March 03, 2014

الجزائر إلى أين؟

إن الاستقراء للأحداث التي تتالت منذ فترة في الجزائر توحي بأن الأزمة السياسية في تزايد وتفاقم يوما بعد يوم؛ بداية بالتحوير الذي قام به الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في صلب جهاز الأمن والاستعلامات المعروف بجهاز المخابرات العسكرية، وعزله العديد من الجنرالات، وذلك منذ رجوعه من باريس حيث استكمل علاجه في المستشفى العسكري فال دي غراس، مرورا بالتصريحات النارية للأمين العام لجبهة التحرير الوطني الحزب الحاكم عمار السعداني التي هزت عرش الفريق محمد لمين مدين الملقب بالجنرال التوفيق الذي يتولى جهاز المخابرات العسكرية منذ سنة 1990، وصولا إلى قرار بوتفليقة بتفعيل المادة 20 من قانون المستخدمين العسكريين، الذي ينص على ضرورة إحالة ما لا يقل عن 100 من ضباط الجيش والدرك الوطني والمخابرات على التقاعد الإلزامي فورا، وقد استهدفت تدابير هذه المادة الجنرال مدين الذي رفض بدوره هده الإقالة في تحدٍّ سافر لمؤسسة الرئاسة. كل هذه الأحداث التي اتخذت نسقا تصاعديا تدل على أن الصراع قد احتدم وبلغ ذروته بين أجنحة وعصب المخابرات العسكرية وبين الرئاسة وأركان الجيش؛ ليس من أجل قيام دولة مدنية أو الانتقال الديمقراطي والشفافية كما يزعم أنصار بوتفليقة، وإنما من أجل السلطة والثروات.


هذا الصراع الذي استعمل فيه كلا الطرفين كل الوسائل والأساليب المتاحة من أعمال مادية واستنجاد بأحزاب معارضة وشبه معارضة وإعلام ممنهج وإثارة للأقليات، مثل الاشتباكات التي حصلت بين الأمازيغ والعرب في غرداية جنوب الجزائر والتي أسفرت عن أكثر من أربعة قتلى، هذا الصراع الخفي الذي أصبح علنيًّا قد فرض على آل بوتفليقة بعد أن سربت المخابرات العسكرية معلومات تتهم الرئيس وشقيقه سعيد بوتفليقة بالنهب والفساد، وبعد أن تعالت أصوات الأحزاب المعارضة مطالبة بتفعيل المادة 88 من الدستور، والتي تنص على عزل الرئيس في حالة إصابته بمرض مزمن وعجزه عن إدارة دواليب الدولة؛ مما أجبر الرئاسة على الرد وقصف أجنحة المخابرات، وذلك بعزل أكثر من خمسين جنرالاً ثم الدفع بالجندي الصغير لبوتفليقة عمار السعداني لاتهام مدير المخابرات والرجل القوي في السلطة الجنرال بالتقصير في مهام حماية الدولة من الإرهاب، التي وضعت الجزائر في صورة أشبه بالدولة الفاشلة أمنيا، ووصفه جهاز المخابرات بالدولة داخل الدولة التي تفرض سيطرتها على كل الهياكل والمؤسسات؛ هذه الاتهامات لاقت انتقادات لاذعة من كثير من الشخصيات والأحزاب والجرائد والقنوات الإعلامية التي اتجهت وجهة واحدة في الدفاع عن جهاز المخابرات، وهو راجع إلى الاصطفاف لصالحها والخوف من بطشها وليس جراء أهوال التصريحات التي تورط فيها السعداني، وفي غضون ذلك لجأت المخابرات بعد تشويه صورة الأمين العام للأفلان للمؤسسة القضائية؛ حيث قد رفع المدير السابق للمخابرات العسكرية قضية ضد عمار السعداني لافترائه على المؤسسة الدستورية وتقصيره في أداء مهامه، علما بأن هذا الأخير قد كشف للإعلام بأنه مهدد بالتصفية الجسدية. ولأن الرئاسة هي من تملك خواتم الجمهورية قامت ببتر اليد اليمنى للجنرال مدين؛ وذلك باعتقال الجنرال حسان واسمه الحقيقي عبد القادر ايت اورابي الرئيس السابق لوحدة مكافحة الإرهاب بجهاز الاستخبارات، وعرضه على المحكمة العسكرية في البليدة بتهمة إنشاء فرق مسلحة في إطار غير قانوني. ولذلك يكون كف الصراع قد رجح للسلطة المتمثلة في الرئيس بوتفليقة وشقيقه سعيد بوتفليقة الذي يتولى منصب مستشار الرئيس منذ سنة 1999 ورئيس هيئة الأركان العامة للجيش ونائب وزير الدفاع الجنرال أحمد قايد صالح.


وبعد تحطم طائرة عسكرية من نوع "هيركيلز سي 130"، كانت تقل على متنها 77 شخصاً، في ولاية "أم البواقي" شرقي الجزائر لم يسلم منهم من الموت سوى شخص واحد، تلتها أعمال إرهابية في محافظة جندوبة من ولاية تونس التي أسفرت عن أربع ضحايا منهم ثلاثة أمنيين، وقد صرح الناطق الرسمي لوزارة الداخلية أن من بين منفذي العملية ثلاثة جزائريين، خرج الرئيس بوتفليقة عن صمته وحذر من المساس بالمؤسسة العسكرية واستقرارها، مؤكدا أن دائرة الاستعلامات جزء لا يتجزأ من الجيش الشعبي الجزائري. أيضا أشار بالحرف الواحد أنه "لا يحق لأحد أن يصفي حساباته الشخصية مع الآخرين على حساب المصالح الوطنية العليا في الداخل والخارج"، في إشارة ضمنية إلى الجنرال مدين الذي اتهمه بعض الصحفيين والمحللين بأنه وراء هاتين العمليتين، في محاولة لضرب وحدة الجيش وأمن الجزائر الداخلي ومصالحها الخارجية خاصة أمن تونس.


إن المدقق والمستقرئ للواقع السياسي في الجزائر منذ فترة، يدرك تماما أن الصراع ليس هو بين المؤسسة العسكرية وبين الرئاسة، وإنما بين جناح المخابرات العسكرية المعروفة اختصارا بـ DRS وبين مؤسسة الرئاسة التي يساندها بشدة الجنرال قايد صالح الذي ألحقت بقيادته ثلاث مصالح مهمة وحساسة جردها بوتفليقة من الجنرال مدين، وهي أمن الجيش والصحافة والشرطة القضائية العسكرية.


الصراع الداخلي يعكس صراعًا خارجيًّا فرنسيًّا بريطانيًّا، ويذهب البعض من المحللين السياسيين إلى أنه صراع أمريكي إنجليزي، كالصحفية والمحللة السياسية المصرية حنان البدري التي علقت في مداخلة لها على فرانس 24 على المؤتمر الصحفي للرئيسين الفرنسي فرنسوا هولاند والأمريكي باراك أوباما في واشنطن على أن أمريكا تعتبر شمال أفريقيا سلة الاحتياطي للثروات، وتحاول التسلل من خلال النفوذ الفرنسي هناك، وأن المغزى من وراء هذه الزيارة هي تعزيز التعاون بين البلدين في القضاء على الإرهاب في شمال ووسط وغرب أفريقيا، كما هي الحال في سياسة الإدارة الأمريكية الدفاعية والخارجية التي تنتهج أسلوب التدخل العسكري المباشر أو اكتفائها فقط بإشعال الحروب الأهلية والأزمات. ناهيك عن الإرادة الدولية في جعل الجزائر يلعب دورًا فعالاً في أفريقيا وخاصة في المجال الأمني. فكما ذكرت عدة تقارير ودراسات أن العقدة الأمنية هي الأساس في المدى المنظور لأية علاقات جزائرية أفريقية؛ وذلك في ظل تنامي وتزايد فشل الدولة والهشاشة الاقتصادية والأمنية لأفريقيا، وأيضا حفاظ الجزائر على علاقتها الاستراتيجية بتونس وليبيا والاستفادة من خبراتها الاحترافية في المجال الاستخباراتي.


فبعد تأزم الأوضاع في الشرق الأوسط الذي هبت عليه رياح التغيير وخاصة الثورة السورية الأبية التي حيرت وأرّقت مضاجع الغرب وخاصة أمريكا التي يبدو أنها قد أدركت أن التغيير الجذري وسقوط النظام "بطم طميمه" في شام الإسلام قادم لمحالة آجلا أم عاجلا. فها هي تحاول كما حاولت سابقا في الستينات افتكاك أفريقيا من أوروبا تدريجيا، ساعية في اتخاذ شمال أفريقيا كخط دفاع ثانٍ. كيف لا وأفريقيا فيها خيرات كبيرة من المواد الخام وثروات زراعية وحيوانية بشكل خيالي، وهي تدرك أن الجزائر هي حجر الارتكاز في العمق الأفريقي؛ فارتباك الأوضاع في الجزائر وجرّها إلى ثورة شعبية بدون وعي يخدم مصالح أمريكا التي يمكن أن تتسرّب من خلالها إلى السلطة وتمدد نفوذها ولو جزئيا. فقد صرحت لويزة حنون الأمينة العامة لحزب العمال أن ما تعيشه الجزائر من صراعات واتهامات هي من أخطر الأزمات التي تعيشها البلاد منذ 1962 وقد تمهد للتدخل الأجنبي في البلاد. وكانت قد نشرت جريدة الجزائرية منذ فترة أن مدير المخابرات يتخوف على الاستقرار في الجزائر جراء ترشح بوتفليقة لولاية رابعة. ويتعزّز هذا الطرح بتقارير دولية منها أمريكية تحذر من انفجار الأوضاع في الجزائر مستقبلا. وأيضا لا نستطيع أن نمر على قضية الصراع الدولي في أفريقيا دون ذكر الدور الفرنسي في المنطقة وتعزيز العلاقات الجزائرية الفرنسية، وإن بدت في ظاهرها اقتصادية سياسية إلا أنها تنطوي على أبعاد جيو أمنية.


إن الأزمة السياسية والأمنية التي تمر بها الجزائر تترجم صراعًا دوليًّا بامتياز على المنطقة؛ فرنسا وأمريكا من جهة، وبريطانيا الأفعى الرقطاء من جهة. وقد عززت هذه الأخيرة تعاونها الأمني مع الجزائر خلال الأشهر الأولى من سنة 2013، إلى جانب دعم العلاقات السياسية والاقتصادية، وهو مؤشر واضح لعزم لندن توثيق علاقتها مع ما تعتبره أهم دولة محورية في المنطقة في مجال مكافحة الإرهاب.


الأزمة السياسية في الجزائر، وإن كانت أسبابها الداخلية هي فساد النظام وفشل في الدولة ناتج عن ملفات فساد كبرى لها علاقة بالسلطة، قد أشارت إليها سابقا وثائق دبلوماسية أمريكية نشرها موقع "ويكيليكس" عبر الجريدة الإسبانية "الباييس"، التي تكشف عن فحوى المحادثات المختلفة التي جمعت بين السفير الأمريكي بالجزائر وصحفيين بالجزائر، حول فشل نظام الحكم في الجزائر وتفشى الفساد في البلد، حتى وصل إلى أشقاء الرئيس الجزائري "عبد العزيز بوتفليقة"، بالإضافة إلى تهديد انقسام قيادة الجيش الذي يهدد استقرار البلاد. فإن أسبابها الخارجية هي تنافس وصراع دولي قديم جديد على المنطقة لبسط النفوذ والسيطرة على المنطقة، خاصة لما ستلعبه الجزائر من دور اللاعب الفاعل في المنطقة كما ذكرت تقارير مراكز الدراسات، والتاريخ القريب شاهد على هذا الصراع بعد سقوط الدولة العثمانية؛ عندما اندفعت الدول الاستعمارية في أواخر القرن الثامن عشر والقرن التاسع عشر في الاستعمار، وغزو أوروبا للقارة الأفريقية، ثم دخول أمريكا بكل ثقلها في تنافس محموم مع بريطانيا وفرنسا للسيطرة على أفريقيا في ستينات القرن الماضي.


وفي ظل هذه التجاذبات والصراعات الداخلية والخارجية تبقى جماهير الشعب صامتة حائرة مبهمة غير قادرة على تحديد مصيرها، خائفة مرتعبة من رجوع تلك الفترة القاتمة في تاريخ الجزائر التي ذهبت بأكثر من 200 ألف قتيل، خوف ناتج عن ضعف وعي بأن الإسلام وحده كعقيدة عقلية روحية هو القادر على كسر قيود الخوف وتحرير العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وذلك بقوله سبحانه وتعالى ﴿وَلَن يَجْعَلَ ٱللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾، فقوموا يا شعب الجزائر وانهضوا كما عهدناكم من قبل لا تخافون في الله لومة لائم، ووحدوا صفوفكم تحت راية واحدة؛ راية رسولنا وقائدنا للأبد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأعلنوها صراحة: الشعب يريد إسقاط النظام... الشعب يريد خلافة إسلامية كما وعدنا بها خالق السماوات والأرض الذي لا يخلف وعده وبشرنا بها رسولنا الكريم صلوات الله عليه «...ثم تكون خلافة على منهاج النبوة».

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عبد العزيز المرواني - تونس

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر