الخلافة إقامة للدين وعز وتمكين
الخلافة إقامة للدين وعز وتمكين

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «...ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ثُمَّ سَكَتَ» حديث صحيح. فالسؤال المصيري في هذه الحالة هو: أين المسلم من الخلافة؟

0:00 0:00
السرعة:
April 02, 2018

الخلافة إقامة للدين وعز وتمكين

الخلافة إقامة للدين وعز وتمكين

لم تكبر وأنت طفل صغير في لهفة وشوق للعلم الشرعي بل كبرت وقدوتك نجوم إعلامية اهتماماتها سطحية، ولم تسمع عن رابطة العقيدة الإسلامية ولم تدرس كيف تتحقق وحدة الأمة الإسلامية من ناحية شرعية، علموك أن الإسلام لحية لا تتحدث عن السياسة، وأن الإسلام أعمال خيرية "سلمية"، وإن كنت طفلة فأنت لم تتعرفي على مواصفات الزي الشرعي الصحيحة التي تلتزمها المسلمة أينما كانت، ولم تشرح لك كل هؤلاء المعلمات مكانتك في الإسلام يا من أنت عِرض يجب أن يصان، كرامتك فوق كل اعتبار، لا يسمح الحاكم بإهانتك، ولا لقدرك من انتقاص، يريد هؤلاء أن تكون المسلمات مثل النساء السافرات يلبسن ملابس الغربيات الكافرات، فكيف إذاً تُحرَّك من أجلك الجيوش؟ بل جعلوا الخوف والتشويش وفقدانك للهوية عذابك وأنت تعيشين في ذلك "الوطن"! رجلا كنت أم امرأة قد كبرت وكبر أقرانك على نباح ونعيق لا يحترم العقل ولا يحتكم إلى الدين، يجبر المسلم على حب كل ما لا ينتمي إلى العقيدة الإسلامية، من ذلك "حب الوطن" والتغني بـ"الوطنية"؛ ولم تفهم قطعاً ما يقصدون بالوطن غير أن تقف أمام الخرقة البالية الملونة التي تضرب لها التعظيم والتحية كل صباح، وفي نفسك أنت لا تستوعب معنى أن تكون "وطنياً" وإن كنت تدرس في مرحلة الأساس أو المراحل المتوسطة أو الثانوية وحتى الجامعية؛ فماذا يريد منك هؤلاء وبماذا يطالبونك في مناهج التعليم ووسائل الإعلام والبرامج الانتخابية؟!

هذه المفاهيم التي تُجبرك أن تطيعها دون تفكير وعلى الجميع أن يتقبلها! يريدون أن لا تفكر وأن لا تعترض، وكأن ما يلقون عليك هو من الثواتب والمسلَّمات غير القابلة للنقد والنقاش! فالوطنية تتبع مفهوما خطيرا وهو مفهوم الانصياع للنظام الحاكم، ذلك الكيان الذي يتحكم بالوطن ويغسل الأدمغة ويتحكم بالعقول، هو الذي يبطش بالناس بقوة الجيش والأمن والشرطة، ليرسخ عند المحكومين عقيدة الاستسلام للاستعباد، لينحرف عن مفهوم عبادة الله الواحد الأحد وطاعته الطاعة المطلقة والعيش وفق أحكامه الشرعية، فرضوا على المسلمين مفاهيم منحطة تدور في فلك حدود مصطنعة؛ حدود "الوطن"... وطبقوا قوانين غير شرعية هي في أصلها إرث الاستعمار الغربي الذي قسم الدولة الإسلامية العالمية الواحدة إلى حظائر أسموها "أوطاناً"، حكمها عملاء طغاة رويبضات، يطبقون هذه القوانين الوضعية الظالمة، الفاسقة، الكافرة، الهدف منها فصل الإسلام عن جميع مفاصل حياة المسلمين.

وهذا هو سبب أنك لم تفهم هذه المعاني وهذه المطالبات لأنها مفاهيم منفصلة عن كونك مسلماً تصلي وتصوم وتفرح بالأخوة الإسلامية، لأنك مسلم تطمئن نفسك باجتناب النواهي وتحرص على القيام بالفروض، مسلم يشتاق إلى تعلم الثقافة الإسلامية، ويسعد بدراسة تفسير القرآن الكريم وشرح الأحاديث الشريفة وتاريخ المسلمين ليتخذ منها نبراساً ونوراً يهديه في الدنيا، ليسير في طريق الهدى، لينال رضا المولى وليفوز في الآخرة؛ فالمسلم وأسرته وأقرباؤه وجيرانه ومجتمعه؛ الجميع ينفرون من كل ما يغضب الله تعالى، ويحبون رسوله e، يستنكرون أفعال هؤلاء الذين يروجون للوطنية والعلمانية والحريات والديمقراطية، من ينشرون هذه المصطلحات الدخيلة التغريبية، الذين يجبرون المسلمين على العيش عيشا لا يليق بهم، لا يليق بهم لأن الله تعالى قد جعل الإنسان خليفته في الأرض، فما هذه الحال التي وصل إليها الناس؟!

يبذل هؤلاء الجهود والأموال والتحالف مع الأعداء في إبعاد المسلمين عن الإسلام، ويتفاعل مع دعوتهم الشيطانية ضعاف الأنفس ومن كان شقياً، أكلت المصالح المادية الدنيوية عقولهم وران على قلوبهم!

يعيش الناس بسببهم في ضنك؛ فالظلم والقمع والقهر والفقر والمرض والكفر بأحكام الله هداياهم اليومية للرعية!! وفي الحقيقة هكذا يجعلونك مستعبداً ومحكوماً لهم ومُتحكَّماً فيك بحبال فكرية حتى تصمت وتتلقى ضرباتهم الواحدة تلو الأخرى حتى تموت، فأوهموك أنك عاجز وليس لديك حل للخروج من هذه المؤامرة الكونية! فتحتار كيف تكون هذه الحداثة المنحطة والليبرالية والرأسمالية الجشعة عنوان نهضة البشرية؟ وأنت من تحمل كتاب الله عز وجل وأمتك أمة الخيرية؟ ينتابك شعور الأطفال الذين فقدوا أمهم وتُركوا بدون راعٍ يرعاهم، فالمسلمون اليوم كالأيتام على موائد اللئام، فدستورهم ليس قرآنهم ولا حياتهم حياة إسلامية سعيدة، فالخزي والعار يتربص بهم بسبب الأنظمة الحاكمة التي تعمل على تشويه الدين وتعطيل أحكام رب العالمين، ألا ترتعب وأنت تتلو كلام الله وتتفكر فيه؛ قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾. [البقرة: 85]؟!

فالهوة بين واقع المسلمين الحالي وبين وما يجب أن يكون عليه إن كنت تعيش في أرض يحكمها الإسلام هوة شاسعة، فتطبيق شرع الله كاملاً واجب بإجماع المسلمين، وهو امتثال لأمر الله تعالى ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49]. لكنك تعيش ضمن نظام يشجع الكفر والفساد والانحلال والظلم، لا مكان فيه للتقوى والنقاء والعفة والحياء والعدل! فكيف يؤدي الإنسان دوره كخليفة لله تعالى على الأرض والنظام الظالم سلبه هذا الحق؟ وكيف يحقق المسلم تأسيه برسول الله e على أرض الواقع فيسير على نهجه حتى يعيش في ظل الحكم بما أنزل الله سبحانه في دولة الخلافة الراشدة القائمة قريبا بإذن الله؟!

قال رسول الله e: «...ثُمَّ تَكُونُ مُلْكًا جَبْرِيَّةً فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ تَكُونَ ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ ثُمَّ سَكَتَ» حديث صحيح. فالسؤال المصيري في هذه الحالة هو: أين المسلم من الخلافة؟ وأين هو من العمل لإقامة دولة المسلمين وإزاحة الأنظمة الحاكمة التي لا تحكم بما أنزل الله؟ وأين خليفة المسلمين الذي يطبق الإسلام كاملاً فيهنأ المسلمون، بل وغير المسلمين بالنظام الرباني العادل والذي كان مطبقاً قبل 97 سنة، ومنذ أن هدمت الخلافة العثمانية لم تر البشرية نهضة فكرية مبدئية صحيحة تأخذ بيدها من الظلمات إلى النور، فإقامة دولة الخلافة إقامة للدين وعز وتمكين للمسلمين، الخلافة تصحيح لمسار البشرية جمعاء والحل الوحيد لمشاكل الأفراد والمجتمعات والدول.

نعم! إن الخلافة هي انعتاق من استعباد العباد وعودة إلى عبادة رب العباد وخير وبركة يتوق إليها المسلم أينما كان، وبالخلافة تحرر بلاد المسلمين وتحطم القيود والحواجز والسدود وتتحقق وحدتهم فهي التي ستجمعهم تحت راية العقاب، راية رسول الله e وبها تحل أزمة الحكم والسلطة وتُمنع الأزمات الاقتصادية والعسكرية والتعليمية والاجتماعية، وبها ترجع الأمة الإسلامية إلى مكانتها في قيادة الأمم، فليشحذ المسلمون الهمة لاعتلاء القمة نصرة للإسلام والله ينصر من ينصره، وإن الوقت لم يفت على استعادة ما سلبه الطواغيت، بل لقد آن الآوان لأن نريهم أن المارد قد استيقظ وأن استغفاله واستغلاله لمصلحتهم لن يدوم يوماً آخر، ولقد حان وقت سحب البساط من تحت أرجل أعداء الدين وأذنابهم المنافقين لينعم العالم بالأمن والأمان والعدل والاستقرار...

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

غادة محمد حمدي – ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر