الإسلام منهج حياة
March 03, 2021

الإسلام منهج حياة

الإسلام منهج حياة


منذ أن أسقطت دولة المسلمين؛ الخلافة قبل مائة عام بالتمام والكمال، عاش المسلمون عهداً مظلماً، جراء تسلط النظام الرأسمالي على مفاصل الحكم في بلاد المسلمين، وذاق الناس الويلات، فتفشى الجوع، وزادت معدلات الفقر، وتفشت القبلية، والجهوية، وسال شلال الدم بين أبناء الأمة الواحدة، ونهبت الثروات، والخيرات، وعاش أبناء الأمة داخل حظائر سميت بـ(الدول)، ومع انكشاف عوار النظام الرأسمالي، وباتت مسألة سقوطه مسألة وقت ليس إلا، صار السؤال الأبرز قائماً، هل ثمة مخرج من عنق زجاجة النظام الرأسمالي؟ الإجابة عن هذا السؤال، لا تحتاج منا جهداً جهيداً، لأن المشاريع المطروحة على الساحة اليوم، لا مخلّص فيها إلا اتجاه واحد لا ثاني له، وهو نظام الإسلام؛ الذي يسعى أهله، وفي مقدمة الركب حزب التحرير الرائد الذي لا يكذب أهله، الذي نذر نفسه، وقدم ولا يزال يقدم التضحيات الجسام، وظل يعمل بأقصى طاقة ممكنة من أجل استئناف الحياة الإسلامية؛ بإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، ومن هنا كان لزاماً علينا عرض بعض من المعالجات التي جاءت بها العقيدة الإسلامية، ومدى توافقها وتلاؤمها مع فطرة الإنسان، وارتياح النفس البشرية عند تطبيقها لهذه الأحكام، لأنها بكل بساطة منزلة لتيسير حياة الناس وحل مشاكلهم. إذاً من هنا نقول: إنه لا يجوز للمسلم أن يأخذ من غير الإسلام في معالجة مشاكله، هذا الإسلام الذي يحوي نظاماً متكاملاً، ومن ضمنه النظام الاقتصادي في الإسلام، المنبثق عن العقيدة الإسلامية.


نظرة الإسلام إلى الاقتصاد


تختلف نظرة الإسلام إلى مادة الثروة، عن نظرته إلى الانتفاع بها، وعنده أن الوسائل التي تعطي المنفعة شيء، وحيازة المنفعة شيء آخر. فنجد أن الإسلام حرم الانتفاع ببعض الأموال؛ كالخمر، والميتة، ومن جهد الإنسان؛ كالرقص. أما من حيث الإنتاج، فرغّب في العمل، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾.


سياسة الإسلام في الاقتصاد


سياسة الاقتصاد في الإسلام؛ هي الهدف الذي ترمي إليه الأحكام الشرعية، التي تعالج تدبير أمور الإنسان؛ وهي ضمان تحقيق الإشباع لجميع الحاجات الأساسية، لكل فرد، إشباعاً كلياً، وتمكينه من إشباع الحاجات الكمالية، بقدر ما يستطيع، باعتبار أنه يعيش في مجتمع له طراز خاص في العيش. الإسلام في الوقت الذي يشرع أحكام الاقتصاد للإنسان، يجعل التشريع موجهاً للفرد، وفي الوقت الذي يعمل لضمان حق العيش، والتمكين من الرفاهية، فهو ينظر إلى ما يجب أن يكون عليه المجتمع، والإسلام قد حدد أسباباً لامتلاك المال؛ وهي العمل والإرث، كذلك من أسباب التملك؛ الحاجة للمال لأجل الحياة، وذلك أن العيش حق لكل إنسان، فيجب أن ينال هذا العيش حقاً لا منحة، ولا عطفاً، فإذا تعذر عليه العمل كان على الدولة أن تهيئه له، لأنها الراعي لهذه الرعية، والمسؤولة عن توفير حاجاتها، قال عليه الصلاة والسلام: «فَالْإِمَامُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»، أيضاً من أسباب التملك إعطاء الدولة من أموالها للرعية، فقد أعطى عمر بن الخطاب من بيت المال للفلاحين في العراق أموالاً، أعانهم بها على زراعة أرضهم، وسد بها حاجتهم دون أن يستردها منهم، والإسلام قد حدد الملكيات، وقسمها إلى: 1- ملكية فردية 2- ملكية دولة 3- ملكية عامة. وحدد لكل واحدة من هذه الملكيات أحكاماً شرعية، ولذلك لا يجوز تحويل الملكية العامة إلى خاصة، أو ما يسمى في هذا الزمان بـالخصخصة.


وبيت المال هو الجهة التي تختص بكل دخل أو خرج لما يستحقه المسلمون، ووارداته حددها الشرع، والدائمية هي الفيء، والغنائم، والأنفال، والخراج والجزية، وواردات الملكية العامة، وواردات أملاك الدولة، والعشور، وخمس الركاز، والمعادن، وأموال الزكاة وغيرها. والنقود في دولة الإسلام حددها النبي ﷺ بالذهب والفضة، فهي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد.


هذه الأحكام ستعمل على الثبات في أسعار السلع، بخلاف الأنظمة الترقيعية المطبقة اليوم، والتي تتلاعب بها الدول الاستعمارية، وتنهب من خلالها خيرات وثروات الشعوب.


هذه ملامح فقط من النظام الاقتصادي في الإسلام، ومن أراد أن يستزيد فعليه بالاطلاع على الثروة الفكرية التي تبناها حزب التحرير، وضمنها في كتبه ونشراته، فهي موجودة في مواقع الحزب المختلفة.


وليس هذا فحسب، فحزب التحرير قائد مشروع الأمة، وهو الرائد الذي لا يكذب أهله، فقد أعد العدة، وهو جاهز بقيادة أميره العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة، وشبابه المنتشرين في بقاع العالم، يخوض المعارك الفكرية ضد أفكار الغرب ومفاهيمه، وكفاحاً سياسياً مع الأنظمة القائمة في بلاد المسلمين، وحكامها النواطير، ومع ذلك يتبنى قضايا الأمة المختلفة، لأنها من صميم عمل الحزب، وقد استنبط مشروع دستور لدولة الخلافة، من 191 مادة، بقوة الدليل من الآيات الكريمة، وصحيح أحاديث النبي ﷺ.


وبالرجوع إلى سيرة المصطفى ﷺ، وكيف أقام الدولة، وبنى رجال دولة على أساس الإسلام، نجد أنه كان يدعو الناس في المحافل، وأماكن وجودهم، وفي الأسواق، ومواسم الحج، من قوافل القبائل العربية، وغيرها، وكان عليه الصلاة والسلام يعمل بكل جهد، فمن آمن وقبل بالإسلام ضمه إلى الكتلة، وأرسله إلى دار الأرقم بن أبي الأرقم؛ التي كانت مقراً (للحلقة)، ومدارسة الإسلام، وهذه الحلقة قد خرّجت أفذاذ الرجال الرجال، منهم قائد الجيش، ومنهم القاضي، الذي يفصل في الخصومات، ومنهم ومنهم، والإسلام لا بد أن يُدرّس في حلقات مركزة، وحزب التحرير يدرس شبابه وكل من انضم إلى صفوفه يضمه إلى حلقاته، للتزود بالثقافة الإسلامية، لإعداد رجال الخلافة القادمة.


وكذلك يقوم الحزب ببث الوعي العام لجماهير الأمة في منابر الجمعة، والمحاضرات، والمخاطبات في الأسواق، والمنتديات، والندوات، والمؤتمرات، والحزب قد تبنى طريقة المصطفى عليه الصلاة والسلام في إقامة الدولة؛ وهي مراحل سار عليها النبي ﷺ، لبناء صرح الإسلام العظيم، ومنها ما ذكرنا سابقاً وهي:


1- إيجاد الجماعة؛ الكتلة المؤمنة بالفكرة. حيث كان الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، النواة الأولى للدولة العظمى، التي امتدت ثلاثة عشر قرناً من الزمان.


2- إيجاد الرأي العام للإسلام المنبثق عن الوعي العام ومعالجاته. وما أحوج العالم اليوم لنظام عالمي صحيح، يعيد التوازن للاختلال الذي أحدثه النظام الرأسمالي.


٣- طلب النصرة، واستلام السلطة.


هذه هي الطريقة الوحيدة الشرعية لاستلام الحكم، وأي طريقة سواها لن تأتي بثمار الخلافة، فالنبي ﷺ لم يورث على الحكم أحداً، ولم يستخدم قوة قبل قيام الدولة عندما ردت عليه قبيلة عامر بن صعصعة بأن ينصروه، ويكون لهم الأمر من بعده، وهو آنذاك في أشد الحاجة إلى النصرة، ومع ذلك رفض وقال: «الْأَمْرُ إِلَى اللَّهِ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ».


وعندما أراد الصحابة الدفاع عن أنفسهم بالسلاح قال لهم «لَمْ نُؤْمَرْ بَعْدُ»، فهي دلالات صريحة بأن للإسلام طريقة واحدة لاستلام الحكم؛ وهي طلب النصرة، وهي التي أعطيت للرسول ﷺ، من وفد الأوس والخزرج، والبيعة التي تمت في العقبة، وانتقل بموجبها المسلمون إلى مرحلة التمكين، والتطبيق الفعلي للإسلام، والذي أحدث دوياً قوياً في شبه الجزيرة العربية، بل والكرة الأرضية بأجمعها، لما أحدثه من تغيير جذري انقلابي، وصارت القبائل العربية المعادية له ترتعب وترتعش من سماع اسم الإسلام. نعم هذا هو التغيير الذي يسعى له حزب التحرير، ويعمل ليل نهار ويدعو الأمة الإسلامية لتسير معه لإقامة الخلافة؛ التي بشر بها النبي ﷺ، فقال: «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةٍ»، وعلى الأمة أن تأخذ بزمام المبادرة لإرجاع سلطانها المسلوب، وعليها مبايعة خليفة فوراً ليعود الخير، وينتشر العدل، ويعز الإسلام والمسلمون. ومن هنا نطلق صرخة مدوية أن أجيبوا داعي الإسلام لإقامة الصرح العظيم؛ الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي أظل زمانها، أجيبوا يا أحفاد صلاح الدين وصحبه، أجيبوا يا خير أمة أخرجت للناس. ها هي السفينة كادت أن تصل، كفانا مائة عام بلا دولة الخلافة.

أقيموها أيها المسلمون.


#أقيموا_الخلافة
#ReturnTheKhilafah
#YenidenHilafet
#خلافت_کو_قائم_کرو

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
الأستاذ عبد السلام إسحاق
عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر