الإرهاب بين روسيا وأمريكا  اختلاف الرواية وجذور الحكاية
April 02, 2024

الإرهاب بين روسيا وأمريكا اختلاف الرواية وجذور الحكاية

الإرهاب بين روسيا وأمريكا

اختلاف الرواية وجذور الحكاية

اختلاف الرواية

لم تكتمل فرحة بوتين بمسرحية انتخابه رئيسا لروسيا لولاية خامسة، حتى تفاجأ نظامه بتنفيذ مجزرة استهدفت قاعة للحفلات الموسيقية في إحدى ضواحي موسكو، في هجوم هو الأعنف والأكثر دموية في البلاد منذ حوالي عقدين من الزمن، حيث راح ضحيته 143 شخصا على الأقل بحسب الإحصائيات الرسمية.

وفيما تؤكد وسائل الإعلام الغربية ووكالات الأنباء العالمية وقوف تنظيم الدولة وراء هذه العملية النوعية التي ضربت العمق الروسي استنادا إلى فيديو مسرب من مكان الحادثة يتباهى فيه منسوبون إلى هذا التنظيم بارتكاب المذبحة، فإن الجهات الرسمية في روسيا أصرت على تكذيب هذه الروايات واعتبارها الشجرة التي تحجب غابة الإجرام المخابراتي تحت غطاء (الإرهاب).

ففي الوقت الذي يقول فيه مسؤولون أمريكيون إن لديهم معلومات مخابراتية تظهر أن فرع التنظيم في أفغانستان، تنظيم الدولة "خراسان"، هو الذي نفذ الهجوم، فضلا عن وجود تحذير أمريكي بريطاني مشترك ومسبق، فقد نقلت وكالة تاس الروسية للأنباء عن ألكسندر بورتنيكوف مدير جهاز الأمن الاتحادي الروسي إف إس بي قوله يوم الثلاثاء 2024/03/26 إن الولايات المتحدة وبريطانيا وأوكرانيا تقف وراء هذا الهجوم، فيما صرحت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، الأربعاء 2024/03/27 إنه "من الصعب للغاية تصديق" أن تنظيم الدولة كان لديه القدرة على شن الهجوم على قاعة الحفلات الموسيقية في موسكو، وأضافت بقولها "إن الغرب سارع إلى إلقاء المسؤولية على تنظيم الدولة كوسيلة لصرف اللوم عن أوكرانيا والحكومات الغربية التي تدعم كييف".

أما بوتين الذي طالما أشرف على صناعة وتصدير (الإرهاب) عبر فاغنر ومرتزقتها، ومعاضدة جهود أمريكا في نشر الخراب في سوريا وليبيا والسودان، فقد صرح قائلا: "تحاول الولايات المتحدة إبعاد الشبهات عن كييف في هجوم موسكو الإرهابي، والقول بأن الهجوم نفذه أتباع الإسلام، وأعضاء تنظيم الدولة المحظور في روسيا. نحن نعرف على يد من ارتكبت هذه الجريمة ضد روسيا وشعبها، نريد أن نعرف من أمر بذلك"!

جذور الحكاية

ربما لا نغالي إذا قلنا إنّ بوتين هو من أكثر رؤساء العالم إدراكا لحقيقة الصناعة الغربية للإرهاب وإلصاقه بالمسلمين المتشددين من أجل تشويه مشروع الخلافة الحضاري الذي يوقف مسار المتاجرة بدماء الأبرياء عبر العالم تحت غطاء (الحرب على الإرهاب). فعبوره إلى الكرملين، مرّ من طريق الجوسسة والمخابرات، منذ كان جاسوسا سوفياتيا في ألمانيا، إلى أن حكم بلده بعقلية الكي جي بي، ولم تكن أمريكا لتسلم إرث الاتحاد السوفياتي بعد إسقاطه وتتفرغ لمناكفة المشروع الإسلامي الصاعد، إلا لمن رضي السير في ركاب نظام رأسمالي عالمي أحادي القطب، اتخذ من (الحرب على الإرهاب) حجر الزاوية لفرض بقائه وتمدده، وقد وجدت ضالتها في شخص بوتين الذي عايش اللعبة المخابراتية بجميع مراحلها وتفاصيلها.

فقد اتفقت كل من الاستخبارات الأمريكية والاستخبارات البريطانية في ندوة عقدت لهذا الغرض عام 1979م على أن الإرهاب هو "استعمال العنف ضد مصالح مدنية لتحقيق أهداف سياسية". ومنذ ذلك الوقت، وُضعت (الحرب على الإرهاب) في قلب السياسة الخارجية الأمريكية، ثم استطاعت أمريكا تعميم صفة الإرهاب على الأفراد والجماعات وحتى الدول التي تتعرض لمصالحها على غرار كوريا الشمالية (التي أعادها ترامب إلى قائمة الدول الراعية للإرهاب رغم إسقاطها من هذه القائمة سنة 2008)، وجعلت من صفة الإرهاب سلاحا تشهره في وجه من يعارض مشروع الهيمنة الأمريكية مستغلة وقوع بعض الأعمال الإرهابية التي ثبت لاحقا أنها مرتبطة برجالات الاستخبارات المركزية الأمريكية على غرار اختطاف طائرة TWA في بيروت بداية الثمانينات، إلى أن تمكنت من استصدار قانون الإرهاب سنة 1997. وبذلك أصبح قانون الإرهاب الذي تبنته أمريكا وفرضت اعتماده دوليا أحد الأسلحة الاستراتيجية التي تستعملها لإحكام قبضتها على العالم، وخاصة على الجزء الذي فيه قابلية التمرد على السياسة الأمريكية.

وعند إعلان النفير المخابراتي الأفغاني الذي هندسه بريجنسكي في تسعينات القرن الماضي، لم تعتبره أمريكا إرهابا ما دام يخدم مصالحها، وإنما وظفت فيه أبناء المسلمين كدروع بشرية ليخوضوا معركة الجهاد المقدس ضد الاشتراكية وتعلن بالنيابة عنهم انتهاء حقبة الاتحاد السوفياتي. وبعد أن ألقت الحرب أوزارها، بقي بعضهم في أفغانستان وانتقل المئات من المقاتلين العرب المدربين إلى البلدان الغربية لأنهم يدركون المصير الذي ينتظرهم إذا عادوا لبلدانهم، وقد بقي هؤلاء محطّ اهتمام جهات مخابراتية عدّة. فالأنظمة الأوروبية تنظر إليهم في توجس وخيفة، حيث كان صعبا عليها تقبل وجود مقاتلين محنكين وذوي خبرة قتالية عالية يسرحون ويمرحون على أراضيها، ما دفعها لتضييق الخناق عليهم والتعامل معهم بحذر مفرط.

هذه المعاملة، جعلت معظمهم يشعر بالضيق والاختناق ويبحث عن مسارات تفريغ طاقاته المخزونة، ما جعلهم فريسة سهلة لمجموعات أخرى أحاطت بهم وأولتهم العناية والاهتمام اللازمين، ثم قامت بعد استعمال بعضهم في أفغانستان بجلب معظمهم لاحقا إلى معركة "الجهاد المقدس" في العراق، أين برزت فكرة الشركات الأمنية الخاصة التي تعوض الجيوش النظامية، على غرار شركة بلاك ووتر الأمريكية، وهي الفكرة التي تفتقت عنها أذهان المحافظين الجدد.

فتكوين جيوش من المرتزقة عبر شركات عسكرية خاصة وخوض الحرب بالمناولة سيمكن حكام الولايات المتحدة من الاستفادة من قسط كبير من الميزانية الأمريكية المخصصة للحرب، لهذا دفعوا بكل قوتهم نحو دفع الاعتمادات التي وافق عليها الكونغرس الأمريكي بفضل الهبات والرشاوى المقدمة لأعضائه. كما أن قتلى الشركات الأمنية لا يصنّفون ضمن قتلى الجيش، وهذا يقلل الخسائر الرسمية التي سيواجهون بها الرأي العام الأمريكي، خصوصا وأن أغلب المتطوعين للحرب كانوا يسجلون باسم الشركات الأمنية وليس باسم الجيش الأمريكي.

من أجل ذلك، كانت الاستعانة بجيش مواز للجيش الأمريكي لا تطبق عليه أي قوانين أو مساءلة، فكرة تراود أذهان كثير من الساسة الأمريكيين، مثل ديك تشيني نائب الرئيس الأمريكي السابق ودونالد رامسفيلد وزير الدفاع السابق منذ بداية التسعينات. فقد صرح رامسفيلد أكثر من مرة برغبته في تحول واسع في إدارة البنتاجون لوزارة الدفاع وإحلال نموذجٍ جديد مكان البيروقراطية القديمة لوزارة الدفاع يرتكز على القطاع الخاص. ومن هنا بدأت رحلة الشركات الأمنية الخاصة للانضمام لركب "الحرب الشاملة على الإرهاب" التي ستدار وفقا لعقلية جنرالات الحرب في البنتاجون، والتي كانت مهمتها إمداد الجيش الأمريكي بآلاف من الجنود المرتزقة المدربين على أعنف وأبشع وأحط الأساليب القتالية في الحروب.

ثم أصبحت الشركات الأمنية التي تخوض حروبا بالوكالة موضة رائجة لدى القوى الكبرى ولم يعد الأمر حكرا على أمريكا، وصار لكل شركة جيش من المرتزقة هو خليط من عديد الجنسيات، فنجد شركة جي فور آس (وهي شركة متعددة الجنسيات بريطانية الأصل للخدمات الأمنية، وصفها البعض بأنها أكبر "جيش خاص" في العالم نظرا لرقم معاملاتها)، ومجموعة فاغنر الروسية الموجودة في الشرق الأوسط وفي عدد من بلدان أفريقيا، وشركة "صادات" الدولية للاستشارات الدفاعية والتدريبات العسكرية، وهي شركة تركية شبه عسكرية ثبت وجودها في سوريا وليبيا. ومع ذلك كلّه فقد بقي لرأس الكفر أمريكا اليد الطولى في تصنيع وتفريخ الإرهاب الدولي العابر للقارات.

الإرهاب مؤشر إفلاس حضاري

هذه الحقيقة الساطعة (الصناعة الأمريكية للإرهاب)، يدركها النظام الروسي جيدا، لأنه كان يشارك أمريكا حفل الشواء البشري الذي أقيم في سوريا حفاظا على الطاغية بشار أسد، بل هو من أعلنها حربا صليبية مقدسة ضد الخلافة وجاء بقدميه ليدنس مسجد صلاح الدين الأيوبي، وهو من أرسل مرتزقته للتفنن في قتل المسلمين وحرقهم أحياء جنبا إلى جنب مع مرتزقة أمريكا وعملائها، ولذلك فإن صناعة الإرهاب من قبل المخابرات الدولية ليست أمرا جديدا بالنسبة إليه، بل جرم تورط فيه هو الآخر، ولا تزال يداه تقطران بدماء الأبرياء في بلاد المسلمين. أما من حيث استهدافه من قبل أمريكا، فإن وجود بضعة "ذئاب منفردة" على الأراضي الروسية اليوم، لا يقارن بمشاركة آلاف المقاتلين في إسقاط الاتحاد السوفياتي بدعم وإسناد مخابراتي أمريكي، ولذلك فإن البعرة تدل على البعير.

ولذلك يمكننا القول بأن بوتين الذي كان بالأمس شريكا لأمريكا في صناعة (الإرهاب)، قد وجد نفسه على موعد مع خازوق أمريكي يكتوي فيه بنار إجرامها وإرهابها، وهي التي أغرقته في مستنقع أوكرانيا واستماتت في تركيعه، وهذا هو سبب رفضه للرواية الأمريكية الرسمية.

ختاما، فإن الإسلام قد اتخذته أمريكا عدوا لها بعد زوال الشيوعية، ولذلك هي ماضية في تشويه الإسلام من خلال مزيد صناعة الإرهاب ونسبه إلى المسلمين من جهة، وفرض تطبيق قانون الإرهاب على الجميع من جهة أخرى، تعينها في ذلك دول الشرق والغرب على حد سواء، في زمن استفاقت فيه الشعوب على حقيقة السقوط القيمي والانحدار الحضاري والنفاق السياسي للنظام العالمي بصيغته الحالية.

ومع ذلك نجد أن روسيا قد أصرت على رفض الرواية الأمريكية حين أصبحت ضحية لهذا الإرهاب، في الوقت الذي تحمل فيه الأنظمة في بلاد المسلمين لواء محاربة الإرهاب على المذهب الأمريكي، ولا يجرؤ أحد من حكامها على رفض روايات ومقاربات وتحالفات أمريكا حين يتعلق الأمر بـ(الحرب على الإرهاب)، رغم ضبابية التعريف، بل رغم كونها الراعية الأولى للإرهاب عالميا، فهي من يضخم الإرهاب ولو كان المستهدف مجرم حرب، وهي أكبر متستر عليه ولو أبيدت شعوب بأكملها، وما حدث من قتل وتدمير وتهجير في بلاد الشام وغزة هاشم عنا ببعيد، ومع ذلك لم يشبع حقد أمريكا من دماء المسلمين، بل لا تزال تضخ الأموال والمساعدات العسكرية لكيان يهود المحتل الغاصب الذي لم يعرف تاريخ البشرية مثيلا لإرهابه وإجرامه ووحشيته ودمويته، ولذلك لن يوقف غيّها ويردعها سوى كيان تنفيذي يعيد صياغة المفاهيم وقلب الموازين لصالح الإسلام والمسلمين، بدولة على منهج سيد الأنبياء والمرسلين، خلافة راشدة على منهاج النبوة تنقذ البشرية من إرهاب الرأسمالية وزعمائها الإرهابيين وتنسيهم وساوس الشياطين.

قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس وسام الأطرش – ولاية تونس

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر