الإبادة الجماعية السودانية: دور عمر البشير
الإبادة الجماعية السودانية: دور عمر البشير

بينما يعرف العالم الكثير عن الإبادة الجماعية التي يعاني منها أهلنا في فلسطين، إلا أن ما يُعرف أو يُتداول عن معاناة أهل السودان خلال الثمانية عشر شهراً الماضية من إبادة جماعية صامتة أقل بكثير. لقد أودت هذه الفظاعة بحياة أكثر من 15,000 شخص، وشردت أكثر من 10 ملايين، وتركت نصف السكان - 25 مليون شخص - يواجهون انعدام الأمن الغذائي والجوع.

0:00 0:00
السرعة:
September 01, 2025

الإبادة الجماعية السودانية: دور عمر البشير

الإبادة الجماعية السودانية: دور عمر البشير

(مترجم)

بينما يعرف العالم الكثير عن الإبادة الجماعية التي يعاني منها أهلنا في فلسطين، إلا أن ما يُعرف أو يُتداول عن معاناة أهل السودان خلال الثمانية عشر شهراً الماضية من إبادة جماعية صامتة أقل بكثير. لقد أودت هذه الفظاعة بحياة أكثر من 15,000 شخص، وشردت أكثر من 10 ملايين، وتركت نصف السكان - 25 مليون شخص - يواجهون انعدام الأمن الغذائي والجوع.

ما لا يُعرف عنه الكثير هو أن هذه الإبادة الجماعية تنبع من الصراع المستمر بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع شبه العسكرية. ومع ذلك، لم تبدأ مشاكل السودان في عام 2023، بل منذ عام 1956، عندما نالت البلاد استقلالها عن الحكم البريطاني المصري. ومنذ ذلك الحين، شهد السودان سبعة انقلابات عسكرية، كان من أهمها ما حدث عام 1989، والذي أوصل عمر البشير إلى السلطة، والذي حكم كديكتاتور لثلاثة عقود.

بعد 30 عاماً من الظلم، نجح الشعب السوداني أخيراً في عزل البشير واحتفل بحريته الجديدة؛ الحرية التي سرعان ما انتزعها منه عبد الفتاح البرهان، قائد القوات المسلحة السودانية، ومحمد حمدان دقلو، المعروف بحميدتي، قائد قوات الدعم السريع. وقد اكتسب الرجلان نفوذاً وثروة طائلة في ظل نظام البشير.

قبل انقلاب عام 1989 الذي جعل عمر البشير حاكماً للسودان، كانت البلاد غارقة في حربها الأهلية الثانية مع الجيش الشعبي لتحرير السودان، بقيادة جون قرنق. وكثيراً ما يُتهم قرنق بالعمل كوكيل لأمريكا، ساعياً لتحقيق مصالحها لتقسيم السودان لتحقيق مكاسب استراتيجية واقتصادية. وتُوجت هذه الجهود باتفاقية نيفاشا عام 2005، التي وقّعها البشير وقرنق، والتي مهدت الطريق لاستقلال جنوب السودان.

تجدر الإشارة إلى أن جنوب السودان يمتلك احتياطيات نفطية هائلة، ما دفع الولايات المتحدة إلى استثمار أكثر من 1.2 مليار دولار في هذا البلد الناشئ، تحت شعاري "بناء السلام" و"الحوكمة الرشيدة"، في الوقت الذي كانت تتنافس فيه مع الصين على الهيمنة الإقليمية.

في الوقت نفسه، كان اقتصاد السودان ينهار. حيث فقد رئيس الوزراء السابق الصادق المهدي الدعم الشعبي، حين واجه الناس المجاعة والتشرد وأزمة ديون محلية وتضخماً مفرطاً تجاوز 70%، تفاقمت جميعها بسبب انهيار العملة الذي جعل الناس غير قادرين على تحمل تكاليف الضروريات الأساسية.

وقد هيأت هذه الظروف أرضاً خصبة للبشير - بدعم من الجبهة الإسلامية القومية، التي تحالفت مع السعودية والولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفيتي؛ لتنفيذ انقلاب سلمي في 30 حزيران/يونيو 1989. وعند توليه السلطة، حل البشير البرلمان، وأعلن نفسه رئيساً للدولة، ورئيساً للوزراء، ووزيراً للدفاع، وفرض أحكاماً صارمة من "الشريعة الإسلامية".

وبصفته القائد الجديد، سارع البشير إلى إحاطة نفسه بحماة مخلصين، أبرزهم القوات المسلحة السودانية، التي ترقى فيها عبد الفتاح البرهان ليصبح المفتش العام. وكان دور البرهان ضمان أمن البشير وقمع أي معارضة.

على الرغم من الوعد بالازدهار، سارعت حكومة البشير إلى قمع الأقليات. وشهدت سنوات التسعينات من القرن الماضي، التي غالباً ما تُسمى "سنوات الإرهاب"، ظهور بيوت الأشباح؛ وهي مراكز احتجاز سرية حيث تعرض المعارضون بمن فيهم المثقفون والشيوعيون وضباط الجيش للتعذيب. كما بدأت عمليات الجلد والإعدام العلني، بما في ذلك إعدام ثلاثة رجال لحيازتهم دولارات أمريكية، ما أثار موجة من الخوف بين السكان.

كما فرض البشير تفسيرات متشددة للشريعة الإسلامية، مثل قطع يد السارق، حتى عندما كانت السرقة بدافع الجوع أو الفقر. ومع ذلك، فبموجب الفقه الإسلامي الصحيح، تُعلّق هذه العقوبات في أوقات المجاعة أو الشدة، كما جسّده الخليفة عمر بن الخطاب، الذي رفض تطبيق هذه العقوبة أثناء المجاعة. في غضون ذلك، اختلس البشير ونظامه مليارات الدولارات، حيث عُثر على 90 مليون دولار في منزله بعد إقالته عام 2019، ما يُسلّط الضوء على تطبيقه الانتقائي للشريعة الإسلامية.

وعلى الرغم من أساليبه الوحشية، اندلعت حروب أهلية وتمردات. ففي جنوب السودان، اندلعت الحرب الأهلية الثانية بين الحكومة السودانية والجيش الشعبي لتحرير السودان، مخلفةً أكثر من مليوني قتيل، معظمهم من المدنيين. وخاضت القوات المسلحة السودانية هذه الحرب إلى حد كبير، حيث لعب البرهان دوراً رئيسياً في العمليات العسكرية.

في غضون ذلك، في غرب السودان، ثار إقليم دارفور الذي أهملته الخرطوم لفترة طويلة. وبدلاً من نشر القوات المسلحة السودانية، استأجر البشير مليشيات الجنجويد، بما في ذلك حميدتي، لقمع الانتفاضة بوحشية. فكانت هذه بداية الإبادة الجماعية في دارفور.

شنّت مليشيا الجنجويد، المعروفة بقسوتها، حملة تطهير عرقي. فقد قُتل أكثر من 300 ألف شخص، وشُرد 2.5 مليون شخص، واغتصبت النساء، وأُعدم الرجال، وتعرض الأطفال للإساءة. وعُوِّض حميدتي وقواته من خلال مناجم الذهب في دارفور، ما جعل تهجير السكان المحليين ليس هدفاً عسكرياً فحسب، بل هدفاً اقتصادياً أيضاً. فما هي "مكافأتهم" على هذه الإبادة الجماعية؟ اعتراف رسمي من الحكومة السودانية، وإعادة تسميتها بقوات الدعم السريع!

ومع إثراء البشير لنفسه واحتفالاته، استمر السكان في الجوع، وتفكك الاقتصاد. ومع استقلال جنوب السودان، فقد السودان معظم ثروته النفطية. وأظهرت مراجعة للميزانية الوطنية أن 70% من النفقات ذهبت إلى الجيش، ولم يتبقَّ سوى القليل للرعاية الصحية أو التعليم أو الأمن الغذائي.

وإذا أضفنا إلى ذلك عقوداً من الفساد، والثروات المسروقة، والديون المتضخمة، والتضخم الساحق، فإن الشعب السوداني تُرك ليعاني كابوساً دام ثلاثة عقود. ولكن ما إن ظنّوا أن الأمور قد انتهت، وانبعث الأمل بعد إقالة البشير، حتى تدخل أتباعه لملء الفراغ؛ البرهان وحميدتي، الرجلان اللذان مكّنهما حكمه، ويشنّان الآن حرباً ضد بعضهما البعض بينما السودان ينزف.

#أزمة_السودان                    #SudanCrisis

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أمة الله حشمي

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر