الإشارات السياسية في فتح القسطنطينية
January 16, 2020

الإشارات السياسية في فتح القسطنطينية

الإشارات السياسية في فتح القسطنطينية

فتحت القسطنطينية على يد القائد السياسي البطل محمد الفاتح ابن مراد الثاني رحمه الله وذلك في 20 جمادى الأولى سنة 857هـ الموافق ليوم الثلاثاء 29 أيار/مايو 1453 ميلادي. ولعل المواقف السياسية التي سجلتها هذه الحادثة تكون نبراسا للمسترشدين من المسلمين بصفة عامة ومن حملة الدعوة بصفة خاصة وهم يخوضون غمار العمل السياسي.

الإشارة الأولى: القيادة السياسية هي صاحبة القرار في إعلان الحرب والسلم

نعم، صاحب السلطان هو صاحب القرار النهائي في إعلان الحرب والسلم، ولذلك لما أعلن السلطان محمد الفاتح عزمه على توجيه الجيوش لفتح القسطنطينية، فإنه قام بتسخير جميع طاقات الدولة لإنجاح هذا القرار السياسي، وأول ما بدأ به هو التقليل من النفقات الحكومية ورفع سقف الإنفاق العسكري. ومقارنة بدول الضرار اليوم، فإن الذي يتخذ قرار الحرب والسلم هو الدول الاستعمارية في دوائرها السياسية الضيقة، وما الحكام العملاء إلا واجهة أو بالأحرى البوق الذي يتم من خلاله إعلان حالة الطوارئ ودخول حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، وهو ما حصل قديما ويحصل اليوم، وهاك ما يحصل من الجيش التركي في سوريا وليبيا وما يحصل من جيوش المسلمين أيضا في اليمن وغيرها، حتى صارت جميع الأنظمة تقريبا تعيش حالة الطوارئ!

ولذلك ظل الاستعمار الصليبي على مر القرون يحارب القاعدة الشرعية التي تقول "رأي الإمام يرفع الخلاف" وقاعدة "أمر السلطان نافذ" وهي من القواعد الشرعية المتعلقة بالأحكام السلطانية التي جرى تغييبها من ثقافة المسلمين ومناهجهم التعليمية بشكل متعمد بعد هدم الخلافة لإظهار الإسلام دينا كهنوتيا من جهة، وضرب أهم عوامل وحدة المسلمين حول قيادتهم من جهة أخرى، ليبقى الخلاف قائما داخل المسلمين أفرادا وجماعات لا يأتمرون لأمير فاتح ولا لقائد ملهم.

الإشارة الثانية: توجيه الطاقات المعرفية لخدمة المبدأ

لقد استعان محمد الفاتح بالخبير الصناعي "أوربان المجريّ" لصناعة ذاك المدفع الذي يقدر على اختراق حصون العدو الروماني وأعطاه من المال ما يستحق وأوجد له من المواد الأولية ما يلزم لإنجاز هذا المشروع الضخم، كما وفر له ميدانا للقيام بالتجارب العسكرية بعيدا عن أنظار العدو. وهنا نقف طويلا عند هذا الإجراء حيث بغياب الإرادة السياسية التي ترعى الشؤون العسكرية للأمة الإسلامية فإن الأمة تفقد قدرتها على التأثير في الساحة الدولية عند خوضها للحروب، ودليل ذلك أن الأمة الإسلامية اليوم تملك من الطاقات الفكرية الشيء الكثير، ولكن الرويبضات يتركونهم فرائس سهلة تلتهمهم مصانع وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" أو الشركات الرأسمالية العملاقة كمايكروسوفت وشركة آبل، فضلا عمن لحقتهم يد الغدر الصهيونية الآثمة مثل المهندس التونسي محمد الزواري والمهندس الفلسطيني فادي البطش رحمهما الله تعالى.

أما عن توفير المواد الأولية فإن خيبة هؤلاء الحكام أكبر من أن تحصى أو تُعَدّ، بل إن دول الضرار لا همّ لها إلا توفير المواد الأولية لفائدة الدول الاستعمارية فقط ومن ثم تشتريها بأضعاف أسعارها، وليس ذلك إلا للمحافظة على التفوق الغربي في مجال الطاقة والتصنيع، وما إسناد رخص التنقيب عن النفط في بلاد المسلمين بخافٍ عن أحد.

أما عن التجارب العسكرية فإن العملاء من الحكام وبطانتهم من الطبقة السياسية الخبيثة قد جعلوا بلاد المسلمين مسرحا للتجارب النووية والنفايات النووية، وتجارب فرنسا بالجنوب الجزائري ماثلة للعيان ومخلفاتها النووية انطلقت من الجزائر ولم تتوقف بتونس بشهادة الخبراء المحليين والدوليين.

ومن جهة أخرى فإن إخفاء المعلومات العسكرية عن العدو الحقيقي ليس أمرا ذا بال عند الرويبضات من الحكام اليوم، فيكفي أن ينزعج سيدهم الأمريكي حتى تقدم إيران مثلا تقريرا مفصلا عن أنشطتها النووية وأنها بغرض السلم فقط. أما المناورات العسكرية المشتركة بين الدول الاستعمارية والدول الكرتونية فإنها على قدم وساق، وشتان بين القائد الأعلى للقوات المسلحة الذي يعلي راية الجهاد لإعلاء كلمة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" وكسر شوكة العدو الكافر المستعمر، وبين القائد الأعلى للقوات المسلحة في دول الضرار الذي يسخّر العساكر لقتل القضية السورية أو لحماية حدود استعمارية أو قد يكون عسسا للثروة البترولية، المهم ألاّ يكون ناصرا للقضية المصيرية.

الإشارة الثالثة: أهمية الأعمال السياسية في السياسة الخارجية للدولة

لقد كانت الأعمال السياسية التي قام بها محمد الفاتح في غاية الدقة، ولعلها إلى جانب الأعمال العسكرية هي التي أنجحت الحملة كاملة، وحققت النصر المبين الذي أذن الله به، فقد قام القائد الشاب بعزل القسطنطينية عن محيطها السياسي، وذلك من خلال عزلها بالمعاهدات، حيث عمل الفاتح قبل هجومه على القسطنطينية على عقد معاهدات مع أعدائه المختلفين ليتفرغ لعدو واحد، فعقد معاهدة مع إمارة غلطة المجاورة للقسطنطينية من الشرق ويفصل بينهما مضيق القرن الذهبي، كما عقد معاهدات مع جنوة والبندقية وهما من الإمارات الأوروبية المجاورة مما جعلها تفقد خطوط الإمداد السياسي والمادي كالمؤنة والسلاح الذي قد يفضي إلى قلب المعادلة وترجيح الكفة لصالح القسطنطينية، وهذه الأعمال من الأمور الهينة التي يمكن القيام بها اليوم، وخاصة حين قيام الدولة الإسلامية المرتقبة، دولة الخلافة الراشدة، فالدول الغربية لا يهمها إلا مصالحها ومصالح شعوبها وقد يتفتت الاتحاد الأوروبي بين عشية وضحاها إذا رأى القائمون على سياسته الخارجية أن المصالحة مع دولة الخلافة أسلم، بل إن المشاهدات السياسية اليومية تري كم أن الاتحاد الأوروبي متفكك أصلا، أضف إلى هذا أن أوروبا وأمريكا على خلاف سياسي دائم، بل هم في صراع محموم على الممرات المائية الدولية مثلا، ويكفينا قرار سياسي واحد من خليفة قوي الشكيمة سديد الرأي أن يجعل هذه القوى الغربية تجري في فلك مصالح الدولة الإسلامية.

الإشارة الرابعة: العلماء الربانيون يصنعون رجال الدولة ويحفزون العسكر للشهادة في سبيل الله

لقد كان الشيخان أحمد بن إسماعيل الكوراني وآق شمس الدين سنقر هما أساس الثقافة الإسلامية التي أثرت في شخصية القائد الشاب محمد الفاتح، فقد كانا يحفزان هذا الشاب بالعقيدة الإسلامية ويزرعان في تفكيره مسألة الإيمان بالغيب.

وقد كان الشيخ آق شمس الدين يحمل هذا الفتى محمد إلى مضيق البوسفور ويغرس في نفسه الاتصال ما بين الماضي والحاضر، فيقول له لقد بنى جدك هذه القلعة، أي قلعة الأناضول، لفتح القسطنطينية، ويشير إلى جهة القسطنطينية، فيقول هناك توفي الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، أي أن العالم الجليل كان يعلمه أمرين:

 الأمر الأول: أن الحلول للمشاكل اليومية هي بالضرورة أحكام شرعية لا تنفصل عن العقيدة الإسلامية وإنما تنبثق عنها، وأنه لا صراع بين الماضي والحاضر عند المسلمين، كما هو الأمر عند الحداثيين الذين يرون الماضي الإسلامي تخلفا ورجعية والحاضر الغربي بكل قمامته تقدما وتطورا! أو كما هو عند دعاة الإسلام المهجّن على الطريقة الغربية حين فصلوا الدين عن الحياة بدعوى أنه لا توجد بين الدعوي والسياسي نقاط التقاء.

أما الأمر الثاني: فإنه حين أشار إلى أن أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه قد مات وهو يحاول فتح القسطنطينية، فإن الأصل أن يكون ذلك دافعا للمخلصين لمحاولة تحقيق بشارة الفتح من جديد والفوز في الدارين، حتى وإن لم يتحقق الفتح لمن قبله وإن كان عثمان بن عفان رضي الله عنه، فإن هذا لا يتعلق بالأشخاص ولا يشكك في بشرى سيد الأنبياء والمرسلين، وإنما النصر من عند الله وحده عز وجل، وهذا الإيمان بالنصر، يجب أن يكون إيمانا جازما راسخا لا يتزعزع، حتى يحق لمن يرفع لواء الجهاد أن يأمل على الله نصرا، وهذا هو الدرس الذي وعاه جيدا محمد الفاتح رحمه الله.

من ناحية أخرى، كان العلماء الربانيون قبل فتح القسطنطينية وأثناء حصار هذه المدينة بين الجيش وفيهم بالتوجيه والمساندة وبث روح القتال فيهم، يرغبونهم في الجهاد ذروة سنام الإسلام، وضرورة استشراف حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي جاء فيه «...وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ»، ونفهم من هذا الأمر، أن الجيش والقوات الحاملة للسلاح لم تكن مفصولة عن العقيدة الإسلامية كما هو الحال في بلاد المسلمين اليوم وخاصة بعد دخول المستعمرين، حيث عزل أهل القوة والمنعة في حياة خاصة بهم لا يقربها أحد، فمساكنهم معزولة ومدارس أبنائهم كذلك ولا يسمح لهم بالمشاركة في الحياة السياسية انتخابا وترشيحا، حتى الصلاة والمحافظة عليها تعتبر في عرف الحكام المجرمين سببا لعدم الترقية في الدرجات الوظيفية وهي علامة خطيرة تجعل ذاك العسكري في دائرة الريب لدى من بيده القرار!

وهذا ما يفسر حنق وكلاء الغرب على دعوة حزب التحرير حين يستنصر الجيوش لقلع الأنظمة الفاسدة والقائمين عليها وطرد الاستعمار والمستعمرين. لأنه يخشى أن تجد هذه الدعوة المباركة طريقها إلى المخلصين من أهل القوة والمنعة، فيقبلوا على التغيير الجاد وقلع الأنظمة الفاسدة وإقامة دولة الإسلام على أنقاضها، فتستعيد الأمة سلطانها المغتصب وتحرر الأقصى المبارك من أيدي اليهود الغاصبين وترص الصفوف.

هذه بعض الإشارات السياسية التي اكتنزها حدث فتح القسطنطينية، وهو حدث تاريخي عظيم بجميع المقاييس، في سلسلة الأحداث التاريخية التي يزخر بها مجد المسلمين، حين كان القرار السياسي بيد الأمة الإسلامية يشرف عليه الكيان التنفيذي المتمثل في الدولة الإسلامية، فيدك عروش القوى الكافرة ويقتحم صرة العالم الأوروبي آنذاك فيدخلها فاتحا مكبرا رافعا راية التوحيد لتظهر على الرايات الصليبية كلها، كما سيحصل غدا بإذن الله تعالى عن طريق دولة الخلافة المرتقبة بإذن الله، وإن غدا لناظره قريب.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمد السحباني – ولاية تونس 

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر