الكلمة الثانية: لماذا تأزمت الديمقراطية في عقر دارها؟
March 13, 2021

الكلمة الثانية: لماذا تأزمت الديمقراطية في عقر دارها؟

الكلمة الثانية

لماذا تأزمت الديمقراطية في عقر دارها؟

محمود كار

رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية تركيا

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

مشاهدينا وضيوفنا؛ إخواننا الكرام!

مرت تمام المائة سنة على يوم هدم دولة الخلافة العثمانية على أيدي الإنجليز وعملائهم المحليين. ومرت خمس وسبعون سنة على احتلال كيان يهود للمسجد الأقصى المبارك. ومر من الزمان أكثر من ثلاثين سنة على انتهاء الحرب الباردة. ويمكننا القول بعد ذلك إن العصر الأمريكي أيضا آذن بزوال من بعد زوال عصر أوروبا الصناعي، لأنه لم يبق بين أيدي الكفار الغربيين ما يقدمونه للإنسانية سوى ديمقراطية عفنة.

كانوا يظنون أنهم بديمقراطيتهم سيبقون الإنسانية في سبات سنين مديدة، وكانوا يحلمون بتأسيس حضارات ديمقراطية فوق تراب بلاد الإسلام. وفي الواقع فهم يعلمون يقينا أن أحلامهم هذه غير قابلة لأن تتحقق، لكن لم يبق في أيديهم حيلة. وما بقي لهم في اليد سوى شيء واحد، هو الديمقراطية العفنة. فقاموا باحتلال أفغانستان والعراق وسوريا حاملين وعود الديمقراطية، وقدموا للأنظمة العميلة لهم في تونس ومصر وليبيا، وعود الديمقراطية مادة للبقاء. ولأجل ذلك قاموا بتشجيع جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر، وحزب الرفاه في تركيا، والإخوان المسلمين في مصر، وحماس في فلسطين على خوض الانتخابات الديمقراطية، لكنهم لما لم يجدوا ذلك مناسبا لهم في مصر قاموا بالانقلاب على مرسي الفائز بالانتخابات ودعم السيسي الانقلابي ضده.

المشاهدين الكرام! هكذا يكون حساب أمريكا والغرب مع الإسلام والمسلمين، حساب كوني دام مائة سنة، وما بقي بين أيدي الكفار من سلاح يستخدمونه في هذه المحاسبة سوى سلاح ثقافي هو سلاح الديمقراطية البالية. لكن من المؤلم أن يوجد بيننا حكام خونة عملاء هم من يستخدمهم الغرب كسلاح ضد المسلمين. هؤلاء الذين رأوا في احتلال أمريكا للعراق استقداما للديمقراطية إلى المنطقة، وكان من هذا الفريق رئيس الجمهورية التركية أردوغان الذي عمل بإخلاص سنين طويلة في رئاسة مجموعة مشروع الشرق الأوسط الكبير. ومن سوء حظهم فقد ذهبت جهودهم تحت مطحنة الربيع العربي أدراج الرياح.

وعلى شاكلة أولئك الحكام يوجد علماء حداثيون وأكاديميون يقولون إنه لا يوجد في الإسلام نظام خاص به، وإن الخلافة فكرة طوباوية (خيالية)، مع أن الطوباوية على حقيقتها تتمثل في الديمقراطية، التي هي نظام متخيل لا يتصور تطبيقه. لماذا؟ لأنه لا يمكن لشعب ما أن يمارس الحكم والإدارة، ولا تتمثل إرادة الأغلبية الشعبية في أي واحدة من هذه الأنظمة. وأكثر البلدان المنتحلة للديمقراطية إما أنها تدار بواسطة أقلية أو بحكومات تتكون من تحالفات حزبية. ولذلك فإن القول بأن "البلدان التي تطبق الديمقراطية، تعكس برلماناتها وجهة نظر الأغلبية" إنما هو كذب ومخادعة.

وأبرز أمثلة على ذلك نراها شاخصة في الدول الغربية، فإنه مهما يكن رئيس الدولة أو مجلس الشيوخ في أمريكا مثلا يأتيان بناء على انتخابات، فإن المحدد لانتخابهما ليست هي الإرادة الشعبية، وإنما إرادة شركات المال الرأسمالية. وهكذا فإن جميع رؤساء أمريكا وأعضاء مجالس شيوخها المنتخبين هم حتى اليوم ممثلون لإرادة أصحاب شركات النفط والسلاح، وهم الذين يمولون في انتخابهم كل شيء حتى دعاياتهم الانتخابية.

والديمقراطية التي قامت أمريكا باستثمارها لتستفيد منها أزمنة طويلة، آخذة بالضمور فالانهيار يوما بعد يوم، ولذلك فقد تم التذرع بذرائع حقوقية من أجل التمويه على الخرافات التي صدرت من الرئيس السابق ترامب لحماية استمراره في الإدارة، والآن يقوم بايدن بالعمل على تنظيف الأنقاض التي تركها ترامب. لكنه مع قيامه بذلك فهو يريد من جهة أخرى الأخذ بالانتقام، وهكذا ستبقى أمريكا منشغلة في دائرة مشاكلها وتخبطاتها الداخلية.

لقد وصلت أمريكا إلى حالة لم تعد تستطيع فيها استخدام مقولتها المخادعة السحرية "جئناكم بالديمقراطية" في المحافظة على استعمارها للبلاد الأخرى، ذلك أن الشعوب والناس في سائر البلاد صاروا يقولون: فلتعمل أمريكا على إيجاد الديمقراطية فوق أراضيها أولا، وليطبق الغرب الديمقراطية فوق أراضيه وبين شعوبه أولا.

لن يستطيعوا إيجادها ولا تطبيقها، لأن الديمقراطية ليست سوى أكبر كذبة في المائة سنة الأخيرة من كذب الشركات والدول الاستعمارية ليخدعوا بها الشعوب.

لقد رأيتم ردة فعل أمريكا على مظاهرات الخامس والعشرين من آذار/مارس 2020 بعد قتل جورج فلويد في مينيسوتا على يد موظف من الشرطة، لقد هدد ترامب باستخدام القوة المدججة بالأسلحة الثقيلة في حال قام المحتجون بمحاولة اجتياز جدران البيت الأبيض، لكن ترامب نفسه عندما أحس بفقدانه الانتخابات، لم يقم بمنع أنصاره من اقتحام مبنى الكونجرس! هل يمكنكم تصور ذلك؟ الشعب في أمريكا التي تنشر الديمقراطية في العالم، يرى الانتخابات غير شرعية، فيقتحم مباني الإدارة في الدولة، ويتمرغ حلم أمريكا بالتراب.

ولو كانت الديمقراطية شيئا حقيقيا، لمدت أمريكا يدا إلى شعبها أولا، لكنها لم تفعل، وإنما حولت السلاح إلى صدره.

الديمقراطية ليست سوى نظام قبيح باعث على الاشمئزاز، عفن بالٍ، في حقيقة الأمر، فالحريات الديمقراطية آخذة بالإنسانية جمعاء نحو الهلاك. يريد الناس فيها حيازة كل شيء، فإن لم يستطيعوا صاروا في ضيق، ويقولون: إن المال أساس الحياة، مع أن المال في جميع الأنظمة الديمقراطية مجتمِع في أيدي حفنة من الناس في المجتمع، وهذه الأقلية تقوم برهن الإرادة الشعبية لصالحها في واقع الأمر، وتقوم بإعطاء الأنظمة محدداتها.

-      يعيش نصف سكان العالم، أي أكثر من ثلاثة مليارات من البشر على أقل من دولارين في اليوم.

-      ويعيش مليار ونصف المليار من الناس على أقل من دولار في اليوم.

-      وهكذا يحوز عشرة بالمائة فقط من سكان العالم سبعين بالمائة من مجمل الدخل العالمي، بغير وجه حق.

-      ويبلغ عدد الذين يعيشون عند خط الفقر المدقع 1,1 مليار إنسان.

-      ويفقد أكثر من 10 ملايين طفل حياتهم كل عام جوعا.

ولرؤية مبلغ الفساد في الدول الغربية التي تطبق الديمقراطية، أريد مشاركتكم بعض البيانات الإحصائية الإضافية أيضا:

-         ينتحر شخص في أمريكا كل 11 دقيقة، وفي حزيران الماضي أفيد بأن 40٪ من البالغين في الولايات المتحدة يعانون من اضطراب عقلي أو تعاطي المخدرات.

-      ويقتل في أمريكا أيضا شخص كل 23 دقيقة، وتغتصب امرأة كل دقيقتين، ويتعرض شخص كل 49 ثانية للهجوم.

المشاهدين الأعزاء:

إن صحة أو خطأ أي نظام مرتبط تمام الارتباط بصحة قاعدته الفكرية أو خطئها، واليوم يتم تزيين الديمقراطية التاريخية التي جربت في أمريكا وأوروبا وتقديمها بين أيدي المسلمين، ولو نظرنا أدنى نظرة إلى التجربة الإنسانية للديمقراطية، لما رأينا شيئا سوى العفن والفساد. وإذا نظرنا في الجهة الأخرى إلى التجربة السياسية الإسلامية التي استمرت 13 قرنا، لوجدنا الاستنارة والانتشار. لكن الخونة حكام المسلمين للأسف، أفكارهم مليئة بالعقد، وأما علماؤهم فيمموا وجوههم قبل الغرب، وصار نشر الديمقراطية الغربية في بلادنا شغلهم الشاغل، وكأنه لا وجود لمشروع خاص بنا، وكأن الإسلام لم يضع مشروعا للحكم والإدارة!

ونحن بعد كل ذلك نقول بملء أفواهنا: نعم! نحن طلاب الخلافة، لأننا نملك مشروعنا الذاتي، لأننا نقول إن الإسلام عقيدة تقتضي شريعتها الكاملة العامة تنظيم جميع مناحي الحياة بغير استثناء. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِيناً﴾.

ولهذا نحن نقول أيضا: إن لنا مشروعنا الصحيح، مشروع الخلافة الراشدة. والخلافة الراشدة هي شكل نظام الحكم الذي يمكن به تطبيق الإسلام. وإقامة الخلافة الراشدة هو فرض ظاهر تمام الظهور.

وأنهي كلمتي بمشاركتكم فقرة قصيرة من الخطاب الذي وجهه أمير حزب التحرير، عطاء بن خليل أبو الرشتة إلى الأمة في مؤتمر الخلافة الذي أقيم قبل ست سنوات في إسطنبول، بعنوان: "النموذج الرئاسي الديمقراطي، أم نموذج الخلافة الراشدة؟"، حيث قال أميرنا الكريم: "فالخلافةُ الحقة ليست مجهولة... إنها نظامٌ مميز بيّنه رسول الله ﷺ وسار عليه الخلفاء الراشدون من بعده، فليست الخلافةُ امبراطوريةً أو ملكية، ولا جمهوريةً رئاسية أو برلمانية، ولا دكتاتوريةً أو ديمقراطيةً تشرّع من دون الله، ولا أيَّ نوعٍ من الأنظمة الوضعية، ولكنها خلافةُ عدلٍ، وحكامُّها خلفاءُ أئمة، يُتَّقى بهم ويقاتل من ورائهم... إنها خلافةٌ تحمي الدماءَ، وتصونُ الأعراضَ وتحفظُ الأموالَ، وتفي بالذمة... تأخذ البيعةَ بالرضا والاختيار لا بالقهر والإجبار، يهاجرُ لها الناسُ آمنين لا أن يفروا منها مذعورين."

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر