يهدف التعتيم على هذه القيم إلى جعلها مقبولة في السوق العالمية.

أصبحت الشعبية في النهاية المعيار الأخلاقي الجديد الذي ولّدته صناعة الثقافة العلمانية. تؤكد ثقافة البوب حقاً على مقدار القبول الجماعي "لصورة" واحدة و"ذوق" مقارنة بالجودة والأخلاق. وتلعب الإعلانات، التي تقدم أسلوباً مرئياً، دوراً رئيسياً في التأثير على السوق والقوة الرمادية في المجتمع الحديث. وهذا يشجّع على استغلال الفن والإبداع في بعض الأوساط كالفنانين والمبدعين الذين يفتقرون للاتجاه الأيديولوجي، بشعارهم الإبداعي بلا حدود.

مجتمع الهجرة في الثقافة الشعبية: المشكلة هي أنّ هذه الثقافة الشعبية لا تؤثر فقط على الناس العاديين، ولكنها تؤثر أيضاً على الفئات المسلمة التي لديها بالفعل وعي أكبر للتغيير (الهجرة) أو ما يعرف في إندونيسيا باسم "مجتمع الهجرة". أدّى اللقاء بين دعوات الدعوة الإسلامية واتجاهات الثقافة الشعبية إلى ظهور شعبوية إسلامية بين الشباب المسلم.

وهذا يجعل نشطاء الهجرة غير محصنين من متلازمة الشعبية، ما يعني أيضاً أنهم ليسوا محصنين من المواقف الرمادية. يُقاس معيار نجاح الدعوة في نهاية المطاف بالشعبية وعدد المتابعين لمحتوى الدعوة، وليس بجودة وأصالة الأحكام الإسلامية نفسها ومنهجيتها التي تتوافق مع الإرث النبوي. ونتيجة لذلك انقطعت الدعوة بسبب متلازمة الشعبية التي أصابت نشطاء الدعوة وعلماء المسلمين والأتقياء. ينغمس العديد من نشطاء الدعوة في عالم الصناعات الإبداعية والفنية وينجرفون في موجة رمادية. قال أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله. "آخر ما يتلاشى في قلوب الصالحين: حب السلطة وحب الوجود (الشعبية)". إن حالات أولئك الذين لديهم فقط هجرة وشعبية هي درس تعلمناه بالنسبة لنا. وبدلاً من غرس تأثير الدعوة، عزّز ما حدث بالفعل الموقف الرمادي الذي يتماشى مع مبدأ الوسطية الدينية - الأجندة الغربية لإضعاف الهوية الإسلامية والتعتيم عليها.

بالتعاون مع Muslim Intel Lab في ماليزيا، ذكر تقرير بعنوان "المستهلك المسلم الجديد" إلى أنه من بين 250 مليون مسلم في جنوب شرق آسيا اليوم "يعيش جيل المسلمين حياة مختلفة تماماً عن آبائهم، مكونة من اثنين من القوى العظمى: إحياء الإيمان (التدين) وانتشار النزعة الاستهلاكية على النمط الغربي".

يوضح هذا التقرير أن الإسلام أصبح أسلوب حياة شائعاً بين الشباب المسلمين في جنوب شرق آسيا، على الرّغم من اقتصاره على الاختيارات السطحية والفردية. تدينهم لا يمنعهم من استهلاك المنتجات الترفيهية الغربية أو الكورية. مثل ظاهرة Hijrah K-Popers التي يضربها الغموض حيث يُطلب منهم من ناحية أن يكونوا مسلمين متدينين، لكنهم أيضاً ما زالوا يرغبون في الاستمتاع بالترفيه الكوري. هذا الغموض هو الذي يميل إلى التحول إلى موقف رمادي، ما يسهل عليهم أن يكونوا مستعمرين كسوق من طرف الرأسماليين ليصبحوا مستهلكين أبديين لمنتجات أسلوب الحياة العلمانية.

من ناحية أخرى، فإن الاتجاه العام للثقافة الشعبية هو تخفيف الرسالة الإسلامية بحيث يمكن قبولها من عامة الناس. على سبيل المثال، إذا توقفنا عند محل لبيع الكتب، فسيكون من السهل العثور على رف من الكتب مع عرض كلمة "هجرة" على الرف الأكثر مبيعاً. على عكس الكتب الدينية الرسمية بشكل عام، فإن كتب الهجرة الشعبية لها تصميمات شعبية مع رسوم توضيحية مثل كتب الحب أو الرسوم الهزلية للفتيان، بالإضافة إلى أنماط لغوية غير رسمية. وبالمثل على مواقع التواصل، عندما نكتب هاشتاغ #هجرة على إنستجرام، تظهر 70 مليون مشاركة تتحدث عن موضوع الهجرة، بتصميم غرافيكي جذاب وصياغة بسيطة.

لا شك أن اللقاء بين تيارين، الثقافة الشعبية والدعوة الإسلامية بين الشباب المسلم، ليس دائما سلبيا، لأن هذه الظاهرة تمثل في الواقع ثورة في الأفكار بين ثقافتين. لذلك، للتعامل مع هذا الأمر، نحتاج إلى المزيد من حملة الدعوة المؤهلين الذين هم ناضجون مبدئياً وحساسون لتقلبات القيمة والهويات. حتى لا يكون الإسلام هو الذي يتمّ تلوينه وإبعاده، ولكن المبدأ الإسلامي هو الذي يلون ويحدث تغييرات هائلة في المجتمع.

إن مؤهلات حملة الدعوة القادرين على الإبحار في مجال الدعوة الإسلامية في الثقافة الشعبية هم أولئك الذين لديهم رقابة قوية في مقابل الاختلافات بين القيم العلمانية والإسلامية، دون نقص في الإبداع في استخدام الوسائل والأساليب الإبداعية في الأساليب الشعبية. بالإضافة إلى ذلك، يجب على حملة الدعوة أن يتذكروا دائماً أن معيار النجاح ليس من شخصية شعبية أو من القبول الجماهيري للدعوة، ولكن كل هذا يتوقف على المقياس الشرعي والهدف الأساسي نفسه الذي يحتاج إلى التمييز بين الحق والباطل. يجب عليهم أن يعيشوا طريق التغيير الحقيقي بالطريقة التي حددها الإسلام، كما يجب عليهم تجنب الغموض والتشويش، والابتعاد عن المواقف الرمادية في الدعوة، كما قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الْحَلاَلَ بَيِّنٌ وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُوْرٌ مُشْتَبِهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ فَقَدْ اسْتَبْرَأَ لِدِيْنِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ» رواه البخاري ومسلم.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

د. فيكا قمارة

عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

#أقيموا_الخلافة           #كيف_تقام_الخلافة                   #بالخلافة_يحصل_التغيير_الحقيقي

#ReturnTheKhilafah        #KhilafahBringsRealChange

#YenidenHilafet     #HakikiDeğişimHilafetle

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر