الخلافة هي الحل الجذري لمشكلة الحكم في السودان والعالم أجمع
October 10, 2021

الخلافة هي الحل الجذري لمشكلة الحكم في السودان والعالم أجمع

الخلافة هي الحل الجذري لمشكلة الحكم في السودان والعالم أجمع

لقد كان إعلان الحكومة السودانية عن محاولة انقلابية فاشلة في صبيحة يوم 2021/9/21م هو الشرارة التي أشعلت حرب التصريحات بين الشريكين المتشاكسين لحكومة الفترة الانتقالية؛ وهما الشريك العسكري "رجالات أمريكا" والشريك المدني "رجالات الإنجليز" اللذين اقتسما حكومة الفترة الانتقالية بموجب الوثيقة الدستورية الموقعة في 5 تموز/يوليو 2019م، والتي تم تعديلها بعد اتفاق جوبا بين الحكومة وبعض الحركات المسلحة في تشرين الأول/أكتوبر 2020م.

حيث صرح البرهان عقب المحاولة الانقلابية في حفل تخريج ضباط من القوات الخاصة "إن القوى السياسية انشغلت بالصراع على السلطة والمناصب، وإن شعارات الثورة من الحرية والعدالة ضاعت وسط خلافات القوى السياسية" وأضاف "إن سبب تدهور الأوضاع الاقتصادية الأساسي يرجع إلى الصراع على السلطة بين مكونات الحكومة الانتقالية من المدنيين" وقال: "نحن أوصياء على البلاد ولن نترك جهة واحدة تتحكم في مصير البلاد". كما صرح نائبه حميدتي قائلاً: "إن انشغال السياسيين بالصراع على المناصب كان سبباً في محاولات الانقلاب العديدة خلال الفترة الانتقالية".

هذه التصريحات قوبلت بالرد من القوى المدنية حيث أصدرت قوى الحرية والتغيير بياناً قالت فيه: "إن تصريحات رئيس مجلس السيادة ونائبه هو تهديد مباشر لمسار الانتقال الديمقراطي ومحاولة لخلق شرخ بين قوى الثورة المدنية والقوات المسلحة وتقويض للأسس التي قامت عليها المرحلة الانتقالية والتي لا تعرف سوى التحول المدني الديمقراطي الذي يريد رئيس مجلس السيادة ونائبه النكوص عنه وهو ما لن نسمح به وسنتصدى له بكل صرامة" حسب صحيفة السوداني الجمعة 2021/9/23. كما أصدر تجمع المهنيين بياناً تلاه خلال مسيرة دعا لها يوم السبت 2021/9/25 لدعم التحول المدني جاء فيه: "إن المحاولات اليائسة من فلول النظام البائد وبمباركة المجلس العسكري ما هي إلا تمهيد لما هو قادم وتدق ناقوس خطر إفشال الفترة الانتقالية".

لم تكن هذه التصريحات مفاجئة للكثيرين من أهل السودان بقدر ما نقلت ما كان يجري وراء الكواليس إلى الواجهة، فجُلّ أهل السودان يدركون هذا الصراع بين القادة العسكريين والمدنيين على كراسي السلطة منذ سقوط النظام البائد، ويدركون كذلك مماطلة المجلس العسكري؛ اللجنة الأمنية لنظام البشير، في تسليم السلطة إلا بعد مسيرات 30 حزيران/يونيو 2019 التي أرغمتهم على تقاسم السلطة مع المدنيين "قوى الحرية والتغيير" إلى حين تهيئة الظروف المناسبة للانقلاب عليهم ولكن الذي يحتاج إلى وعي أكبر هو ارتباط هذا الصراع بالخارج، أي هو في حقيقته صراع دولي على سيادة البلد وثرواته بين أمريكا وعملائها العسكريين من جهة، وبين أوروبا، وبخاصة بريطانيا وعملائها من المدنيين، من الجهة الأخرى، لذلك كان لا بد من إلقاء الضوء على ذلك فنقول:

أولاً: بريطانيا - معروف أنها هي التي كانت تستعمر السودان باتفاقية الحكم الثنائي البريطاني المصري، الذي يقول عنه اللورد كرومر "إن اللورد سالسبوري وزير الخارجية البريطاني بعث بمشروع هذه الاتفاقية، وتسلم بطرس غالي وزير خارجية مصر نسخة منها فقط للتوقيع عليها" ما يعني أن دور مصر كان اسمياً فقط وأن الاستعمار في حقيقته كان بريطانياً بالكامل، فبريطانيا هي التي انفردت بحكم السودان وهي التي صنعت الوسط السياسي فيه بعد أن أبقت على ابن المهدي عبد الرحمن، وكان وقتها في الخامسة عشرة من عمره وقضت على حركات التحرر الأخرى وهي صاحبة مفهوم السودان للسودانيين، لأجل فصل السودان عن مصر، والذي رعته جمعية سرية باسم "الاتحاد السوداني" تشكلت سنة 1921 من طلاب كلية غردون. ثم خرجت بريطانيا بعد أن سلمت السودان لعملائها من المدنيين والعسكريين، وظلت الطبقة السياسية موالية لها، خاصة حزب الأمة صاحب الشعبية الأكبر في البلاد، أما السيطرة العسكرية فقد فقدتها بعد انقلاب النميري الذي قضى على رجالاتها في القوات المسلحة، ولكنها ظلت تعول على مشاركة أمريكا النفوذ مستغلة الثورات الشعبية كلما ضاق الحال بالناس وخرجوا يهتفون ضد حكم العسكر، وعندما نجحت في إسقاط البشير جاءت بقوى الحرية والتغيير، واختير حمدوك رئيساً للوزراء بعد أن نجحت في تلميعه للناس، ويظهر ارتباط الحرية والتغيير ببريطانيا في مواقف كثيرة منها:

1- طلب رئيس الوزراء حمدوك من الأمم المتحدة إرسال بعثة أممية للسودان تحت البند السادس وهو الذي يسمح لها بالتدخل السافر في جميع شئؤن الدولة وهو ما أوردته سودان تربيون في يوم الاثنين 2020/2/10 حيث جاء في الخبر "طلب رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك من مجلس الأمن الدولي التفويض لإنشاء بعثة سياسية خاصة من الأمم المتحدة تحت الفصل السادس لدعم السلام". ونشرته أيضاً صحيفة القدس العربي "يجب أن تشمل البعثة كل أراضي السودان وتقديم الدعم التقني في وضع الدستور والإصلاح القانوني والقضائي، وإصلاح الخدمة المدنية وقطاع الأمن وبناء قدرات قوة الشرطة الوطنية". وقد وافق مجلس الأمن على ذلك في يوم 3 حزيران/يونيو 2020م وسميت البعثة (يونيتامس) وبدأت عملها بالفعل.

2- التدخل السافر للسفير البريطاني عرفان صديق في شئون البلاد حيث نشرت صحيفة التيار يوم الأربعاء 2021/1/27 "قال السفير البريطاني تعويم الجنيه الحل الوحيد لاستقرار الجنيه السوداني"، كما نشر موقع تأس برس في 2021/1/26 "السفير البريطاني المثير للجدل عرفان صديق يودع السودان بحزمة من الوصايا".

3- زيارات وزراء أوروبا دعما للتحول المدني الديمقراطي والتي بدأها مساعد وزير الخارجية الألماني للشؤون الأفريقية فيليب أكار مان مع الحكومة السودانية في يوم 2020/1/24. وفي يوم 2021/1/21 وصل وزير خارجية بريطانيا دومينيك راب إلى الخرطوم في أول زيارة من نوعها للسودان منذ أكثر من عقد دعماً للفترة الانتقالية، ودعاها لاتخاذ إجراءات اقتصادية دقيقة. كما وصل وزير خارجية فرنسا وأكد دعمه للحكومة الانتقالية. وكذلك صرح رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي فان دن دول، وسبق ذلك العديد من مؤتمرات ما عرفت بالدول الصديقة للسودان لتقديم المنح لدعم الحكومة الانتقالية.

والمعروف أن بريطانيا تريد تثبيت رجالها في البلاد عن طريق الحكم المدني وبالمقابل إثارة القلاقل للعساكر مثل كشفها زيارة البرهان لعنتيبي ولقائه بنتنياهو في يوم 2020/2/3 (موقع الجزيرة.نت). حيث نفى وزير الثقافة والناطق الرسمي باسم مجلس الوزراء آنذاك فيصل محمد صالح أي علم له بهذه الزيارة.

ثانياً: أمريكا - فهي رائدة فكرة الانقلابات العسكرية حيث إنها عندما انفتحت على العالم وجدت الدول الأوروبية تسيطر على مستعمراتها بواسطة العملاء فأرادت الدخول إلى تلك المستعمرات فابتكر ضابط المخابرات الأمريكية مايلز كوبلاند أن تدخل تلك المستعمرات عن طريق الانقلابات العسكرية، وبالفعل نفذت أمريكا أول انقلاب عسكري لها في سوريا وهو انقلاب حسني الزعيم سنة 1949م.

وفي السودان استطاعت أمريكا أن تدخلها عبر انقلاب النميري سنة 1969م ومن ثم قام بتصفية النفوذ البريطاني فيه وأحكمت أمريكا قبضتها على المؤسسة العسكرية التي ظلت تسيطر بها على البلاد إلى يومنا هذا. كما استطاعت عبر العسكر أن تنفذ إلى الاقتصاد وتحكم قبضتها على رؤوس الأموال الكبيرة بل وظلت تعاقب الشعب بوضع أكثر سوءاً كلما تمرد عليها وخرج يطلب الخلاص كما حدث في 1985م، واستطاعت بريطانيا أن تأتي بالأحزاب فكانت النتيجة أن خرج الناس يطلبون حكم العسكر والهتاف المشهور "لا سكر لا عيش عايزين حكومة الجيش"، وبالفعل جاءت بالجنرال عمر البشير وخلال فترة حكمه استطاعت أن تحكم قبضتها على مفاصل الاقتصاد بصورة أكبر بكثير مما سبق وأصبحت أكبر الشركات في البلاد تتبع للمؤسسة العسكرية كما عملت على إضعاف البلاد أكثر وتهيئتها للانفصال بل ونجحت بالفعل في بتر جنوب السودان عام 2009م ومنحت دارفور وضعا خاصاً واشتعلت الحرب في بقية ولايات البلاد.

والآن في ظل الحكومة الانتقالية أمسكت بملف السلام بوضعه في يد العسكريين لتديره حسب مصالحها رغم أن الوثيقة الدستورية نفسها لا تعطيها الحق في ذلك. وهي الآن تضيق على الناس أكثر وأكثر باستغلال جوع الناس وانعدام الأمن لينفضوا أيديهم من حكومة الفترة الانتقالية ويذهبوا إليهم ليطلبوا منهم النجدة صاغرين كما فعلوها في نهاية سنة 1988م وبدايات 1989م.

مما سبق يتضح لنا جلياً أننا ضحايا اللعبة الاستعمارية بين الدول الكبرى؛ أمريكا من جهة، ودول أوروبا من جهة أخرى، منذ أكثر من مائة عام إلى يومنا هذا، وأنهم يعاقبوننا كلما طلبنا الخلاص منهم بمزيد من التضييق.

إنه لا خير في مستعمر أمريكي ولا أوروبي فكلهم يطمعون في استعبادنا، وينهبون ثرواتنا، وإنهم يخادعوننا ويزرعون الفتن بيننا، وإذا شعروا أننا بدأنا نستفيق ونعي زادونا تضليلاً بإلقاء اللائمة على حلفائهم في الإقليم، الإمارات تارة، والسعودية تارة، ومصر تارة أخرى دون أن ننتبه أن حكام هذه البلاد هم عملاء لهم، مع أن شعوبها مسلمون غير أنهم مستعبَدون مثلنا. وإنه لا مخرج إلا بنظام مأخوذ من عقيدتنا وهو نظام الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، إذ هو النظام الوحيد الذي يوحدنا ويلم شملنا ويقوي شوكتنا وينصرنا على عدونا ويستيعد حقوقنا، وفوق ذلك يرضي ربنا سبحانه فنفوز في الدارين إن شاء الله.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمد منير - ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر