الجامعات الغربية تعيش على وقع الصدمة الحضارية
May 04, 2024

الجامعات الغربية تعيش على وقع الصدمة الحضارية

الجامعات الغربية تعيش على وقع الصدمة الحضارية

ربما لم يكن أحد منا يتصور أن تنتفض كبرى جامعات النخبة الأمريكية وكذلك الجامعات البريطانية والفرنسية من أجل غزة وفلسطين. فقد انتفضت في الأسابيع الأخيرة جامعات نيويورك وهارفارد وكولومبيا وييل وستانفورد الأمريكية، التي لا تتميز ببيئاتها الأكاديمية الاستثنائية فحسب، بل تعتبر بمثابة ماكينات لتفريخ النخبة المهنية التي تمتصها الدولة العميقة في أمريكا، من شركات عملاقة (خاصة في مجالي الطاقة وتكنولوجيا المعلومات)، فضلا عن مؤسسات الإعلام وأجهزة الاستخبارات مروراً بوزارات الخارجية والدفاع والمالية والسلك الدبلوماسي، وصولاً إلى مكتب الرئيس الأمريكي نفسه. جامعات عريقة انفجرت في وجه النخبة الرأسمالية جوبهت تحركاتها بالاعتقال والقمع، لا فرق في ذلك بين طالب وأستاذ، ولا بين رجل وامرأة، وهي ممارسات تبخرت معها كل شعارات الحرية وأوهام الديمقراطية ونسفت معها كل معاني حقوق الإنسان وحقوق المرأة، وذلك بعد أن أُشهرت في وجوه المتظاهرين ورقة معاداة السامية.

حراك الجامعات امتدّ إلى بريطانيا أيضا حيث نظّم طلاب جامعة يو سي إل في لندن تظاهرة داخل حرم الجامعة تضامناً مع زملائهم في جامعات الولايات المتحدة الأمريكية مطالبين بقطع العلاقات الأكاديمية مع (إسرائيل) وسحب الاستثمارات من الشركات المصنعة للسلاح. (قناة الميادين، 2024/04/27).

كما نظم طلبة معهد العلوم السياسية في العاصمة الفرنسية باريس مظاهرة حاشدة تضامنا مع الفلسطينيين وتنديدا بالحرب على قطاع غزة. وقد جاءت المظاهرة بعد شهر ونصف من اعتصام الطلاب داخل معهد العلوم السياسية للتعبير عن دعمهم لغزة. وطالب المتظاهرون بقطع العلاقات مع الجامعات والشركات (الإسرائيلية) المتواطئة مع الإبادة الجماعية في غزة، وشهد التجمع انضمام عدد من السياسيين الذين يرون أن هذه المظاهرة تدل على عدم ثقة الشباب في سياسات بلادهم الخارجية. (قناة الجزيرة، 2024/04/27).

ومع تراكم الحشود التي ملأت ساحات الجامعات رفضا للإبادة الجماعية بحق أهل غزة، كان للصدمة الجماعية التي عاشتها شعوب الغرب وعبرت عنها الجامعات وجه فكري وثقافي وبُعد حضاري متصل بأسس العقيدة الرأسمالية وقواعدها، حيث تعكس هذه التحركات عمق الأزمة الحضارية التي يعيشها الغرب اليوم بزعامة أمريكا. وفيما يلي بيان ذلك:

في بلاد "العم سام"، يشرف الرجل الأبيض عبر هذه الجامعات على تشكيل نخبته الحاكمة وتطويعها لخدمة رأس المال، في علاقة توطدت منذ عقود وعقود ما بين رأس المال والحاضنة الأكاديمية، بحيث تخدم الثانية الأول، فتنظِّره معرفياً وتطعمه عمليّا بما يتم إنتاجه وتفريخه من خبراء وأكاديميين يقع إدماجهم في سوق الشغل وأيضا في مؤسسات الدولة، ضمن توليفة الليبرالية الجديدة، ليقوموا بدورهم في حماية النظام الرأسمالي العالمي والحفاظ على الهيمنة الأمريكية، فكريا وثقافيا وحضاريا وسياسيا وعسكريا.

في أوروبا، لا يكاد الأمر يختلف عما هو الحال في أمريكا، حيث يبرز دور الأكاديمية الغربية ومراكزها البحثية من خلال استعمالها كمعول أيديولوجي في خدمة الرأسمالية ومشاريعها الاستعمارية، فلا يتجرأ أحد على طرح السؤال حول مدى استقلالية المؤسسة التعليمية والحريات الأكاديمية، أو عن علاقتهما بالسلطة في ظل المنظومة الليبرالية. حتى أصبحت القيم الغربية النابعة عن عقيدة فصل الدين عن الحياة، كالحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان من المسلمات، بل هي فوق المساءلة، سواء لدى الأساتذة أم لدى الطلبة، كيف لا وهي القيم التي تشبعوا بها والمبادئ التي شكلت شخصياتهم وكيانهم ونظرتهم إلى الحياة، فصدقوا كل هذه الأوهام وهذا التلفيق الأيديولوجي في الوقت الذي كانت فيه حكوماتهم تباشر ارتكاب أبشع الجرائم بحق شعوب العالم!

فالمؤسسة الأكاديمية نفسها هي رهن سياسات المموّل الرأسمالي، وتنصاع للأيديولوجية السائدة، التي تقوم على مبدأ (البقاء للأقوى) وما يقتضيه ذلك من إرهاب فكري يبني الشخصية الغربية على أسس فكرية معينة، تنتصر للديمقراطية مع أنها الغطاء الذي يحجب وجه الاستعمار، وتشكل العقلية الاستعمارية لدى رجالات الدولة المستقبليين في بلاد الغرب، فيما الجيوب الخارجة عن هذا النسق والساعية إلى زعزعة اليقين الغربي، تُقمع بلا هوادة، خاصة إذا تناول هذا الخروج بالنقد الرواية الصهيونية العنصرية، وأكد تعاطفه مع المسلمين عامة وأهل فلسطين خاصة، أو تنكر لضحايا الهولوكوست، ولكن هذا القمع كان يقع بعيدا عن عدسات الكاميرا، نظرا لقلة المغردين خارب السرب، ولقدرة رأس المال على ضبط إيقاع المؤسسات الأكاديمية وعلى التحكم في الإعلام.

ولكن منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر، تجند الإعلام الغربي المفلس بطريقة افتقدت في أغلب الأحيان إلى الاحترافية، لتقديم صورة مغالطة عن طبيعة المعركة في غزة، ولأن حبل الكذب قصير، فقد انكشفت ماكينة الكذب الصهيوني والغربي حول الأطفال المقطّعة رؤوسهم، والاغتصاب الجماعي، وتعليق جثث الأطفال على الحبال، ثم بفعل وسائل التواصل الإلكتروني وما أنتجته من وعي على حقيقة الإبادة الجماعية التي ارتكبتها آلة حرب كيان يهود، انتشر هذا الوعي أفقيا وبسرعة بين الشعوب والأمم دون حاجة لإذن الحكومات وإعلامها الرسمي، وقد كان لحادثة انتحار أحد أفراد سلاح الجو الأمريكي حرقا أثر بليغ في الرأي العام الغربي، حيث اختار حرق نفسه من أجل التعبير عن رفض المشاركة في جرائم الإبادة وعن حجم العار الذي لحقه جراء ذلك.

هنا استفاقت شعوب الغرب على مجزرة فكرية حين برزت حقيقة المنظومة الاستعمارية الداعمة لكيان يهود المحتل، فبدأت حملة التضامن مع غزة وأهلها تتوسع أكثر في الشارع الغربي، والأهم بدأت الجامعات، بما تعنيه من تمركز قطاعات شبابية مليونية، تفكر خارج صندوق التدجين الرأسمالي، وتشهد سلسلة من الفعاليات التضامنية يمكن اختصار مضمونها بجملة واحدة: اندحار الرواية الصهيونية الكاذبة الخاطئة المتصدعة وانتصار السردية والرواية الفلسطينية المسلمة المؤمنة.

وهنا، تحوّلت جامعات النخبة الأمريكية، إلى ساحات صراع بدأت شرارته بالخطوات الاحتجاجية لطلبة جامعة كولومبيا، الذين رفعوا شعار (من النهر إلى البحر، فلسطين ستتحرر) فعدّته رئيسة الجامعة شعاراً معادياً للسامية، فاستدعت شرطة القمع لاقتحام الحرم الجامعي وتم اعتقال المئات من الأساتذة والطلبة وتدمير المخيم الاحتجاجي.

هذا الشعار يكاد يكون موحّداً للنشاط الاحتجاجي التضامني في مختلف الجامعات الأمريكية وفي الشارع الأوروبي، ولذلك جن جنون كيان يهود والبيت الأبيض ورؤساء الجامعات الذين يعملون كخدم لدى الرأسمالية العالمية، فاعتقلوا مئات الطلبة حتى الآن من جامعات النخبة، وفصلوا العديد من الطلبة، وحوّلوا التعليم من وجاهي إلى إلكتروني في خطوة لضرب تجمعات الطلبة وحركتهم، وطالت الاعتقالات والعقوبات الأساتذة المتضامنين مع حركة الطلبة، ظنا منهم أنهم قادرون على ملاحقة الرأي الآخر الخارج عن (السيمفونية الكلاسيكية المملة) حول الهولوكوست واللاسامية.

لم يعد هذا الدجل الغربي الرأسمالي ينطلي على الرأي العام الشعبي الذي انفجر في وجه تناقضاتهم، وكان هذا التناقض الصارخ قادحا لانفجار بركان الغضب في الجامعات الأمريكية التي صار أبناؤها يعيشون على وقع الصدمة الحضارية، إذ كيف لأمريكا التي كانوا يظنون أنها زعيمة العالم الحر وحامية القيم الليبرالية أن تدعم جرائم الكيان الوحشية؟

بل جاءت ردة فعل السلطة الأمريكية لتؤكد للجميع أن الديمقراطية الليبرالية لم تعد تحتمل أي عزف خارج معزوفتها، وأنها على استعداد لمعاقبة كل أبنائها "العاقين" الذين نادوا بتحرير فلسطين، وتعاطفوا مع الإسلام والمسلمين، بدل أن يقفوا مع مشروع الغرب الصليبي في المنطقة، والذي أُسقط عنوة على أرض فلسطين.

نعم، "تحرير فلسطين، من النهر إلى البحر" كما رُفع في العديد من العواصم الغربية، هو شعار ينتصر للرواية الفلسطينية وللمعتقد الإسلامي المؤمن بعدالة القضية وبما يتعلق بها من أحكام شرعية، ويدحر الرواية الصهيونية المدعومة من الرأسمالية العالمية، وذلك لأول مرة في تاريخ هذا الصراع الوجودي، وهو ما يجعل زوال هذا الكيان مسألة وقت لا أكثر. قال تعالى: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ﴾.

استمرار هذا الحراك، يزيد الأزمة الحضارية التي يعيشها الغرب عمقا، حيث لم تنكشف كذبة نهاية التاريخ أو كذبة التعايش الحضاري فحسب، بل بدأت شعوب الغرب نفسها تتبرأ من جرائم كيان يهود وتصطف مع المسلمين ضد أعدائهم وتناضل في سبيل هذه المواقف انتصارا لإنسانية الإنسان أو لقيم الحرية، ثم امتدت الصدمة الفكرية والثقافية نحو التعرف على الإسلام، ودراسة القرآن الكريم، والبحث فيه عن قصة الإنسان ومصيره والغاية من حياته وإجابات عن أسئلة الوجود الكبرى، وهذا كله يرجح كفة الصراع الحضاري لصالح الإسلام. قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾.

في المقابل، نظرة خاطفة على طريقة استجواب لجان الكونغرس الاستفزازية لرؤساء الجامعات، تعكس حجم الانهيار الحضاري الذي يعيشه الغرب وفي مقدمته أمريكا، فهذه المساءلة هي مظهر آخر من مظاهر محاكم التفتيش البائدة وقد استعادت حضورها على شرف الديمقراطية الليبرالية الأمريكية، ما يؤكد أن أسس وقواعد البنيان الرأسمالي قد تداعت للانهيار، وأنه لا سبيل لإنقاذ البشرية من جرائم الرأسمالية وظلمها إلا بعدل الإسلام وخلافته الراشدة الموعودة. قال تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُم مِّنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس وسام الأطرش – ولاية تونس

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر