الخلافة القادمة الغائظة لأذناب العلمانية
October 05, 2014

الخلافة القادمة الغائظة لأذناب العلمانية


ما زال بعض أذناب العلمانية في مصر يُصر على السير في طريق التضليل حتى نهايته، فمنهم من يسن قلمه ومنهم من يطلق لسانه لضرب الإسلام من ناحية سياسية، ليوهم الأمة أن ليس للإسلام نظامٌ سياسيٌ محددٌ، بل وليس من شأن الإسلام أن يكون له صلة بالحكم والسياسة، ويكاد يظهر الغيظ من الخلافة في كلامهم جميعا، والكل ينهل مما أسس له الكتاب الساقط "الإسلام وأصول الحكم" الذي يقرر كاتبه بكل صلف واستكبار "أن الدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون، وبريء من كل ما هيأوا حولها من رغبة ورهبة، ومن عز وقوة. الخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية. كلا، ولا القضاء ولا وظائف الحكم ومراكز الدولة، إنما تلك خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا لنرجع منها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة".

إن هذا الكلام يعد عند هؤلاء العلمانيين كلامًا محترمًا ينسف فكرة الخلافة عند الإسلاميين الذين يدعون لها، خاصة وقد صدر عن شيخ معمم من علماء الأزهر الشريف، وبرغم أن الأزهر أخرجه من زمرة العلماء حينها، إلا أن هذا القرار عند هؤلاء العلمانيين هو قرار سياسي صدر بإيعاز من الملك فؤاد الذي كان يخطط لأن يكون خليفة المسلمين حينها، وبرغم أنه صدرت الكثير من الكتب التي تفند دعاوى الكاتب الساقطة إلا أن هؤلاء العلمانيين لم يكلفوا أنفسهم عناء قراءة تلك الكتب التي تتميز عن كتابهم الأيقونة هذا بالعمق والشمول وإيراد الأدلة الشرعية على أقوالهم. لقد عميت قلوب هؤلاء عن كل هذا وانبروا يرددون ما كتبه علي عبد الرازق متصورين أنه قد يسعفهم في معركتهم التي يخوضونها ضد الإسلام باعتباره نظامًا كاملًا شاملًا والحكم جزء منه.


ففي 27 سبتمبر الماضي كتب إبراهيم العريس في جريدة الحياة مقالا بعنوان "«الإسلام وأصول الحكم» لعلي عبد الرازق: معركة حول قضية الخلافة"، والمقال عبارة عن محاولة لاستدعاء الكتاب والكاتب في معركة فاشلة يخوضها التيار العلماني ضد دولة الخلافة بشكل خاص وضد فكرة أن الإسلام دين ومنه الدولة بشكل عام، والعجيب أن الكاتب يعترف بفشل الكتاب وكاتبه في خوض المعركة وقتئذ، وبرغم ذلك يستدعيه اليوم في معركة أكثر من فاشلة، فالأمة اليوم أكثر وعيًا على إسلامها، وأكثر التفافا حول فكرة الخلافة باعتبارها نظام حكم إسلامي وفريضة فرضها الله على هذه الأمة.


وعلى صعيد مواز على شاشة التلفاز نسمع ونرى إبراهيم عيسى يوجه سهامًا طائشة نحو دولة الخلافة، وهو أيضا لم يأت بجديد، فهو يردد ما قرأه في كتب المستشرقين وأعداء الخلافة والأمة، فالخلافة بالنسبة له نظام أسود وقمعي، فهو يردد في برنامجه هذا الكلام الساقط كالببغاء قائلا: "إن الحكم الإسلامي منذ بدايته لم يستقر على نظام شوية أبو بكر بالانتخاب، وعمر بالتعيين، وعثمان بالتعيين، وعلي بالانتخاب، ومعاوية بحرب أهلية طاحنة، وبعد كده كل واحد بيورث ابنه". بل ويعتبر عيسى "الدعوة للخلافة هي دعوة للجهالة، فالخلافة كانت موجودة والصليبيين احتلوا المسلمين، والمغول كمان"، مضيفًا: "الخلافة كانت نظام أسود وكله قمع وحروب أهلية وصراعات".

ثم يرى سيادته أن هيمنة وسيطرة الخلافة على العالم آنذاك ليست ميزة يتفاخر بها المسلمون، فالاسكندر سيطر وهيمن على العالم أيضا حسب قوله. وتناسى عيسى أو تغافل عن أن هيمنة الاسكندر وسيطرته كانت هيمنة استعمارية انتهت بموته وزوال ملكه بينما الفتوحات الإسلامية صهرت الشعوب المفتوحة في بوتقة الإسلام برغم اختلافاتهم العرقية واللغوية، وحققت الدولة الإسلامية نجاحًا منقطع النظير في إيجاد تلك الأمة الإسلامية المترامية الأطراف، وهذا ما لم يحدث لأي مبدأ أو دين سوى للإسلام وللدولة الإسلامية. وبرغم زوال الدولة الإسلامية وسلطان المسلمين من الأرض وتعرض أغلب شعوب الأمة للقمع والاضطهاد بسبب إسلامها إلا أنها ظلت متمسكة بإسلامها وعقيدتها تعض عليها بالنواجذ، فكيف لهذا الرجل أن يساوي بين الفتح الإسلامي والاستعمار المقدوني للشعوب وإذلالها ونهب ثرواتها وخيراتها؟!


وأما قوله "أن الخلافة كانت موجودة والصليبيين احتلوا المسلمين، والمغول كمان"، فقول ساقط لا يمكن أن يكون مبررا لرفض الخلافة، فالخلافة دولة بشرية وليست دولة إلهية يصيبها ما يصيب الدول من ضعف وفتور، ولكنها برغم تلك الهزيمة عادت فلملمت شتاتها وطردت الصليبيين شر طردة، وهزمت المغول، بل واعتنق المغول دين الإسلام وحملوه للعالم بالدعوة والجهاد، وبنفس منطق إبراهيم عيسى المعوج هذا سيرفض دولة النبوة كذلك لأنها هُزمت في أحد، وكاد أن يُعصف بها في حصار الأحزاب، وكاد أن يفتك بجيشها في مؤتة لولا الانسحاب الماهر للجيش بقيادة خالد بن الوليد.

ثم لماذا لا نرى الصحفي الهمام يشن حملة مماثلة على النظامين الملكي والجمهوري اللذين في ظلهما ضاعت فلسطين وهزمت جيوش سبع دول عربية أمام عصابات يهود، وفي ظل النظام الجمهوري ضاعت سيناء والجولان والضفة وغزة، هزائم تتلوها هزائم في ظل تلك الأنظمة العفنة التي لا تقارن بدولة الخلافة، فقد احتلت أفغانستان والعراق، ويقتل الآلاف من أهلنا في فلسطين تحت سمع وبصر أنظمة عربية مهترئة ولا حياة لمن تنادي، هل تقارن تلك الدول المهللة بمواقف الخلافة الإسلامية التي كانت لها الكلمة العليا واليد الطولى في كل أنحاء العالم، مَنْ مِن حكام العرب والمسلمين اليوم يمكن أن يصرخ المسلمون باسمه كالمعتصم، أو هارون الرشيد؟! ما لكم كيف تحكمون؟!.

ونحن عندما نحكم على النظام الجمهوري بالفشل نحكم عليه من ناحية فساد الأسس التي قام عليها كفكرة السيادة للشعب وفكرة الحريات المقيتة، لا لأن الجمهورية الفرنسية مثلا سقطت في الحرب العالمية الثانية واحتُلت باريس من قبل ألمانيا.


والرجل يزداد تضليله وغيّه عندما يدعي أن عمر وعثمان رضي الله عنهما توليا الخلافة بالتعيين، وما كان لعمر أن يكون خليفة للمسلمين بمجرد ترشيح أبي بكر له، بل أصبح خليفة للأمة ببيعة الأمة له بعد موت أبي بكر، ناهيك عن أن الأمة هي من طلبت من أبي بكر أن يعهد لأحد من بعده، ولقد رأى رضي الله عنه أن الأمة لا تعدل عن عمر لغيره. وما كان اختيار عثمان إلا بعد ثلاثة أيام من وفاة عمر قضاها عبد الرحمن بن عوف في استطلاع رأي أهل المدينة شيوخا وشبابا، رجالا ونساء، حتى استقر الأمر لعثمان، وليس كما يدعي عيسى أن عثمان تم تعيينه من قبل الستة مرشحين. ثم ليقل لنا السيد عيسى المغرم بالنظام الجمهوري كيف وصل عبد الناصر للحكم؟! أليس من خلال انقلاب عسكري؟!، وهل تم انتخاب السادات أو مبارك أم تم تعيينهما؟ وهل يقال على الانتخابات الهزلية التي خاضها السيسي إلا أنها صورة مزيفة وما هي إلا تعيين له في هذا المنصب؟!


وبالنهاية فإن الخلافة على منهاج النبوة هي نظام الحكم الذي فرضه رب العالمين على هذه الأمة والنصوص في ذلك كثيرة ومستفيضة، لا يرفضها إلا من كان به صمم، والمسلمون يدركون ذلك ويسعون بكل جد واجتهاد لإعادة تلك الخلافة مرة ثانية ليس لأنها نظام جميل وجيد وحسن وإن كانت كذلك بالفعل، ولكن لأنها فرض من رب العالمين شاء من شاء وأبى من أبى.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

شريف زايد
رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر