الجنيه المصري يغرق ويُغرق مصر وأهلها في دوامة التضخم من جديد
November 21, 2023

الجنيه المصري يغرق ويُغرق مصر وأهلها في دوامة التضخم من جديد

الجنيه المصري يغرق ويُغرق مصر وأهلها في دوامة التضخم من جديد

ذكرت بوابة اقتصادنا على موقعها، الخميس 2023/11/16م، أن العقود الآجلة للجنيه المصري غير القابلة للتسليم أمام الدولار الأمريكي سجلت ارتفاعاً خلال الساعات القليلة الماضية بشكل ملحوظ، وذلك بالتزامن مع الارتفاع غير المسبوق للدولار بالسوق السوداء، في ظل وجود تكهنات واتجاه لخفض الجنيه أمام الدولار خلال الأسابيع والأشهر المقبلة حتى نهاية 2024، وأضافت أن أحدث بيانات للعقود الآجلة غير القابلة للتسليم "أجل عام" تبين وصول الدولار إلى مستوى الـ47 أمام الجنيه خلال الساعات القليلة الماضية لأول مرة في التاريخ، مقابل حوالي 39 جنيها في آب/أغسطس الماضي، وفقاً لبيانات بلومبيرغ، فيما وصل عقد الجنيه غير القابل للتسليم لمدة 3 أشهر إلى مستوى قياسي بلغ 37.7 جنيهاً للدولار، وفقاً لبلومبيرغ. وفي الوقت نفسه، ظل سعر الصرف الرسمي ثابتا عند حوالي 30.90 جنيهاً للدولار، بينما تجاوز دولار السوق السوداء حاجز الـ50 جنيهاً خلال الأيام الماضية.

رحلة طويلة للجنيه المصري منذ بدء التعامل به كعملة ذهبية حقيقية عام 1885م، وعندما أُنشئ البنك الأهلي المصري منحته الحكومة امتياز إصدار الأوراق النقدية القابلة للتحويل إلى ذهبٍ لمدة 50 عاماً، كما بُدئ في إصدار أوراق النقد لأول مرةٍ في 3 نيسان/أبريل عام 1899م، وظلت قيمة الجنيه مقابل الذهب ثابتة تقريبا وظلت العملة الورقية لا تتجاوز كونها ورقة نائبة أو عملة لها غطاء ذهبي، أي قيمة ثابتة على الدولة توفيرها فورا لمن يحمل هذه الورقة أو العملة ويريد استبدالها، وهكذا بالفعل فقد كان مكتوبا على الورقة نفسها التي أصدرها البنك الأهلي المصري وقتها (أتعهد بأن أدفع لدى الطلب مبلغ جنيه واحد مصري لحامله، تحرر هذا السند بمقتضى (الديكريتو) المؤرخ في 25 حزيران/يونيو سنة 1898، عن البنك الأهلي المصري، و"الديكريتو" تعني الفرمان)، أظهر عالم الاقتصاد الأمريكي ناثان لويس في بحث أجراه عام 2011، أن مصر ظلت أكبر دولة ذات غطاء نقدي من الذهب في العالم وتحديداً منذ عام 1926 وحتى أوائل الخمسينات وذلك على الرغم من قيامها بتخفيض قيمة العملة عام 1931 كباقي دول العالم في تلك الفترة، لتتفوق مصر على جميع دول العالم من حيث قوة العملة الخاصة بها بما فيها بريطانيا. ففي عام 1930 كانت قيمة العملة المصرية هي 4 جنيهات لأوقية الذهب الواحدة، أي أن الوزن الذهبي للجنيه المصري الواحد هو أكثر من 7 جرامات، بينما كانت قيمة العملة الأمريكية هي 20,67 دولاراً لأوقية الذهب الواحدة في العام نفسه. وفي تقرير أصدره مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن عام 1948 بعنوان "الإحصائيات المصرفية والنقدية منذ عام 1914 إلى عام 1941"، تبين فيه أن الجنيه المصري الواحد كان يساوي 8,3692 دولاراً أمريكياً منذ شهر شباط/فبراير عام 1934 إلى عام 1941. ومنذ عام 1939 وحتى الآن، أي خلال نحو 84 عاماً، ارتفع سعر صرف الدولار بنسب قياسية، حيث قفز ليسجل نحو 30.85 جنيهاً في البنوك، ما يعني تضاعف سعره بأكثر من 160 مرة، بخلاف سعر الدولار في السوق السوداء والذي تجاوز الـ50 جنيهاً، ولا زال في صعود مستمر، فما الذي يحدث في مصر؟ وما الذي سيؤدي إليه ارتفاع سعر الدولار بهذا الشكل؟ وما هو العلاج الحقيقي وكيف يكون؟

إن الذي يحدث هو غرق كامل للعملة المصرية، وتضخم يتزايد بمعدلات متسارعة، وانهيار سريع لاقتصاد البلاد، وسرقة ممنهجة لثروات البلاد ومدخرات الناس وجهودهم، فمصر بلد يستورد ما يزيد عن 90% مما يستهلكه الناس، حتى الغاز أصبحت الدولة تستورده من كيان يهود! ومصر الأولى عالميا في استيراد القمح، بخلاف باقي ما يستهلكه الناس من زراعات ومنتوجات وصناعات خاصة الثقيلة منها كالآلات والسيارات؛ ما يجعل من ارتفاع سعر الدولار كارثة تحل بمصر وأهلها، ويجعل عائل أسرة بسيطة يحتاج لمزاولة عملين أو أكثر لتوفير حاجات أسرته الأساسية في دولة راتبه فيها لا يصل إلى 150 دولاراً شهرياً بينما يحتاج فعليا لما يقارب الـ500 دولار ليعيش حياة كريمة.

إن المعادلة صعبة في حقيقتها، فنمو الأسعار فوق احتمال الناس ويلتهم ما لديهم ولا يمكّنهم من ادخار أي شيء، ولولا أن للناس أرزاقاً مكتوبة لماتوا جوعا أمام هذه السياسات الكارثية، فالأزمة هي أزمة الرأسمالية التي تحكم وتصنع الفقر والفقراء وتلتهم مدخرات الناس وتسرق جهودهم.

إن الحل الوحيد الذي يقضي على التضخم ويضمن القوة لعملة أي بلد هو العودة لقاعدة الذهب والفضة كعملة حقيقية لها قيمة في ذاتها، أو تصبح العملة ورقة نائبة عن الذهب والفضة كما كانت في السابق فيما قبل التفريط في احتياطي الذهب وقبل فك ارتباط العملة المصرية بالذهب وربطها بالدولار لما يزيد عن 60 عاماً، فهل تستطيع مصر ذلك وكيف؟

قبل أن نشرع في معالجة المشكلة يجب أن نعلم أنها تعالَج بوصفها مشكلة إنسانية لا بوصفها مشكلة مادية ولا حتى اقتصادية، وتعالج من باب رعاية الناس على أساس الأحكام الشرعية المستنبطة من الإسلام بعد فهم الواقع وتصوره تصورا صحيحا ثم استنباط الأحكام الشرعية التي تناسبه من أدلتها استنباطا صحيحا، وهنا تبرز قضايا عدة أهمها:

أولا: مسألة توفر الذهب والفضة في الأسواق بما يتناسب مع حجم التداول، وهذا الأمر لا بد فيه من الاعتماد أولاً على ما هو موجود ضمن حدود الدولة، في خزينة الدولة، وفي أيدي الناس من التجار والصاغة، وعامّة الناس، وفيما هو موجود في باطن الأرض. وإذا لم تكفِ الكميّة الموجودة داخل حدود الدولة - وغالباً أنها لا تكفي - فإن الدولة تلجأ إلى الخارج، فهذا الأمر لا بد فيه من تفهيم الناس ضرورة ذلك أولاً، ثم ضمان حق الناس مقابل ما أخذ منهم، إما عن طريق عقارات، أو أراض من أملاك الدولة، أو عن طريق سندات تحفظ حقهم لحين توفر الذهب والفضة، أو الثروات الزائدة مستقبلاً، ولا بد للدولة أن تستخرج من باطن الأرض الذهب والفضة، فلا تخلو مصر من مناجم الذهب والفضة، وبما أن المسألة ليست تجارية، بل مصيريّة، فلا تبالي الدولة إن كانت الكمية قليلة أو كثيرة أثناء عملية البحث والتنقيب. وإن مصر وحدها تستطيع أن تضع قاعدة الذهب والفضة كعملة بما تمتلك من مناجم للذهب؛ فوفقاً لدراسة قام بها المرصد المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، فإن مصر تحتضن حوالي 270 موقعاً لإنتاج الذهب، بينها حوالي 120 موقعاً ومنجماً معروفين تم استخراج الذهب منهم قديماً، وحسب تقرير لمجلس الذهب العالمي الصادر لشهر كانون الأول/ديسمبر من العام 2022 لاحتياطات الذهب في البنوك المركزية العالمية، جاءت مصر في المرتبة الـ34 عالمياً باحتياطي قدره 125.9 طناً. (صدى البلد)، بخلاف ما يملكه الناس من مشغولات ذهبية كزينة أو مدخرات.

ثانيا: معالجة ما يوجد في أيدي الناس من عملات، وهنا نحتاج إلى فترة انتقالية يتم فيها الاعتماد على ما هو موجود بين أيدي الناس من عملات كمرحلة انتقالية لازمة، وضرورية لتهيئة الأمور من ناحية عملية وفنية، وليس معنى ذلك إقرار بالحكم الخاطئ الفاسد في مسألة النقود، ولكنها ضرورة تقدّر بقدرها حتى يتم التمكن من الأمر الشرعي بشكله الصحيح ويتم توفير النقود الشرعية البديلة وإنزالها للتداول، وفي هذه المرحلة يجب أن يراعى ما في يد الناس من عملات وقيمتها الشرائية والتي يجب أن تحدد مقابل سلع بقدرها حتى لا يخسر الناس أموالهم ويقع عليهم ضرر جراء تطبيق الحكم الشرعي.

ثالثا: معالجة مسألة القيمة الشرائية (أو ما تسمى بالقيمة التبادلية) للذهب والفضة كنقود، مقارنة مع السلع والخدمات الأخرى، وهذا الأمر يتحكم فيه العرض والطلب، وحاجة الناس، دون تدخل من الدولة بالتسعير، وإن احتاج الأمر لتدخل في بداية الأمر كنوع من الرعاية لشؤون الناس لا علاقة له بتسعير السلع حتى يعتاد الناس على التعامل بالذهب من جديد فإنه لا بد من تدخل الدولة في هذه المرحلة الحرجة الحساسة، لتحدد قيمة الدينار التبادلية، مقابل السلع والخدمات الموجودة، والطريقة التي نراها هي عدم إعطاء العملة الذهبية أكثر من قيمتها السوقية، أي قيمة وزنها من الذهب والفضة، فمثلاً وزن الدينار 4.25 غرام من الذهب الخالص، وهذه كانت تساوي كذا وكذا مقارنة بسلع حيويّة، فتقدر الدولة ذلك في بداية الأمر للناس، ثم تترك الأمور بعد ذلك لتسير في نصابها الصحيح.

كل ما سبق من عرض هو جزء من النظام الاقتصادي الذي وضعه الإسلام والذي لا يمكن تطبيقه وإقراره إلا من خلال دولة الإسلام وفي ظلها؛ دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر