الجيوستراتيجية الاستعمارية: خرائط الموت وحدود الدم صراع "أذربيجان-أرمينيا" جنوب القوقاز نموذجاً
October 04, 2020

الجيوستراتيجية الاستعمارية: خرائط الموت وحدود الدم صراع "أذربيجان-أرمينيا" جنوب القوقاز نموذجاً

الجيوستراتيجية الاستعمارية: خرائط الموت وحدود الدم

صراع "أذربيجان-أرمينيا" جنوب القوقاز نموذجاً

خلفت نكبة النكبات هدم الخلافة العثمانية في عشرينات القرن الماضي فراغا سياسيا وعسكريا واستراتيجيا مدويا وزلزالا حضاريا وفراغا مبدئيا مدمرا، شكل ثقبا أسود في الجغرافيا السياسية بحجم البلاد الإسلامية، جعل من هذه البقعة الجغرافية مسرحا لأشرس الصراعات الدامية للقوى الاستعمارية الدولية، مادتها التفكيك والتفتيت والتلغيم والتدمير؛ تفكيكها سياسيا وتفتيتها جغرافيا وتلغيم حدودها وبنيتها وتركيبتها والأنكى هدمها حضاريا.

ومن البلاد الإسلامية التي عمها هذا الخراب تفكيكا وتفتيتا وتلغيما وتدميرا منطقة القفقاس أو القوقاز، وهي المنطقة الجبلية الواقعة بين البحر الأسود وبحر قزوين (الخزر)، وتشمل بلاد الأنجوش وداغستان وأوسيتيا الشمالية والشيشان شمالا وجورجيا وأرمينيا وأذربيجان وأجزاء من تركيا وإيران جنوبا، وهي بلاد إسلامية خالصة دخلها الفتح الإسلامي في خلافة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث فتح القائد سراقة بن عمرو أذربيجان في عام 22 للهجرة، وأما في خلافة ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه ففتحت جورجيا وأرمينيا.

بقيت بلاد القوقاز جزءا من دار الإسلام زمن الخلافة الأموية والعباسية، لكن الضعف الذي دب في أوصال الخلافة العباسية بعد سقوط بغداد سنة 656 هجرية على أيدي التتار (المغول) أدى إلى تدمير الحكم الإسلامي في القوقاز على يد المغول. ومن عجائب وخوارق الإسلام العظيم أن المغول الذين نكلوا بالمسلمين قد اعتنقوا الإسلام على يد أهل القوقاز المغلوبين وأقاموا بالتالي حكما إسلاميا في القوقاز واتخذوا من قازان شرقي موسكو عاصمة لحكمهم، وقويت شوكتهم وعظم ملكهم وتوسع سلطانهم وامتد إلى سيبيريا وموسكو نفسها، واصطدموا بالدولة الروسية التي أعيد إنشاؤها وتوحيد إماراتها بزعامة موسكو، وبعد قرنين من الصراع سقط حكم التتار الإسلامي ودمر الروس عاصمتهم قازان واستباحوا دماء وأعراض وأموال المسلمين التتار. وبعد بروز حكم سلاطين العثمانيين وبرعايتهم لمسلمي القوقاز بدأت الدولة العثمانية تنازع الروس المناطق القوقازية، وتمكنت من فرض سيطرتها على القوقاز باستثناء أذربيجان التي خرجت إلى نفوذ الدولة الصفوية في إيران وذلك عام 1578م، واستمر الحكم الإسلامي للقوقاز حتى 1722م حيث قام قيصر الروس بطرس بمهاجمة القوقاز واحتل قسما منه، لكن المسلمين قاموا بطرد الروس سنة 1735م، ثم استمرت الحرب سجالا بين المسلمين والروس وأبلى أهل القوقاز المسلمين بلاء حسنا جعل قتالهم آية في الجهاد، وحمل لواء الجهاد وتصدى للروس أئمة أبرار من أبناء القوقاز منهم الإمام منصور والإمامان غاز مولا محمد وحمزات والإمام شامل، وكانت لهم الخلافة العثمانية سندا وعونا على ضعفها في أواخر أيامها. إلا أنه مع الزلزال الجيوستراتيجي لهدم دولة الخلافة العثمانية تنازل الاتحاديون بزعامة الملعون مصطفى كمال عن منطقة القوقاز لروسيا الشيوعية، ومن ثم اشتد الأمر على المسلمين ولكن نار جهادهم ما خبت، وأرهق جهادهم العظيم الجيش الروسي لدرجة أن لينين فسر سرعة الهزائم التي لحقت بالجيش الروسي في الحرب العالمية الأولى بأنها نتيجة الإرهاق من شدة حروب القوقاز، فانتهج بعدها الشيوعيون بزعامة ستالين سياسة النفي إلى أصقاع سيبيريا، وأبيد فيها خلق عظيم من مسلمي القوقاز.

وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي وتفككه إلى خمس عشرة جمهورية في عام 1991 استمرت منطقة القوقاز ملحقة بجمهورية روسيا الاتحادية عن طريق أنظمة الحكم وحكام تلك الجمهوريات، ولكن الضعف السياسي لروسيا الاتحادية جراء انهيار الاتحاد السوفيتي وآثاره على الساحة الروسية وارتداداته على المحيط، ولد فراغا استراتيجيا، أضيف إليه ثروات القوقاز الهائلة، ويكفي أن احتياطي النفط لحوض بحر قزوين قدر بـ178 مليار برميل أي في المرتبة الثانية بعد السعودية كما أعلن خبراء وزارة الطاقة الأمريكية سنة 1996، ما جعل القوقاز ساحة لتكالب القوى الغربية وعلى رأسها أمريكا، والتي حدد ستروب تالبوت المستشار الخاص ونائب وزيرة الخارجية الأمريكية سنة 1994 في خطاب له ضمن أنشطة مركز آسيا الوسطى والقوقاز الاستراتيجية الأمريكية للوجود في المنطقة واختراقها والهيمنة عليها، بأنها تقوم على الأسس التالية: 1- تطوير الديمقراطية 2- خلق اقتصاد السوق الحرة 3- احتضان السلم والتعاون بين دول المنطقة 4- إدماج دول المنطقة في منظومة المجتمع الدولي.

وهي استراتيجية ترمي لصبغ المنطقة ودمغها أمريكياً على المستوى السياسي والاقتصادي والأمني وهو ما يسهل انقيادها ووضعها في قاطرة التبعية للهيمنة الأمريكية. وانفتح الطريق على مصراعيه أمام أمريكا بعد احتلالها لأفغانستان، لكن انتكاساتها العسكرية في كل من أفغانستان والعراق، وبعد تقرير لجنة بيكر-هاملتون وتوصياتها لتعويم الفشل الأمريكي في العراق والمنطقة ومن أن استراتيجيتها في اعتمادها على قواها المنفردة لم تعد قابلة للتنفيذ، اقترحت اللجنة خطة جديدة للاستعانة بدول الجوار لتتحمل عن أمريكا عبء التكاليف والمواجهة، فصار مقترح اللجنة نهجا سياسيا للإدارات الأمريكية المتعاقبة وأسلوبا عمليا، وذاك ما تم اعتماده في آسيا الوسطى والقوقاز، فحركت أمريكا تركيا بشكل فعال، وأخذت كيان يهود تحت معطفها، فدعمت أمريكا التطلعات التركية في المنطقة وساعدتها في إقامة استثمارات في كل من أذربيجان وتركمانستان ودعمتها لإقامة جسور ثقافية، فقد صرح أردوغان في مئوية تحرير باكو عاصمة أذربيجان "إن تركيا وأذربيجان دولتان شقيقتان ماضيهما وثقافتهما ولغتهما ودينهما واحد... فقط نحن في الوقت نفسه دولتان بأمة واحدة"، ودعمتها على إقامة علاقات اقتصادية وسياسية شاملة تحت لواء النموذج العلماني التركي لدمج المنطقة وإلحاقها بقاطرة الهيمنة الأمريكية.

وقعت تركيا وأذربيجان مشروع "تاناب" لنقل الغاز الطبيعي الأذري إلى أوروبا عبر الأراضي التركية عام 2012، ويعتبر من أهم مشاريع الطاقة على مستوى العالم لأنه سيعطي الأفضلية لتركيا ومن ورائها شركات الطاقة الأمريكية، كخطوط الأنابيب التي تمتد من باكو في أذربيجان إلى تبليسي في جورجيا وتصب في ميناء جيهان التركي على سواحل البحر الأبيض المتوسط والتي بنتها شركات أمريكية كبرى لنقل الغاز والنفط إلى أسواق الغرب، وتنقل يوميا مليون برميل من النفط فائق الجودة، وقد أطلقت عليها واشنطن في التسعينات اسم "أنابيب السلام" ورأى فيها الروس أنابيب حرب هدفها النهائي وضع اليد الأمريكية على نفط المنطقة تمهيدا لإحكام الحصار على روسيا ودفعها للاختناق بأنفاسها الداخلية. أما بالنسبة لمشروع "تاناب" فسيفسح المجال أمام إمكانية نقل الدول المالكة لاحتياطي واسع من الغاز الطبيعي وعلى رأسها دول منطقة بحر قزوين لمصادر الطاقة إلى الأسواق العالمية عبر الأراضي التركية ما يمثل تهديدا لسوق الغاز الروسية، ويزيد من حدة التهديد الاتفاق التركي الأذري بتقريب موعد افتتاح مشروع "تاناب" لتزويد تركيا بالغاز الطبيعي الأذري ومروره عبرها لأوروبا بحيث ترتفع حصة تركيا منه من 7 مليارات متر مكعب حاليا إلى 31 مليار متر مكعب بحلول 2026، ودخول المشروع حيز الإنتاج سيعني تراجع اعتماد تركيا على الغاز الطبيعي الروسي إضافة لانخفاض إضافي في سعره العالمي، وهما تطوران مضران بأمن الطاقة الروسي والدور الأرميني في خطوط الطاقة، فضلا عن صفقة الغاز الرئيسية بين تركيا وروسيا المزمع تجديدها في 2021 التي باتت في مهب الريح. ففضلا على تهديد سوق الغاز الروسية أضحت لأمريكا اليد الطولى على إمدادات الطاقة لأوروبا.

كما أنه في عام 2017 تم افتتاح خط حديدي دولي يربط بين أذربيجان وتركيا مرورا بجورجيا، باكو - تبليسي - قارص ويهدف إلى نقل مليون مسافر سنويا بالإضافة إلى 6.5 مليون طن بضائع بين البلدان الثلاثة، كما يسهم الخط من خلال ربطه بين تركيا وآسيا ومنطقة القوقاز والدول الأوروبية في نقل 50 مليون طن من البضائع كل عام، حيث ستمر البضائع المراد شحنها من الصين وكازاخستان وتركمانستان وأذربيجان إلى أوروبا عبر البوابة التركية، علما أن المفاتيح والأقفال تمسك بها اليد الأمريكية الخفية.

الشراكة الاستراتيجية بين تركيا وأذربيجان والدعم المتبادل، ففي عام 2010 وقعت اتفاقية عسكرية تفرض استخدام الوسائل العسكرية للبلدين في الظروف الطارئة ضد أي منهما. وتواصل أنقرة بشكل سنوي إجراء المناورات العسكرية مع أذربيجان، وتضع أنقرة "الجيش الثالث" الذي تحرس عناصره ذوو الدرجات العالية في الجاهزية القتالية حدودها الشرقية في خدمة التشكيلات التي نشرتها أذربيجان على الحدود مع تركيا وإيران وأرمينيا، ففي حرب الأربعة أيام لسنة 2016 بين أذربيجان وأرمينيا تم استهداف مباشر وفعال لدبابات أرمينية بطائرات مسيرة تركية. وكذلك اجتماعات مشتركة ودورية لوزراء دفاع كل من تركيا وأذربيجان وجورجيا منذ عام 2014. وكان لتفقد قائد القوات الخاصة التركية للقوات الأذرية على جبهة الصراع مع أرمينيا في تشرين الثاني/نوفمبر 2014 رسالة واضحة صريحة لدعم أنقرة التام لباكو.

فضلا على المناورات العسكرية الدورية بين الجيش التركي والأذري والتي حملت اسم "الأخوة الراسخة 2019"، التي أكد خلالها وزير الدفاع التركي خلوصي أكار: "إن بلاده وأذربيجان تقفان معا ضد جميع أنواع التهديدات والمخاطر وفي الحزن والفرح"، وصرح رئيسه أردوغان قائلا: "في الوقت الذي يشارك فيه جنود البلدين في مناورات عسكرية مشتركة يلتحق جنود البلدين بمختلف الأنشطة العسكرية في أفغانستان وأنحاء العالم كافة". أي أن أذربيجان تم دمجها بالكامل وربطها بقاطرة الهيمنة الأمريكية. كما أن الدور المنوط بكيان يهود ووجوده العسكري والاستخباراتي في أذربيجان يصب في خدمة الهيمنة الأمريكية.

فالصراع بين أرمينيا وأذريبجان يعد صراعا جيوسياسيا بين أمريكا وروسيا تحديدا، وإن كان لبعض الأوروبيين سعي لمحاولة اقتحامه. ففي العنوان العام هو نزاع تاريخي بين أذربيجان وأرمينيا على إقليم "قرا باغ (بستان العنب الأسود)" ولكن في الأبعاد الاستراتيجية والجغرافيا السياسية والاقتصادية هو صراع دولي بين أمريكا وروسيا بلاعبين محليين عطفا لهم كيان يهود.

أما روسيا فتسعى للحفاظ على بقايا نفوذ في آسيا الوسطى والقوقاز، وجيوب تأثير في مواجهة الهجمة الأمريكية الشرسة، ومن هذه الجيوب أرمينيا، فبعد تفكك الاتحاد السوفيتي حافظ الروس على وجود عسكري دائم لهم في أرمينيا وأبقوا على الجزء الأكبر من قواتهم فيها في قاعدتهم 102 في غيومري، في حين أدت عضوية أرمينيا في تحالف الدول السوفيتية السابقة "منظمة الأمن الجماعي" نحو زيادة اعتمادها العسكري على موسكو طبقا إلى ما أفضى إليه اتفاق الدفاع الجوي المشترك في كانون الأول/ديسمبر 2015. وقد نشر الروس قبل عام 2016 في أرمينيا سربا من طائرات مقاتلة "ميج 29" إلى جانب بضعة آلاف من الجنود والمدرعات الثقيلة وأنظمة الدفاع الجوية الصاروخية بعيدة المدى من طراز "إس 300" إلى جانب الدفاعات الجوية المتوسطة المستوى من طراز "إس إي-6" كما جاء في تقرير "معهد واشنطن" لسياسات الشرق الأدنى.

فروسيا عمليا هي التي احتلت إقليم قرا باغ بغطاء أرميني في تسعينات القرن الماضي للفصل بين شرق أذربيجان وغربه لعزل أرمينيا عن النفوذ الأمريكي، خاصة بعد التصريح الواضح لحلف الشمال الأطلسي آنذاك "أننا نريد التوسع شرقا وجنوبا".

أما اليوم فمسرح الصراع بين الروس والأمريكيين جنوب القوقاز قد تحول، فالمجال الحيوي الروسي قد تقلص بشكل كبير بعد قضم أمريكا لجورجيا، فالجغرفيا السياسية للمنطقة باتت أمريكا هي الفاعل الأساسي فيها، وعليه فالظرف الجيوستراتيجي مواتٍ لتغيير المعادلة واستكمال رسم الخريطة الجيوسياسية جنوب القوقاز وفق مصالح الهيمنة الأمريكية، وعليه تصبح إثارة النزاع مصلحة استراتيجية أمريكية بامتياز، وقد كانت محاولة نيسان/أبريل 2016 والتي سميت بحرب الأيام الأربعة بين أذربيجان وأرمينيا، وقد اندلعت شرارتها ساعات فقط مرت على انتهاء قمة الأمن النووي الرابعة التي انطلقت في اليوم الأخير من آذار/مارس عام 2016 بالعاصمة الأمريكية واشنطن، والتي تكلم فيها وزير الخارجية الأمريكية جون كيري نيابة عن رئيس أذربيجان إلهام علييف مطالبا أرمينيا بسحب قواتها فورا من الإقليم المتنازع عليه. ما جعل الروس يطالبون بوقف إطلاق النار والتزام قرار وقف إطلاق النار الموقع عام 1994، سعيا من الروس للحفاظ على الوضع الراهن على الأرض. ثم كانت مناوشات عسكرية في 12-13 تموز/يوليو 2020، تلاها الصراع العنيف الذي تشهده المنطقة اليوم.

وفي ضوء تحولات المناخ السياسي والعسكري في أذربيجان والذي ساعد عليه وجود النفط والغاز الوفير، ما يفتح المجال لإنفاق عسكري ضخم، فقد تمكنت أذربيجان ما بين عامي 2004 و2014 من زيادة حجم إنفاقها العسكري 20 مرة، ما يجعل من ميزانية أذربيجان العسكرية أكبر من ميزانية أرمينيا كاملة. فضلا على ما تعانيه أرمينيا من نقص في الموارد، وما تسببت به الحدود المغلقة لها مع تركيا وأذربيجان، والوضع المستجد لجورجيا كحليف لأمريكا، يجعل أرمينيا تعتمد بالكامل على المورد الروسي وهو ما يستنزف الروس. فمسرح الصراع جنوب القوقاز باتت مناخاته وسياقات أوضاعه الجيوستراتيجية مفيدة لأمريكا، ما يجعل تصعيد النزاع بين أذربيجان وأرمينيا حاجة استراتيجية أمريكية، ما يفسر الموقف الباهت للإدارة الأمريكية من الصراع العنيف الذي انطلق يوم الأحد 27 أيلول/سبتمبر 2020 بين أذربيجان وأرمينيا، حيث صرح الرئيس الأمريكي ترامب بعد اندلاع المواجهات: "لدينا الكثير من العلاقات الجيدة مع تلك المنطقة سنرى ما إذا كان بإمكاننا إيقاف الاشتباكات"، واتصلت الخارجية الأمريكية عبر مساعد وزير الخارجية ستيفن بيغان "لحض الطرفين المتحاربين على وقف الأعمال العدائية فورا". عطفا على ذلك الموقف التركي الذي أعلن وقوفه مع أذربيجان "لصد العدوان واستعادة أراضيها المحتلة"، وصرح أردوغان أن: "أذربيجان التي قالت حان وقت الحساب مع أرمينيا باتت مضطرة إلى حل مشاكلها بنفسها". وفي سلسلة تغريدات نشرها الأحد 27 أيلول/سبتمبر 2020 اتهم أردوغان مجموعة مينسك وموقفها المتهاون منذ 30 سنة. أي سعي أنقرة لتخليص أذربيجان من اتفاق إطلاق النار الموقع عام 1994 الذي أشرفت عليه مجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا... ما يعني شل اليد الأوروبية عن أي تدخل في القوقاز.

هذا الموقف التركي المتحمس للمعركة، ما كانت أنقرة لتتخذ هذا القرار الاستراتيجي دون قرار وإذن من واشنطن، لأن الموقف التركي يحمل إمكانية كبيرة لتدحرج الأمور نحو مواجهة أوسع وأشمل بكثير من مستوى أرمينيا وأذربيجان.

وعليه فالجيوستراتيجية الاستعمارية الأمريكية هي الفاعل الأساسي في خلق توتر أو مواجهة واسعة أو حرب شبه محدودة جنوب القوقاز في حديقة روسيا الخلفية لقضم مزيد من إقليم القوقاز ومن ثم التحكم في مصادر الطاقة في آسيا الوسطى والقوقاز وخطوط إمداداتها لأوروبا.

أما الموقف الروسي على عكس المرات الماضية وفي مسعى لعدم توسع الحريق في حديقته الخلفية، لم يترك الكرملين الأمر لوزارتي الدفاع والخارجية للوصول إلى التهدئة، ودخل بسرعة على خط الأزمة وأعرب بوتين "عن بالغ قلقه إزاء تجدد القتال... وتم التأكيد على أهمية منع استمرار التصعيد، والأهم ضرورة وقف الأعمال القتالية". وأعلن المتحدث باسم الكرملن ديميتري بيسكوف الاثنين 28 أيلول/سبتمبر "أن بلاده على اتصال مع تركيا"، كما اتصل وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف وبحث مع نظيره الأذربيجاني جيهون بيراموف تفاقم النزاع وشدد على ضرورة وقف إطلاق النار، مشيرا إلى أن "روسيا ستواصل مع المشتركين في مجموعة مينسك التابعة لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا بذل جهود الوساطة الهادفة إلى إعادة الوضع لطبيعته"، أي أن الروس معنيون بالتهدئة واستمرار الوضع القائم على حاله، فموسكو تخشى من أن يؤدي انفلات الأوضاع جنوب القوقاز إلى خلل كبير في منظومتها الأمنية خصوصا أنها معبر إلى خاصرتها الضعيفة شمال القوقاز والجمهوريات ذات الشعوب المسلمة مثل الشيشان وداغستان.

أما أوروبا فقد دعا رئيس المجلس الأوروبي شارل ميشال الأحد 27 أيلول/سبتمبر 2020: "لوقف القتال... والعودة فورا إلى المفاوضات دون شروط". علما أنه ليست هناك سياسة خارجية أوروبية ولكنها سياسات خارجية لبعض دول أوروبا، والهاجس الذي يسكن الأوروبيين هو ضعفهم الاستراتيجي على مستوى الطاقة ونظرتهم للقوقاز كمصدر لتنويع موارد الطاقة وخاصة الغاز الطبيعي الذي كان ورقة روسيا لابتزاز أوروبا. فقد اعتمد البرلمان الأوروبي في 20 أيار/مايو 2010 تحت عنوان "ضرورة استراتيجية الاتحاد الأوروبي لجنوب القوقاز" قرارا ينص على وجه

الخصوص أنه يجب "تطهير المناطق الأذرية المحتلة حول (قرا باغ) في أقرب وقت ممكن". أي أن الأوروبيين معنيون بالحل السياسي الذي يضمن لهم تدفق النفط والغاز الطبيعي وتنويع مواردهم.

هذا هو حال قوقازنا معشر المسلمين بعد أن كان حديقتنا الذهبية وفردوسنا الأرضي حولته الجيوستراتيجية الكافرة الآثمة إلى جبهة حرب حشو مدافعها لحم وعظام أجسامنا!

ما كانت جيوستراتيجية الكافر المستعمر إلا خرابا ودمارا ودماء وأشلاء، فجيوستراتيجيته الاستعمارية ما فتئت تنكي جراحنا، ما إن تنتهي من تسخين جبهة من الجبهات الكلاسيكية القديمة حتى تفتح لنا جبهة جديدة أخرى، وما إن تنتهي من خريطة موت حتى ترسم لنا أخرى، وما إن تحد لنا حدودا بدمائنا حتى تخط لنا أخرى.

والأنكى أن جغرافية إجرامه هي بلادنا الإسلامية شرقا وغربا شمالا وجنوبا، وأوكل بها أكابر المجرمين من أبناء جلدتنا حكام العمالة والخسة، فأسندت كبار مناصبنا وقضايانا لصغار النفوس من حكامنا فتعاظمت بهم مآسينا وتفاقمت مصائبنا وازدادت فواجعنا.

معشر الساسة المبدئيين حملة دعوة الإسلام العظيم، معشر المسلمين أصحاب الشهادة على الناس أجمعين:

قضيتنا مع الغرب طالت وتمادت، تقطر دما وغدرا وخيانة، وترشح مكرا وخبثا وخسة وفظاظة. وآن لعقلكم وتفكيركم الاستراتيجي أن يأخذ زمام المبادرة، وآن لكم أن تستجمعوا قواكم وتعزموا أمركم وتحسموا صراعكم مع الغرب. وما كان لهذا الفراغ الحضاري والجيوسياسي في بلادكم الإسلامية أن يملأ إلا بخلافة الإسلام العظيم الراشدة على منهاج النبوة.

واعلموا أنه ما سمى جهابذة علمائكم الخلافة تاج الفروض سدا، بل لأنها الفريضة الاستراتيجية الكبرى التي بها تعالج كل القضايا وتحل بها كل العقد. واعلموا أن في محنكم امتحانكم، فأروا الله من أنفسكم صبرا وثباتا وعزما، واعلموا أن في شدة البلاء عظيم التمكين وأن العاقبة للمتقين فكونوا لنصر الله أهلا.

﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مناجي محمد

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر