الإستعانة بالكفار إثم كبير وخيانة لله ولرسوله- ج1
October 24, 2010

الإستعانة بالكفار إثم كبير وخيانة لله ولرسوله- ج1

إن في ديننا الإسلامي بعقيدته وأحكامه الشرعية التي طرقت كل جانب من جوانب الحياة، وإن في سيرة رسولنا الكريم وصحابته الكرام، والخلفاء الأفذاذ، وإن في عظمة تاريخ أمتنا ونصاعته، إن في كل هؤلاء لغناء عن استعانتنا بالكفار، فالمستعين عادة يكون غير قادر عن مجابهة الأخطار، إما لقلة إمكاناته، أو لعجزه عن حشد هذه الإمكانات، أو لضعفه مقارنة بقوى أعدائه، أو لرغبته في تسخير غيره توفيرا لإمكاناته. والأمة الإسلامية ليست عاجزة، وليست ضعيفة، وليست قليلة الإمكانات وليست حديثة النعمة، فالأمة الإسلامية قوية في فكرها، قوية برجالاتها، وفيرة إمكاناتها. ولهذا فالمتتبع للتاريخ الإسلامي، يدهش أيما دهشة لفعال بعض المتنفذين منها، في سعيهم للإستعانة بغيرهم، ولعل هذا يرشدنا إلى فظاعة الدعوة التي رفعها بعض المتنفذين من حكامنا ومثقفينا، بفصل الدين عن الحياة. فديننا يمنعنا من الإستعانة بغيرنا، وديننا يمنعنا من تقليد غيرنا، وإنه لمما يدمي القلب أن تسمع بعض المثقفين يصرح علنا، بأنه مستعد لمحالفة الشيطان أو الإستعانة بالشيطان، لتحقيق هدفه، وهم بمقولتهم هذه يجعلون بريطانيا وتشرتشل قدوتهم، فالذي قال هذه العبارة ونستون تشرتشل، وقولته هذه تنسجم مع عقيدته الرأسمالية، التي تفصل الدين عن الحياة، والتي تجعل المنفعة هي مقياس أعمالهم اقتداء بمفكرهم العتيق ميكافيلي الذي يقول بأن الغاية تبرر الوسيلة، فأين هذه المقولة وأين هذا السلوك الذي يسوغ الاستعانة بالكفار أو بالشيطان من قوله صلى الله عليه وسلم : «لا نستضيء بنار المشركين» والاستضاءة بالنار كناية عن الإستعانة، وأين مقولتهم الفظيعة، من رفضه عليه الصلاة والسلام الإستعانة بكتيبة يهود بني قينقاع في غزوة أحد رغم حاجة المسلمين الماسة للعون، لقلة عددهم وضعف قوتهم مقارنة بعدد وقوى قريش، وبالرغم من كون اليهود كفارا يستعين بهم على كفار أو مشركين، ورفض رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستعانة بالكفار على الكفار، تجعلنا من باب أولى ألا نستعين بالكفار على المسلمين فلنعد إلى أحكام ديننا التي تنظم علاقة الإنسان بربه وعلاقة الإنسان بنفسه وعلاقة الإنسان بغيره من بني الإنسان. فالإسلام ليس طقوسا تؤدى، أو عادات وتقاليد بالية، وإنما أحكام الإسلام أنزلت لتسير أمور الحياة للإنسان كإنسان ولهذا سأبين في هذه المحاضرة معنى الاستعانة، وأنواع الإستعانة، والحكم الشرعي للإستعانة كما سأذكر عددا من الأمثلة على إستعانة المسلمين بالكفار ليرى كل ذي عقل فظاعة هذا العمل والكوارث والمصائب والمآسي التي جرتها على أمتنا، كما سأبين المواقف الناصعة لبعض المتنفذين المخلصين من أمتنا ورفضهم الإستعانة بالكفار رغم شدة حاجتهم لذلك، وسأبين أيضا بعض العوامل التي تبرر لهم الاستعانة بالكفار كما يزعمون، كذلك لا بد من بيان واجب إمام المسلمين في إزالة المظالم وآلية إزالة المظالم ليكون هناك إنسجام في الدولة الإسلامية والتي تجعل دوافع الإستعانة بالكفار تكاد تكون معدومة فإليكم:

الإستعانة لغة: هي طلب العون بشتى ألوانه وصوره وقد تكون استعانة فرد بدولة أخرى أو استعانة كتلة بدولة أخرى أو استعانة دولة بدولة أخرى.

 والحكم الشرعي في هذه المسأل واضح كل الوضوح فيحرم على المسلم كفرد الاستعانة بدولة كافرة، وكذلك يحرم على الكتلة في الإسلام أن تستعين بدولة كافرة ويحرم على الدولة الإسلامية الاستعانة بدولة كافرة.

 فاستعانة المسلم الفرد بدولة كافرة حرم لأن دليل: (لا نستضيء بنار المشركين) دليل عام يشمل الفرد والكتلة والدولة، بالإضافة إلى أن الكفار عند دخولهم الدولة الإسلامية يحتاجون لأمان من الإمام، ويحرم على الإمام إعطاء هذا الأمان لأن الشرع حرم أن يلجأ الفرد والكتلة لطلب العون من دولة كافرة، وهذا ينطبق على الدولة الإسلامية فيحرم عليها طلب العون من دولة كافرة للدليل السابق ولرفض رسول الله صلى الله عليه وسلم الاستعانة بالكتيبة الكافرة الحسناء أو الخشناء رغم شدة حاجة المسلمين لذلك. إذن لم يستعن الرسول صلى الله عليه وسلم بالمشركين ككيان على المشركين فمن باب أولى ألا يستعين المسلمون بالكفار على المسلمين.

 أما الاستعانة بالكفار كأفراد فقد تركها الشرع للإمام كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم مع قزمان الذي أذن له بالقتال تحت لواء المسلمين ومنع مقاتلاً مشركاً آخر من القتال مع المسلمين طالباً منه أن يسلم ثم يقاتل مع المسلمين، هؤلاء كانوا مشركين أفراد لا لواء لهم يقاتلون تحت لواء المسلمين. كذلك يجوز للإمام الاستعانة بالأفراد الكفار كأجراء، كذلك إذا جاهد فرد كافر مع المسلمين لا يعطى من الغنائم كما يعطى المسلم وإنما يهبه الإمام أثناء توزيع الغنائم شيئاً دون أن يكون له شرطٌ في القتال مع المسلمين من أجل الغنيمة.

 والتفاصيل بشأن الاستعانة بالكفار توجد في أمهات كتب الفقه عند المسلمين فليرجع إليها من يريد التفاصيل.

أيها السادة: إنه لما يؤسف له أن عددا وافرا ممن أغواهم الشيطان من متنفذي هذه الأمة على طول تاريخ المسلمين قاموا بهذا الفعل الشنيع يوم أن ضعفت الأفهام وقل الوعي وكثر النفاق.

 وكان من حسن حظ أمتنا أن حدثت هذه الإستعانة بعد قرون وقرون من ترسخ قوى الإسلام في الأرض، ولهذا لم تكن المصائب والمآسي والكوارث التي جرتها الإستعانات على الأمة لم تكن تشكل حظراً حقيقياً على محو الإسلام من الأرض رغم محوه من بعض الأقطار كالأندلس مثلاً.

إن من أوائل من استعان بالكفار على المسلمين ابن العلقمي الذي استعان بهولاكو التتري على دولة الخلافة العباسية وقد ترتب على استعانة هذا الخائن بالتتار كوارث وكوارث شابت لها الولدان، ومن هذه الكوارث قضاء التتار على الخلافة العباسية، واحتلال مناطق واسعة من العالم الإسلامي، وإزهاق لأرواح الملايين من المسلمين، وإهلاك للحرث والنسل، وضياع إنتاج فكري هائل كانت تضمه خزائن مكتبات المسلمين في بغداد وغيرها من أمهات المدن الإسلامية.

 فماذا جنى هذا الخائن من فعلته؟ لم يجن إلا غضب الله ورسوله ولعنات المسلمين إلى يوم الدين، بل إن هولاكو سرعان ما قضى عليه شأن كل خائن يخون الله ورسوله وجماعة المسلمين.

 كذلك فإن سير ملوك الطوائف في الأندلس في استعانتهم بفرنجة الأندلس على بعضهم تزكم الأنوف وتدعوا إلى التقزز والأسى، وقد جرت استعانتهم بالفرنجة كوارث ومصائب على المسلمين لم يعرف التاريخ لها مثيلا إلا فعال هولاكو في بغداد، فلقد أدت استعانة ملوك الطوائف الخونة بالكفار إلى زوال حكم الإسلام في الأندلس، واقتلاع الإسلام من جذوره في الأندلس، وإهلاك الحرث والنسل، وإزهاق أرواح الملايين من المسلمين، وإلى فتنة المسلمين عن دينهم، وتنصر الكثيرين منهم، وإلى تعذيب وانتهاك للأعراض وتحريق للمسلمين في بيوت النار، فماذا جنى أولئك الخونة من فعالهم؟ إنهم لم يجنوا إلا غضب الله ورسوله ولعنات المسلمين إلى يوم الدين.

 كذلك كان للسعديين أمراء المغرب فيما بعد تاريخ مخز في الاستعانة بفرنجة الأندلس وأوربا على المسلمين في المغرب، لقد فعل هؤلاء الخونة منكرا عظيماً، وماذا جنوا مقابل ذلك؟ لقد كانوا يقومون باستعانتهم بالكفار طمعاً في حكم ذليل زائل، ولله در الشاعر آنذاك القائل:

أشباه مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد

ولله در والدة أبي عبد الله الصغير حاكم غرناطة الذي كثيرا ما استعان بالفرنجة على عمه، لله درها عندما قرعت ابنها عندما بكى على تسليم غرناطة للفرنجة قائلة:

ابك مثل النساء ملكا مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال

هذا في الأندلس وفي بلاد المغرب، أما بلاد المشرق فبالإضافة لخيانة ابن العلقمي الآنفة الذكر فقد كانت خيانات واستعانة بالكفار على المسلمين كثيرة.

 فقد كانت استعانة بعض الاسر الخائنة في الهند بالإنجليز على إخوانهم المسلمين سببا في نزول كوارث ومآسي للمسلمين في الهند، وقد ترتب عليها ضياع حكم الإسلام في الهند في منتصف القرن التاسع عشر ،وإهلاك للحرث والنسل.

 ولا تزال أسرة فطام حاكم ولاية حيدر آباد وأسرة الأمير عبد الله في كشمير لا تزال هذه الأسر رمزاً للخيانة والنذالة، ولا تزال يتردد الأشعار التي تلعن هؤلاء الخونة في الهند كلها.

 كذلك كان الصفوينون والقاجاريون وأسرة رضا بهلوي في إيران أمثلة سوء على استعانة هؤلاء الخونة بالإنجليز ضد الدولة العثمانية، فقد ترتب على استعانة هؤلاء الخونة بأوروبا على دولة الخلافة توقف الجهاد لفتح أوروبا، بالإضافة إلى إضعاف الدولة العثمانية، وقد أجبرت رفقاً لهم الدولة العثمانية على التحول شرقاً للقضاء على هذه الأخطار، إذ كيف تستطيع دولة الخلافة أن تجاهد في أوروبا وهي تطعن في ظهرها من هؤلاء الخونة.

 كما أن هؤلاء الخونة لم ينالوا إلا خضوعهم أذلة للإنجليز وتمكين الإنجليز من السيطرة على إيران ومناطق خليج البصرة.

 أما أسرة البوسعيدي في عمان فكانت مثالاً للحقارة والنذالة باستعانتها بالإنجليز، وقد ترتب على فعالهم الخبيثة ضياع الدولة العمانية القوية التي كان يمتد سلطانها من شرق جزيرة العرب والمحيط الهني إلى سواحل أفريقيا الشرقية.

 كذلك فقد كان إعطاؤهم موطئ قدم للإنجليز في الخليج عاملا هاما في سيطرة الإنجليز على مياه الخيلج وسواحله وترتب على ذلك تهديد الدولة العثمانية في العراق وجزيرة العرب.

 أما أسرة آل سعود وآل الصباح وآل ثاني وآل خليفة فكانوا جميعاً رمزاً للخيانة والنذالة وكانوا سبة عار على الأمة باستعانتهم بالإنجليز ضد دولتهم، وكانوا مثالاً للعمالة والنذالة في خدمة الإنجليز قاتلهم الله أنى يؤفكون.

أما محمد على باشا وأسرته في مصر ومن أتى بعدهم، فقد كانت استعانتهم بفرنسا تارة ثم ببريطانيا تارة أخرى عملاً فظيعا ترتب عليه إرهاق للدولة العثمانية ثم سقوط هذه الدولة.

 كما ترتب عليه أيضاً خضوع مصر والشام لحكم الكفر وإقامة كيان يهود فيما بعد، بالإضافة إلى تقسيم المسلمين إلى دويلات هزيلة لا تملك من مقومات السيادة شيئاً.

 وكم كان منظر أسرة المرغني في السودان مزرياً وحقيراً عندما رضيت أن تكون إحدى طلائع الجيش الإنجليزي لإحتلال السودان الذي أهلك الحرث والنسل وأذل المسلمين ذلاً عظيماً وقضى على سلطان الإسلام في السودان وبخاصة على سلطان دارفور الإسلامي بقيادة علي بن دينار.

أما الخائن الشريف حسين وأولاده وأسرته فكانوا أعظم خونة وأحقر خونة على طول تاريخ الإسلام كله، فقد اقترفت أيديهم بطلب المعونة من الإنجليز وتوليهم خدمة الإنجليز أثناء الحرب العالمية الأولى أعظم المنكرات، التي سببت القضاء على دولة الخلافة وخضوع بلاد المسلمين للإنجليز والفرنسيين، وإقامة كيان يهود وتقسيم بلاد الملسمين وإبعاد الحكم بالإسلام عن الحكم وعن معترك الحياة.

 ولا تزال هذه الأسر سادرة في عينها ولا تزال تقدم العون لأمريكا مرة ولبريطانيا مرة وليهود مرة ثالثة. ولا تزال هذه الأسرة تقوم بخياناتها جهارا نهارا دون حياء أو خجل، ويكفيهم خيانة ونذالة قول الملك الخائن حسين لقد كان الصلح مع كيان يهود حلم آبائه وأجداده، فليهنئوا بهذا الحلم وليهنئوا بهذا المنكر.

 فأية فظاعة أعظم من هذه الفظاعة؟ وأية خسة ونذالة أعظم من هذه الخسة والنذالة؟

 ولا ننسى في هذا المجال أيضاً خيانة قادة ثورة 23 يوليو الذين كانوا أول نظام حكم يقيم الصلح مع يهود وأول نظام حكم يتخلى عن ديار الإسلام في فلسطين وسيناء ليهود ولا يزال هؤلاء الخونة سادرون في غيهم ولا يزالون يحاولون جر سائر المسلمون وبخاصة أهل فلسطين للصلح مع يهود ولتمكين أمريكيا في العراق وغيرها.

كذلك فإن خونة منظمة التحرير لا يقلون خيانة عن غيرهم باستعانتهم بأمريكا وأوروبا والرباعية والأمم المتحدة، ولا يزالون سادرون في غيهم في تمكين يهود من فلسطين كلها ولا يزالون سادرين في غيهم بالتنازل عن القدس وضياع حقوق المسلمين في فلسطين.

 كذلك فإن خيانة من أتوا على الدبابات الأمريكية التي احتلت أفغانستان في العراق، لا تزال خياناتهم باستعانتهم بأمريكا وبغيرها من دول الكفر تزكم الأنوف.

 ولا يزال قرضاي أفغانستان وأسرة الحكيم في العراق وأسرة الصدر في العراق، ولا يزال أحمد الجلبي وإياد علاوي وطارق الهاشمي وعدنان الباجهجي، لا تزال هذه الشخصيات سادرة في غيها في خدمة أمريكيا وغيرها من دول الكفر.

 كذلك لا تزال هذه الأنظمة المحيطة بالعراق وأفغانستان كحكام باكستان وحكام بلاد الإسلام في أواسط آسيا وحكام إيران من الملالي ودويلات الضرار في الجزيرة العربية، لا تزال كل هذه الدويلات ولا تزال كل هذه الشخصيات سادرة في غيها.

 كذلك فإن أسرة آل سعو ذهبت شوطاً بعيداً في استعانتها بأمريكا وغيرها من دول الكفر ولا تزال أدراج مكاتب ملوك آل سعود مفتوحة لإخراج المشاريع تلو المشاريع التي غرضها تمكين الأمريكان والإنجليز ويهود من إحكام سيطرتهم على بلاد المسلمين بل وقد ذهب آل سعود شوطاً بعيداً في محاولاتهم الخائنة لمحو الإسلام من قلوب وعقول المسلمين في الجزيرة العربية وغيرها من بلاد المسلمين، وذلك من خلال العبث بمناهج التعليم وإفساد عقيدة المسلمين.

ولا ننسى خيانات بعض متنفذي الأكراد والأتراك والعرب، فإية خيانة أفظع من خيانة مصطفى كمال أتاتورك؟ وأية خيانة أعظم من خيانة جمعية الإتحاد والترقي والجمعية العربية الفتاة وجمعية العهد وجمعية تركيا الفتاة؟ وأية خيانة أعظم من خيانة مصطفى البزاني الكردي والأمير الكردي الذي حالف الشيوعيين لإنشاء دويلة مها باد الكردية في إيران والعراق ومناطق شرق تركيا بعد الحرب العالمية الثانية؟

أيها السادة لقد أسهبت في ذكر هؤلاء العملاء وأسرهم ليكونوا عبرة لنا جميعاً ولتعرف الأمة ماذا نال هؤلاء بتعاونهم مع الكفار لم ينالوا كما قلنا إلا غضب الله ورسوله ولعنات المسلمين إلى يوم الدين ومن نال منهم حكما فقد كان صوريا زائفا لم يسمنه ولم يغنه من جوع وإنما حققوا قول الشاعر الأندلسي الذي سبق ذكره.

أبو بكر

 يتبع في حلقة ثانية إن شاء الله

المزيد من القسم سياسة

يا علماء الأزهر: الشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار!!

ذكرت جريدة اليوم السابع في 26/10/2015م، أنها حصلت على نسخة من تقرير مهم لمرصد الأزهر الشريف أكد فيه "أن التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة "جائزة"، ما دامت ليست من قبيل الاستعانة بالمشركين على المسلمين طلبا لخذلان المسلمين، كما ذكر أن من مقاصد الشريعة عمارة الكون ولتحقيقها تمت الاستعانة بهم في نواح عديدة، منها الإدارية والصناعية والكتابية والقتالية وغيرها، واستدل بأن الرسول r استعان حينما هاجر إلى المدينة برجل مشرك ليدله على الطريق، وكان له غلام يهودي يخدمه بالمدينة، ولما قدم إلى المدينة كتب معاهدة بين المسلمين واليهود جاء فيها: (وأن بينهم النصر على من داهم يثرب)، ولما توجه رسول الله إلى مكة عام الحديبية ووصل إلى ذي الحليفة أرسل عينا له من خزاعة يأتيه بخبر قريش، وكان ذلك الرجل مشركا"، ليختم قائلا: "أما التحالف مع غير المسلم في مواجهة جماعة متطرفة تهدد أمن المجتمعات وسلامتها فعلينا هنا أن نفرق بين من يستعين بالمشركين على المسلمين طالبا خذلان المسلمين، قاصدًا هدم دولتهم، هادفًا إلى إضعاف شوكة الإسلام، كارها مبغضا لهذا الدين وأهله، فهذه الحالة نهى عنها ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وبين من يفعل ذلك ردا لعدوان فئة باغية لا يستطيع رد عدوانها وحده، مع احتفاظه بسيادة دين الإسلام في بلده ظاهرا غالبا، فلا مانع له أن يستعين بغير المسلمين تحقيقا لمصالح المسلمين؛ ولضرورة أمن المجتمع وسلامته".

من الواضح جدا أن الوضع في الشام يلقي بظلاله على المنطقة كلها، وأن هناك ترتيباً وتحضيرات لكي تصبح مصر مخلبا من مخالب أمريكا في الشام بإدخالها إلى حلبة الصراع كما فعلت في ليبيا من قبل، كجزء من حلف أمريكا في حربها الصليبية الجديدة بعد أن أوشكت روسيا على الفشل، وحتى لا يغضب أبناء الكنانة لتحرك جيشهم تجاه إخوانهم في الشام، ويكون هناك مبرر لقمع من يظهر الغضب منهم، فلا بد من مبرر قوي وفتوى شرعية لخداع أهل الكنانة وأبنائهم في الجيش حتى لا يؤرقهم فيما بعد تلوث أيديهم بدم إخوانهم في بلاد الشام، وبدلا من أن يصدر مرصد الأزهر وعلماء الكنانة بيانا وفتاوى تحرم تلك التحالفات على أبناء الأمة وتجرم الدخول فيها، وتبين وجوب نصرة أهل الشام وأهل فلسطين وغيرهم ورد كيد أعداء الأمة من أمريكا ويهود والغرب الكافر، أصدر المرصد تقريرا أجاز فيه التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة، ما دامت ليست من قبيل خذلان المسلمين، وكأن قتل المسلمين ليس خذلانا لهم أو أنه قد أصبح أحد مقاصد الشريعة، ولا ندري من أين أتى المرصد بهذه الفتوى وما دليله عليها؟! ولا عن أي شريعة وأي مقاصد يتحدث؛ فمقاصد الشرع تحفظ النفس المسلمة لا تقتلها بتحالف مع عدو الله ورسوله وعدو الأمة، والمعلوم من قول رسول الله r «إنا لا نستضيء بنار المشركين» ورده على المشرك الذي لحق بالجيش «إنا لا نستعين بمشرك»، أما الاستعانة في الأمور الإدارية فلم يرد تحريمها، وهي تختلف جملة وتفصيلا عن الاستعانة في القتال فضلا عن قتال المسلمين، والأصل فيها الإباحة ولا يجوز قياسها على قتال أهل البغي من المسلمين بأي حال من الأحوال، فهي ليست من الأمور الإدارية وإنما هي أحكام شرعية لأفعال الأصل فيها التقيد بأحكام الشرع المستنبطة من أدلتها، وما أتى به النص الصريح هنا في قتال طائفتين من المؤمنين ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه﴾ فالأصل في قتال طائفتين من المؤمنين أن نعمل على الإصلاح بينهما ثم يقاتل المسلمون، والمسلمون فقط دون غيرهم، الفئة الباغية طالما بقيت على بغيها حتى تعود عنه، ولا يجوز لهم أن يستعينوا بكافر على إخوانهم بعدوهم أبدا، فكما في الصحيحين «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وحتى نفصل في الفتوى يجب أن نستعرض واقع الأمة اليوم؛ حيث لا وجود لدولة إسلامية بالمفهوم الشرعي بل كلها بلاد إسلامية يسكنها مسلمون، يحكمها حكام ضرار مغتصبو سلطة وضعهم الغرب الكافر على رؤوس البلاد والعباد لرعاية مصالحه ولقهر الأمة واستعباد شعوبها للغرب الكافر، وكل من حاول الانعتاق من التبعية والتملص من ربقة الغرب يتسلطون عليه بسلاح ثمنه من أموال وأقوات الأمة واصفين كل من حاول الانعتاق بكل أوصاف التطرف والإرهاب والخروج.

وهنا مع هذا الواقع يكون واجب الأمة خلع هؤلاء الحكام وتنصيب خليفة واحد تكون رئاسته عامة لجميع المسلمين ويحصل الحكم ببيعة شرعية صحيحة ويحكم الأمة بالإسلام كاملا شاملا غير منقوص، ويكون له وحده حق تبني الأحكام الشرعية وسنها دستورا وقوانين، بهذا فقط يكون لدينا دولة إسلامية من حقها وحدها قتال البغاة والخارجين، أما هؤلاء الحكام وعلماؤهم وعملاؤهم فهم مغتصبون لسلطان الأمة محاربون لله ورسوله وأوليائه، وهم آخر من يقيم للإسلام وأحكامه وزنا أو احتراما في بلادنا ولا علاقة لهم لا بالشرع ولا بمقاصده، وأول من يدرك ذلك هم العلماء قبل عوام الناس من أهل الكنانة وغيرها، فلا يجوز لهم أن يبرروا ويشرعنوا خياناتهم في تجارة بالإسلام واستغلال واضح لجهل الناس بأحكامه لصالح حكام السوء ومن خلفهم الغرب الكافر عدو الإسلام والمسلمين، والذي يبررون الآن التحالف معه لوأد ثورة الأمة في الشام وغيرها، في محاولة يائسة لمنع عودة الخلافة على منهاج النبوة والتي أصبح نجمها يعلو في الأمة بعمومها والشام خاصة، والتي فضحت العملاء وعلماء السوء وأبت إلا أن تكشف كل متلون مخادع، ولن يبقى ثابتا إلا من يستحقون بحق أن يكونوا كأمثال الصحابة وأن تقام على أكتافهم دولة خلافة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض.

يا علماء الأزهر الكرام وأحفاد العز بن عبد السلام سلطان العلماء، لا تكونوا أكثر الخاسرين فتبيعوا دينكم بدنيا غيركم، ولن ينفعكم حكام السوء أو يغنوا عنكم من الله شيئا، فكونوا مع الحق الذي تعلمون وطالبوا أهل مصر الكنانة وجيشها بخلع حكام السوء وإعلانها خلافة على منهاج النبوة، ونصرة أهل الشام وفلسطين وسائر المستضعفين من أبناء الأمة، فهذا دوركم ودورهم، فأنتم ورثة الأنبياء وهم جند الله ورسوله ودرع الأمة وحماة الإسلام فحرضوهم على نصرة الله ورسوله تفوزوا وإياهم ويكون لكم وللكنانة السبق في ركب الجنة.

يا أهل الكنانة وعلماءها وجيشها، يا من كنتم للإسلام درعا وحصنا وكان للإسلام بكم عزٌّ ومنعة من للإسلام، إن لم يكن أنتم من ينتصر لحرمات المسلمات غيركم من يحرر الأقصى دونكم، إن الأقصى والشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار وخلف عدو من أعداء الله ولخدمة الغرب الكافر ولفرض نفوذه ومخططاته ومنع عودة الحياة الإسلامية من خلال خلافة على منهاج النبوة، وإنما تنتظركم أنتم جند صلاح الدين تحت راية رسول الله r، تنتظركم ناصرين فاتحين محررين كما عهد بكم، تنتظركم بأسا شديدا على أعداء الله ورسوله وعزا لدينه ومددا لأنصاره، واعلموا أن نصر الله قادم لا محالة، فليكن بأيديكم أنتم وليكن لكم السبق للفردوس الأعلى مع أنصار الأمس فإنها الجنة، والأيام القادمة أيام فاصلة فانحازوا فيها لما يحب الله ويرضى وانصروا إخوانكم في حزب التحرير واحملوا معهم مشروع الأمة المنبثق عن عقيدتها خلافة على منهاج النبوة تنهي التبعية للغرب الكافر وتعيد عز الإسلام وأهله وتعيد بلادنا سيدة الدنيا كما كانت، اللهم اجعله قريبا واجعله بأيدينا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله عبد الرحمن

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

نعمة الأمن والأمان في الأردن

نتغنى في الأردن بالأمن والأمان، وإذا ما تكلم بعضنا بوجوب نصرة الشام والأقصى رد علينا آخرون بقولهم أنتم تريدون إشاعة الفوضى في البلد والقضاء على الأمن والأمان، ألا ترون ما حدث لأهل سوريا ومصر وليبيا واليمن وغيرهم؟

أقول لمثل هؤلاء: إن نعمة الأمن والأمان والرخاء الاقتصادي كان يتنعم بها أهل مكة، فقد آمنهم الله من الجوع والخوف بينما كانت القبائل من حولهم يغير بعضها على بعض فيقع فيهم القتل والأسر، قال تعالى مذكرا إياهم أنهم كانوا في أمان بينما غيرهم يعيش في خوف ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فماذا حدث لأهل مكة؟ هل استمر الأمن والأمان؟ هل حافظوا على نعمة الأمن والأمان؟ قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.

أطعمهم من جوع: أمان اقتصادي... كانت خيرات الجزيرة العربية والشام واليمن تجبى إليهم في رحلتين سنويتين، رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وآمنهم من خوف: كانت القبائل تسعى إلى ودِّهم لأنهم أهل الحرم،كما أن الرحلة في الصحراء إلى اليمن جنوبا والشام شمالا دليل على الأمن الذي تنعَّم به تجار مكة.

ولما بعث رسول الله r إليهم طلب منهم أن يحافظوا على هذه النعمة، كيف؟

اسمعوا قوله تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ

إذن المحافظة على الأمن والأمان تكون بطاعة الله عز وجل، وتنفيذ أوامره سبحانه في الحياة العامة، في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة الخارجية، وليس الاقتصار على تنفيذ أمر الله في العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات فقط، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ أي نفذوا أحكام الإسلام كلها، فلا يجوز أن نقصر الإسلام على جزء منه ونترك الباقي خوفا من أمريكا وأوروبا وغيرهما من دول العالم.

فحتى نحافظ على الأمن والأمان يجب تغيير الدستور إلى دستور إسلامي وتغيير النظام الحاكم من نظام علماني إلى نظام إسلامي، وأن تسترد الأمة سلطانها وتختار حاكمها لتبايعه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله r... وفي ذلك تحقيق لعبادة رب البيت.

وأما عصيان الله وإعلان الحرب على أحكامه الشرعية فهو خسران الأمن والأمان، والحكم بغير ما أنزل الله خروج عن طاعة رب البيت، والتنسيق مع روسيا في حربها على المسلمين في الشام خروج عن طاعة رب البيت، والمشاركة في التحالف الصليبي خروج عن طاعة رب البيت، وإباحة الربا باسم الحرية الاقتصادية، وإباحة التعري والسفور والاختلاط والمثلية الجنسية باسم الحرية الشخصية خروج عن طاعة رب البيت، وترك قطعان يهود يمارسون عربدتهم في الأقصى خروج عن طاعة رب البيت، وتأييد نتنياهو في تركيب كاميرات التجسس خروج عن طاعة رب البيت، وخذلان أهل سوريا وتركهم لبشار وروسيا وإيران وحزبها في لبنان خروج عن طاعة رب البيت، وإرسال الجيش الأردني ليحارب المسلمين بدلا من توجيههم لمحاربة يهود وتحرير الأقصى وفلسطين منهم هو خروج عن طاعة رب البيت...

أهل مكة رفضوا دعوة الله فخسروا الأمن والأمان.

انقسم المجتمع إلى مؤمنين وكافرين... أصبح الأخ يعادي أخاه والابن يعادي أباه والزوجة تعادي زوجها والعبد يعادي سيده. عصا العبيد أسيادهم، وعصا الشعب حكامه، وسموا زعيمهم أبا الحكم بأبي جهل. وأمر الله نبيه والمؤمنين بتهديد أبي جهل ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ثم أمره أن يعلن الوصف الحقيقي لأبي جهل ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ثم يستأنف التحدي والتهديد والوعيد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ثم أمر رسوله والمؤمنين بعصيان الحاكم المجرم وإعلان التمرد على دستوره ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.

لو دخل أبو الحكم في الإسلام وعبد ربَّه الذي أعطاه الأمن من الجوع والأمن من الخوف لما فرق مجتمعه، ولو آمن زعماء مكة لحققوا شرفا ما بعده شرف، ولظل ذكرهم معطراً خالدا، ولكنهم رفضوا الشرف واستغربوا وعد الرسول r بالانتصار على فارس والروم، واتهموه بالجنون، ففقدوا الأمن والأمان وقُتلوا في معركة بدر، أين هم الآن؟!.. في الجحيم والعياذ بالله وقانا الله وإياكم ذلك المصير. أما أولادهم الذين آمنوا بدعوة الإسلام فقد حافظوا على نعمة الأمن والأمان وأصبحوا قادة البشرية.

ونحن في الأردن إذا لم نعِ الدرس وندرك أن الحفاظ على الأمن والأمان لا يكون إلا بعبادة رب البيت... فسنخسر الدنيا والآخرة.. نعوذ بالله من ذلك... وها نحن نرى بعض البوادر في فقدان نعمة الأمن والأمان من انتشار العصابات والعنف في الجامعات والعشائر وفساد الدولة ونهب المال العام والفقر والبطالة... وإذا لم نعد إلى ديننا عودة حقيقية فسيستمر الخسران حتى نجد أنفسنا مشردين لاجئين كأهل البلاد من حولنا... لا قدر الله.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نجاح السباتين – ولاية الأردن