الإسلام يُخرج البشريّة من الظّلمات إلى النّور، والرّأسماليّة تعيدها إليها
May 13, 2019

الإسلام يُخرج البشريّة من الظّلمات إلى النّور، والرّأسماليّة تعيدها إليها

 

الإسلام يُخرج البشريّة من الظّلمات إلى النّور، والرّأسماليّة تعيدها إليها

يقول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.

في هذه الآية الكريمة وصف واضح لكيفيّة الخروج من الظّلمات إلى النّور، من ظلمات الشّرك والمعاصي والبدع، إلى نور الإيمان والحقّ عبر اتّباع أوامر الله ونواهيه ليكون الخالق جلّ وعلا وليّ المؤمنين وناصرهم ومعينهم وموفّقهم. وكما تكون الظّلمات حاجبة للأبصار عن إدراك الأشياء وإثباتها، كذلك الكفر يحجب إبصار القلوب عن إدراك حقائق الإيمان والعلم بصحّته وصحّة أسبابه.

كما تعرض الآية الكريمة الوجه الآخر من الصّورة وهو إخراج المؤمنين من النّور الذي وصلوا إليه وإعادتهم إلى الظّلمات التي أخرجهم الإسلام منها، أي كفرهم من جديد والعياذ بالله أو بعدهم عن الإسلام بعدم الاحتكام إليه أو إدخال المفاهيم الرأسماليّة إلى مجتمعاتنا وجعل المسلمين يأخذونها على أنّها من الإسلام، وكلّ ذلك باتّباع أوامر الكفّار وتعاليمهم واتّخاذهم أولياء فيخرجوهم من نور الحقّ إلى ظلمات الجهل والفسق.

فطرق الضّلال متعدّدة بيّنها سبحانه وتعالى؛ فجعل الظّلمات جمعا والنّور مفرداً لتكون طريق الحقّ واحدة ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ. أحدث هذا النّور - الذي جاء به جميع الأنبياء والرّسل لأقوامهم - انقلابا في طريقة التّفكير والعيش، والإسلام قلب حياة قريش والعالمين وأحدث ثورة فيها فأصبح المسلمون قادة العالم بعد أن كانوا ضعفاء أذلّاء، وحملت الأمّة هذا الدّين أكثر من ثلاثة عشر قرنا، انتشرت فيها جيوش الدّولة الإسلاميّة شرقا وغربا وأزالت العوائق والحواجز المادّية ليعمّ هذا الخير بين الأمم الأخرى ففتحت البلاد ونشرت النّور والعدل بين العباد... أزالت الممالك والعروش وصهرت البلاد والشعوب في جسمها فصارت جزءا منها لا يتجزّأ وانتزعتها من أنياب الغرب الذي كان يفترسها ويلتهم خيراتها.

واليوم وبعد تخلّي المسلمين عن دينهم كمنهاج حياة ونظام عيش متكامل وارتضائهم نظام الكفر يحكمهم فقد أخرجتهم الرأسماليّة التي حكمتهم بالحديد والنّار منذ هدم الخلافة، من النّور الذي عاشوه في ظلّ الحكم الإسلاميّ وأعادتهم إلى ظلمات الحكم الكافر، واستغلّت خيراتهم وسلبت ثرواتهم واحتلّتهم بحجّة حماية مصالحهم! فواقع البشريّة اليوم شبيه بواقع قريش قبل الإسلام.

فقد غزا الانحراف معظم أخلاقهم وسادت المنكرات والقبائح لفساد عقيدتهم وأفكارهم ومشاعرهم وبسبب أنظمة الكفر التي كانوا يحكمون بها، واليوم تجرّأ الكثيرون على حدود الله وحاربوها ونشروا أفكار الكفر وضيّعها آخرون لجهلهم ولغياب الحاكم العدل الذي يحكم بالإسلام.

عُرف الناس في الجاهليّة بعبادتهم للأصنام ووضع الأنصاب للذّبائح وبتقديسهم للقادة وتصديقهم للخرافات والخزعبلات. فكانوا يسلّمون أمورهم لغير العاقل من طير وما شاكل! ولما جاء الإسلام، أخرجهم من ظلمات الكفر هذه ليرقى بهم من عبادة البشر والحجر إلى عبادة ربّ البشر وحده لا شريك له والولاء المطلق له والانقياد التامّ له فأصبحوا حينها خير أمّة أخرجت للنّاس.

واليوم، ومع أنّنا قد نرى ظاهرة الإلحاد في مجتمعاتنا إلا أنّ فكر العلمانيّة - فصل الدّين عن الحياة - قد انتشرت بكثافة وحُصرت العبوديّة في العلاقة الفرديّة مع الله دون إيجادها وإقرارها في باقي شؤون الحياة من العلاقات والمعاملات مع الآخرين وأنظمة الحكم كافّة. وهذا طبعا نتاج للضّعف الفكريّ الشديد الذي طرأ على الأمّة في أواخر الدولة العثمانيّة والذي أدّى إلى إسقاط الخلافة.

فلم تعد مفاهيم الرزق والشفاء والنّصر والولاء خالصة لله عزّ وجلّ بل وأشركت معه المنفعة والمصلحة ودرء المفاسد... وهذه هي إحدى ظلمات الرأسماليّة التي أعادت الأمّة إليها فسلّمت العقول لبعض رجال الدّين المرتهنين للحكّام المنفّذين للأجندة الغربيّة الكافرة وتقبّلت الأفكار الدّخيلة على الإسلام بلبوس إسلاميّ كالحريّات الأربع، والإسلام المعتدل، وتقبّل الرأي الآخر، والديمقراطيّة من الإسلام، وغيرها كثير من الملوّثات الفكريّة التي أخّرت قرار الأمّة عزل حكّامها وأنظمتهم الكافرة، ورغم أنّ الناس ثاروا على حكّامهم بسبب الظّلم والقمع والفساد إلّا أنّهم لم يتبنّوا المشروع الإسلاميّ الصّحيح دون نقصان أو تبديل أو تأجيل. وحتماً لا تكتمل نهضة المسلمين إلاّ بقلع الأنظمة العميلة الكافرة واستبدال حكم الإسلام بها، يطبّق حدود الله كاملة ويمنع ما يُفسد أفكار المسلمين ويلوّثها.

انتشرت في الجاهليّة ما قبل الإسلام، كذلك، فكرة العصبيّة القبليّة والاقتتال والاعتداء على حرمات الآخرين بالنّهب والسّلب، واليوم وبعد تقسيمات سايكس بيكو لبلاد المسلمين ظهر شكل آخر لهذه العصبيّة؛ فهذا أردني وذاك عراقي والآخر لبناني... يقتتلون على الأرزاق في البلد ذاته بحجّة أنّ أحدهم دخيل على أرض الآخر! كما انتشر الرّبا في قريش وكان الاقتصاد قائما على ذلك، ورغم اعتقاد المسلمين بحرمة الرّبا والتّعامل به إلاّ أنّ انتشار الرأسماليّة التي يعيشون في ظلّ أحكامها فرضت عليهم فرضاً التعامل بالرّبا في المصارف وجميع المعاملات والعقود، بل إن منهم من يعتبر التّعامل بها اضطراريّا أو حتّى مصلحة! هذا وانتشرت في مجتمع الجاهليّة الخمّارات ونتج عنها تفشّي الفواحش والرّذائل، واليوم وبغياب الخلافة، أعيد نشر هذه الدّور في كثير من بلاد المسلمين ممّا أثّر سلبا على عقول الكثير من شباب المسلمين وسلوكهم خاصّة وقد تفاقمت البطالة والمشاكل الاقتصاديّة التي لا يرون مفرّا منها إلّا باللّجوء إلى أماكن اللّهو هذه، ناهيك عن الضخّ الإعلاميّ الكبير لتسويق هذه العادات الفاسدة في المسلسلات والأفلام والبرامج الترفيهيّة وكأنّ الخمر والميسر والفحش والاختلاط من جنس عقيدة المسلم وعاداته!

ومن الأفكار المنحرفة في مجتمع قريش قبل الإسلام النظرة الدونيّة للمرأة آنذاك واعتبارها جسدا ومتعة فقط. فكانت المرأة تتبرّج وتخرج شبه عارية وانتشرت أنكحة كثيرة لا تختلف عن الدّعارة اليوم، كنكاح الاستبضاع بأن يرسل الرجل زوجته لرجل آخر من كبار القوم لكي تأتي بولد منه يتّصف بصفات ذلك الكبير في قومه!! ونكاح الرّهط وهو اشتراك مجموعة من الرّجال بالدّخول على امرأة واحدة ثم إعطاؤها حقّ الولد تلحقه بمن شاءت منهم! ونكاح ذوات الرّايات، وهنّ البغايا، فتنصب على أبوابهنّ رايات ليُعلم أنهنّ لا يمتنعن ممّن جاءهنّ. وقد انتشرت هذه الأنكحة اليوم بشكل أو بآخر في بلاد الغرب الكافر ويسوّق لها في بلاد المسلمين على أنّها حريّات ويسوّق للشّذوذ الجنسيّ (اللّواط والسّحاق) على أنّه حريّة شخصيّة! نظر الغرب قديما للمرأة على أنّها حيوان أو شرّ واليوم ينظر إليها جسدا ومتعة ويدا عاملة رخيصة..

جاء الإسلام فخلّص البشريّة من هذه الظّلمات كلّها وأعلى من مكانة المرأة فجعلها ترث وتقضي بين النّاس وتحمل الدّعوة وتبايع الحاكم وتحاسبه وتأخذ حقوقها كاملة من زوجها، وضَمن لها عدم استغلال أنوثتها في العمل أو غيره، فلم يفرض عليها العمل بل فرض لها النفقة في كلّ مراحل حياتها. ورفع من شأن المرأة في الحياة إذ أوكل إليها أعظم مهمّة وهي تنشئة جيل ملتزم بشرع الله يعيش في أسر متوازنة سعيدة، ليكونوا قادة للعالم، كما جعلها عونا للرّجل وسندا له فهي ليست ندّاً له ولا عدوّه أو منافسته. وقد كلّف الإسلام المرأة والرّجل بالتّكاليف الشرعيّة على السّواء من غير تفاضل بينهما وذلك باقتسام الواجبات والحقوق بالمعروف، مع جعل حق رياسة الزوجيّة للرّجل لأنّه أقدر على النّفقة والحماية. كما جعل الإسلام أموال المرأة خاصّة بها لا يحلّ لأحد الأخذ منها دون إذنها ولو كانت المرأة أغنى من زوجها.

إنّ طريق النّور واحد لا غير، وهو اتّباع أوامر الله ونواهيه كاملةً تامّةً كما ارتضاها الله لنا وكما طبّقها رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم في الدّولة الإسلاميّة الأولى في المدينة المنوّرة وتبعه من بعده الخلفاء الرّاشدون. وإن كانت ظلمات اليوم قد فرضتها علينا أنظمة الكفر المستعمرة لنا (عسكريّا سابقا وثقافيّا وفكريّا) فرضاً، إلّا أنّ نتائج هذه الظّلمات نعيشها كلّ يوم في ضنك العيش ومحاربة أفكارنا وعقيدتنا وقمعنا وتشريدنا وتهجيرنا من بلادنا.

فهم حتماً لا يريدون لنا ولا للبشريّة أن نعيش في النّور الذي جاء به الإسلام لأنّ هذا يعني نهاية رأسماليتّهم ونهبهم وسرقتهم لأموال العالم وخيرات البلاد دون حسيب ورقيب. نقولها - وبكلّ ثقة - لا خيار أمام الأمّة الإسلاميّة لتعود للنّور الذي جاء به رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم إلاّ بالعمل على قلع أنظمة الكفر التي تحكمنا اليوم وإقامة الخلافة الرّاشدة حاميةً لبيضة المسلمين ومطبّقةً لشرع الله وحاملة للإسلام نورا وهدى ورحمة للبشريّة كافّة.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

حنان شعيب

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر