الكلمة التي ألقيت في مؤتمر حزب التحرير المنعقد في أمستردام-هولندا في 25/6/2011   تحت عنوان: الثورة في العالم الإسلامي - الخطوة الأولى إلى دولة الخلافة الراشدة    الثورة في سوريا
June 28, 2011

الكلمة التي ألقيت في مؤتمر حزب التحرير المنعقد في أمستردام-هولندا في 25/6/2011 تحت عنوان: الثورة في العالم الإسلامي - الخطوة الأولى إلى دولة الخلافة الراشدة الثورة في سوريا

اقترب عدد من قتلهم النظام السوري وأجهزة أمنه من 1500 قتيل - نحسبهم عند الله تعالى شهداء- ، ولا تزال الآلة القمعية تشتد حدّتها في مختلف المدن والقرى السورية. كما لا يزال التعتيم الإعلامي مفروضاً على البلاد، ولا يُسمح إلا لإعلام النظام بنشر الأكاذيب والتضليل الذي وصل حداً من الكذب والاستغباء للعقول بشكل مقيت وأكثر من ممجوج. في حين أن مشاهد "الفيديو" التي يتم تسريبها من داخل الشام الأبية تعطي وبوضوح صورة مؤلمة عمّا يجري من قتل وقمع وتسيير للآليات العسكرية وكأنّ النظام في حالة حرب مع عدوّ جبّار!! حتى إن النساء والأطفال لم يُستثنوا من القتل في الطرقات بدم بارد! ومع كلّ هذا فإن سوريا تُعامل من قبل كافة بلاد العالم وخاصة من الدول الكبرى وكأنها ليست من الكرة الأرضية. وبغض النظر عن الصراع الدولي المقيت عليها وهدفهم منه فإن الصمت الدولي المطبق يكشف عن الأهمية القصوى لبلادنا عموما ولبلاد الشام خصوصاً ولسوريا بشكل محدد، أهميتها عالميا وإقليميا. ولا أخفيكم سراً أننا حتى نحن أبناء تلك البلد والذين نشأنا وترعرعنا فيها بل وعانينا من الأنظمة السياسية التي مرت عليها، ظلما وعدوانا علينا وعلى أهلينا، بل إن واحدنا يأسى على جيل من الآباء والأجداد لم يروا في حياتهم إلا الظلم والفقر والعوز باسم اشتراكية طٌبقت قسراً عليهم، ثم "بجَرّة" قلم جرى التخلي عنها والقفز بلا أي تخطيط أو استعداد كعادة حكام البلاد الإسلامية إلى الرأسمالية، أقول لا أخفيكم سرا أننا حتى نحن لم نكن نتوقع هذا الظلم العالمي تجاه هذه البقعة من الأرض الإسلامية.

وبغض النظر عن كيف بدأت الثورة في سوريا، فإنها بدأت كي تنهي العهد الجبري الذي عانى المسلمون منه ما عانوا، يجب ان نعترف أن حزبنا العظيم قد أبدع بوصف الأحداث قبل أن تحدث، فعندما قال بأن البلاد التي تتعرض للظلم والقهر والاستبداد هي أكثر الأماكن المرشحة للتغيير كان ينظر للمستقبل ويصفه كأنه حاضر. لقد احتار الناس وخاصة حملة الدعوة بأمر سوريا لعهود طويلة.. وحيّرت بلاد الشام كل مفكر، إلا قيادة حزب التحرير التي مهما أجزلنا لها من طيب الكلام لا نوفيها حقها عبر نصف قرن من الزمن، تزامن نضال الحزب فيه مع مصائب بلاد الشام التي ابتليت بها وإني أرى -وهذه رؤيتي الشخصية- أرى تلاحما حيويا بين ماحدث ويحدث في بلاد الشام وبين مسيرة الحزب ومعاناته ونصره القادم بإذن الله. ولا ننسى الشباب الذين قضوا تحت آلة النظام رحمهم الله والشباب الذين مازالوا في أقبيته يتجرعون كأس الألم والعذاب، فرج الله أسرهم، فهؤلاء بحق هم الأبطال الذين زرعوا هذه البذرة الطيبة فأنبتت في بلاد الشام مانراه ونسمعه اليوم من توق للعودة لشرع الله.

وحتى لا أطيل عليكم، فللحديث شجون، فلن أخوض بمسيرة الثورة اليومية وأحداثها الدامية والهامة، وهذا كله أنتم مطلعون عليه، فأنتم عيون الأمة التي لن تبصر إلا بكم ولن تتلمس سبيل النجاة إلا بالمخلصين أمثالكم، فلولا حزب التحرير ولولا شبابه الأبطال في الداخل، لما رأينا بتقديري ثورة شامخة ثابتة قوية تصرخ ليل نهار في وجه جلاديها: (طالعين بالملايين علجنة رايحين، والموت ولا المذلة)، بل نرى تتويج أفكاركم أيها الشباب قد اختصره أهلكم في الداخل بقول واحد هو فصل لا بالهزل حين قالوا: لا للسلطة ولا للجاه.. هي لله هي لله.

الحقيقة التي يجب أن لا نغفلها هنا هي أن النظام السوري لا مثيل له في العالم ولا في التاريخ الحديث، فقد تسرب من الدوائر الأمنية أنه منذ الثورة التونسية المظفرة ارتعدت فرائص النظام فقام بوضع مخطط شيطاني وبدأ من ذلك الوقت بتنفيذه للتصدي لأية تحركات أو تظاهرات ضده. وقام كبيرهم بتعليم السحر لأذنابه وتلمذهم في مدرسة إبليس لمقاومة أية حركة شعبية قد تحدث. ومن ذلك أنه منذ تلك الأيام منع التلفونات النقالة عن كل أفراد الجيش، ومنع عنهم كل الفضائيات والإذاعات إلا الفضائيات السورية الرسمية وشبه الرسمية. مما يدل بشكل قاطع أنه أكثر ما يتخوف منه هو تمرد الجيش عليه. وأعد خطة المؤامرة والمندسين وجند لها أبالسته.

 ولكن ماهو الجيش؟

قوام الجيش السوري ليس طائفيا كما يتصور بعض الناس، بل هو يحوي كل أطياف الشعب السوري تقريباً. ففيه أهل السنة كما فيه النصارى والطوائف الأخرى. ولكن القيادات فيه طائفية فهي في معظمها علوية أو لغير العلوية ممن هم أكثر ولاء وإخلاصا للنظام من طائفته نفسها. فنرى مثلا رستم غزالة وهو سني من حوران أنه أكثر سوءا من آصف شوكت وهو النصيري ابن البيت الرئاسي الذي انتسب له وارتبط به. لقد حاول النظام أن يحول بين الجيش وبين أهل المدن الكبيرة بغض النظر عن كونهم في الغالب من أهل السنة، واعتمد بشكل كبير على أهل القرى والمدن الصغيرة التي كانت ترى في نفسها في عهد ما قبل حزب البعث أنها مظلومة، حيث كان الإقطاعيون هم المتحكمين بالبلاد والعباد، فجاء البعث باسم القضاء على البرجوازية وتحرير العامل والفلاح. فأهل المدن نظروا إليه من ناحية دينية بأنه ملحد بينما نظر له أهل القرى بأنه محرر لهم من استبداد الإقطاعيين. لذا كانت سياسته قائمة باستمرار على نظرته هذه المبنية على ولاء الفلاحين والعمال وعداء المدن الكبيرة وأهلها. فقام بتمييع تجمعات أهل المدن الكبيرة مثل دمشق وحلب وذلك بتشجيع الهجرة من الريف للمدينة وبإزالة الأحياء القديمة بحجة التحديث وإقامة أحياء حديثة مكانها وخلط الناس فيها. وبذلك وجد أهل المدن أنفسهم بعد عقدين من الزمن في حالة تشبه أهل فلسطين. فإما أنهم غرباء في مدينتهم أو أنهم خرجوا لريفها كما نرى في حالة دمشق حيث أهل ريف دمشق هم في غالبيتهم من أهل دمشق القديمة.

واعتمد النظام بشكل شبه كامل على أبناء منطقة حوران والساحل السوري والجزيرة في بناء الجيش وقام بتسريح كل من لا ولاء لهم حسب رأيه. فصار الجيش بيد أهل حوران، بل إن "الحوراني" كان مَهـِيبَ الجانب في المدينة. بل إن أبناءهم تبؤوا المراكز الحيوية في مؤسسات الدولة وفي الجامعات والسفارات وغيرها، وكانوا من أكثر المدافعين عن هذا النظام ومن حماته.

وكما يقول المثل العربي "من مأمنه يؤتى الحذر"، فكانت شعلة الثورة من حوران واستعارها في الساحل واندلاعها بزخم من الجزيرة. صحيح أن الشعب لم يعتد التظاهر وأن الثورة بالنسبة له كانت كالتفكير الذي ينقصه المعلومات السابقة كي يكتمل، فكانت الأسابيع الأولى هامة له كي يجمع ما أمكنه من معلومات يقع عليها حسه ساعدته في شد العزيمة والاستمرار بزخم وقوة في ثورته.

إلا أن النظام أيضا ظهر ضعفه وعواره بأنه أخطأ الحسابات كثيرا عندما ظن بأن ضربات موجعة وسريعة للشعب ستنهي كل تمرد وستدفعه للعودة تحت الأرض وتهدأ الأمور. فكانت الضربات كلما ازدادت كلما أيقظت فيه حب الحرية والنزوع للسيادة وكسر القيد والخروج أكثر وأقوى. بل أذهل العالم بصدوره العارية أمام الآلة العسكرية التي هي قاتلته، يخرج ولا يخشى إلا الله. فقويت العقيدة الروحية عند الأمة بذلك واستعرت المعركة بين إسلام الشعب وكفر النظام، فكانت معركة من حيث المعدات غير متكافئة إلا أنها وبالقوة الروحية التي عند المسلمين ظهر بها ثباتهم وإصرارهم.

ومعروف أن النظام الأمني المجرم في سوريا لن يتنحى بسهولة، ولن يكون خروجه من الحكم خروجاً عادياً. لأنه يعتبر أنه يخوض معركة ضد الشعب وأنه أيضا إما قاتل وإما مقتول. هذه الحقيقة أدركها الداني والقاصي، وعرفها الثائرون وقرروا دفع ضريبة سنوات الخنوع والخضوع التي قاربت من النصف قرن. ومع الصمت العالمي والإقليمي المذهل عرف أهل الشام انهم وحدَهم وأنهم لا ملجأ لهم إلا لله.. فاشتدت العزائم وقويت الهمم واصطف الناس في الساحات والشوارع يصلون ويبتهلون لله وهم يودعون بعضهم بأن لقاءنا في الجنة بإذن الله.

المخاطر على الثورة:

إن أهم الأخطار التي تحدق بالثورة في سوريا هم الفئة التي تظن أنها من الأمة ولكنها لا تريد للأمة أن تصل لمبتغاها. أقصد بذلك العلمانيين بشكل عام.

هؤلاء يرفضون التحول إلى الإسلام ويغيظهم الخروج كل جمعة من المساجد، وصمتهم حاليا سببه خوفهم من بقاء النظام، لكنهم هم الذين أرادوا سحب البساط من تحت الإخوان المسلمين حين اجتمع الإخوان في استانبول للتحضير لمؤتمر بروكسل فعقدوا مؤتمر انطاليا. وأصروا -أعني العلمانيين- على علمانية الثورة وعلى أن سوريا ما بعد الثورة هي علمانية. وعلى رأسهم أعضاء ما سمى بإعلان دمشق بالإضافة للأكراد وبعض أعداء الإسلام واذيال أوروبا وأمريكا.

أيها الأخوة :-

إن الأمر الآن لجد خطير، والساحة بعد سقوط هذا النظام سيحتدم الصراع فيها. والناس على وعي كبير على الحكم بالإسلام، ولكن ما يُخشى هو ترهيبهم أو الالتفاف عليهم للحيلولة بينهم وبين الحكم بما أنزل الله. وهذا قد يشترك فيه العلمانيون كما الإخوان. ولم يبق أمل بعد الله إلا بكم أيها الشباب فقد آن الآوان الآن لتسمية الأشياء بأسمائها والتأكيد على أن هذه الثورة ما قامت وهذه الدماء ما سُفكت إلا لله، والله لا يرضى إلا بدولة على منهاج النبوة، وهي دولة الخلافة فقط. هذا يحتاج إلى عمل مكثف وهمم عالية وتضحيات. سيمتحنكم بها سبحانه وتعالى، فالشام إن قامت قامت الدنيا معها. وهي إن قامت فلن تقوم إلا بأيدي متوضئة تخشى الله وتتبع سبل رسوله الكريم في الحكم بما أنزل الله.

الخلاصة:

أثبتت الأحداث الأخيرة في البلاد العربية أنه لا يمكن أن يحصل أي تغيير حقيقي في أي بلد من بلاد المسلمين بدون الجيش، وبدون التأثير الحقيقي لأهل القوة فيها، وهذا يؤكد ما تبنـّاه حزب التحرير واستنبطه من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث سعى صلى الله عليه وسلم إلى طلب النصرة من أهل القوة والمَنعة في الكيانات السياسية التي كانت قائمة في الجزيرة العربية، واستمر صلى الله عليه وسلم في طلب النصرة من مظانـّها من أهل القوة رغم المشقة التي واجهته في سبيلها، حتى استطاع صلى الله عليه وسلم أن يقيم دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة. وهذا الذي يتبناه حزب التحرير ويصرّ عليه طاعة ً لله تعالى، والتزاماً بسيرة رسوله صلى الله عليه وسلم. ومن هنا أتوجّه للجيش في سوريا ضباطِه وأفرادِه أن يعقدوا العزم على نصرة حزب التحرير، والتخلص من النظام الجائر في سوريا، وأنه بهم وحدهم يوضع حد للمجازر التي يرتكبها النظام السوري ضد أبناء الأمة في الشام.

[ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ]

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أبو هاني 

أمستردام

المزيد من القسم سياسة

يا علماء الأزهر: الشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار!!

ذكرت جريدة اليوم السابع في 26/10/2015م، أنها حصلت على نسخة من تقرير مهم لمرصد الأزهر الشريف أكد فيه "أن التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة "جائزة"، ما دامت ليست من قبيل الاستعانة بالمشركين على المسلمين طلبا لخذلان المسلمين، كما ذكر أن من مقاصد الشريعة عمارة الكون ولتحقيقها تمت الاستعانة بهم في نواح عديدة، منها الإدارية والصناعية والكتابية والقتالية وغيرها، واستدل بأن الرسول r استعان حينما هاجر إلى المدينة برجل مشرك ليدله على الطريق، وكان له غلام يهودي يخدمه بالمدينة، ولما قدم إلى المدينة كتب معاهدة بين المسلمين واليهود جاء فيها: (وأن بينهم النصر على من داهم يثرب)، ولما توجه رسول الله إلى مكة عام الحديبية ووصل إلى ذي الحليفة أرسل عينا له من خزاعة يأتيه بخبر قريش، وكان ذلك الرجل مشركا"، ليختم قائلا: "أما التحالف مع غير المسلم في مواجهة جماعة متطرفة تهدد أمن المجتمعات وسلامتها فعلينا هنا أن نفرق بين من يستعين بالمشركين على المسلمين طالبا خذلان المسلمين، قاصدًا هدم دولتهم، هادفًا إلى إضعاف شوكة الإسلام، كارها مبغضا لهذا الدين وأهله، فهذه الحالة نهى عنها ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وبين من يفعل ذلك ردا لعدوان فئة باغية لا يستطيع رد عدوانها وحده، مع احتفاظه بسيادة دين الإسلام في بلده ظاهرا غالبا، فلا مانع له أن يستعين بغير المسلمين تحقيقا لمصالح المسلمين؛ ولضرورة أمن المجتمع وسلامته".

من الواضح جدا أن الوضع في الشام يلقي بظلاله على المنطقة كلها، وأن هناك ترتيباً وتحضيرات لكي تصبح مصر مخلبا من مخالب أمريكا في الشام بإدخالها إلى حلبة الصراع كما فعلت في ليبيا من قبل، كجزء من حلف أمريكا في حربها الصليبية الجديدة بعد أن أوشكت روسيا على الفشل، وحتى لا يغضب أبناء الكنانة لتحرك جيشهم تجاه إخوانهم في الشام، ويكون هناك مبرر لقمع من يظهر الغضب منهم، فلا بد من مبرر قوي وفتوى شرعية لخداع أهل الكنانة وأبنائهم في الجيش حتى لا يؤرقهم فيما بعد تلوث أيديهم بدم إخوانهم في بلاد الشام، وبدلا من أن يصدر مرصد الأزهر وعلماء الكنانة بيانا وفتاوى تحرم تلك التحالفات على أبناء الأمة وتجرم الدخول فيها، وتبين وجوب نصرة أهل الشام وأهل فلسطين وغيرهم ورد كيد أعداء الأمة من أمريكا ويهود والغرب الكافر، أصدر المرصد تقريرا أجاز فيه التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة، ما دامت ليست من قبيل خذلان المسلمين، وكأن قتل المسلمين ليس خذلانا لهم أو أنه قد أصبح أحد مقاصد الشريعة، ولا ندري من أين أتى المرصد بهذه الفتوى وما دليله عليها؟! ولا عن أي شريعة وأي مقاصد يتحدث؛ فمقاصد الشرع تحفظ النفس المسلمة لا تقتلها بتحالف مع عدو الله ورسوله وعدو الأمة، والمعلوم من قول رسول الله r «إنا لا نستضيء بنار المشركين» ورده على المشرك الذي لحق بالجيش «إنا لا نستعين بمشرك»، أما الاستعانة في الأمور الإدارية فلم يرد تحريمها، وهي تختلف جملة وتفصيلا عن الاستعانة في القتال فضلا عن قتال المسلمين، والأصل فيها الإباحة ولا يجوز قياسها على قتال أهل البغي من المسلمين بأي حال من الأحوال، فهي ليست من الأمور الإدارية وإنما هي أحكام شرعية لأفعال الأصل فيها التقيد بأحكام الشرع المستنبطة من أدلتها، وما أتى به النص الصريح هنا في قتال طائفتين من المؤمنين ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه﴾ فالأصل في قتال طائفتين من المؤمنين أن نعمل على الإصلاح بينهما ثم يقاتل المسلمون، والمسلمون فقط دون غيرهم، الفئة الباغية طالما بقيت على بغيها حتى تعود عنه، ولا يجوز لهم أن يستعينوا بكافر على إخوانهم بعدوهم أبدا، فكما في الصحيحين «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وحتى نفصل في الفتوى يجب أن نستعرض واقع الأمة اليوم؛ حيث لا وجود لدولة إسلامية بالمفهوم الشرعي بل كلها بلاد إسلامية يسكنها مسلمون، يحكمها حكام ضرار مغتصبو سلطة وضعهم الغرب الكافر على رؤوس البلاد والعباد لرعاية مصالحه ولقهر الأمة واستعباد شعوبها للغرب الكافر، وكل من حاول الانعتاق من التبعية والتملص من ربقة الغرب يتسلطون عليه بسلاح ثمنه من أموال وأقوات الأمة واصفين كل من حاول الانعتاق بكل أوصاف التطرف والإرهاب والخروج.

وهنا مع هذا الواقع يكون واجب الأمة خلع هؤلاء الحكام وتنصيب خليفة واحد تكون رئاسته عامة لجميع المسلمين ويحصل الحكم ببيعة شرعية صحيحة ويحكم الأمة بالإسلام كاملا شاملا غير منقوص، ويكون له وحده حق تبني الأحكام الشرعية وسنها دستورا وقوانين، بهذا فقط يكون لدينا دولة إسلامية من حقها وحدها قتال البغاة والخارجين، أما هؤلاء الحكام وعلماؤهم وعملاؤهم فهم مغتصبون لسلطان الأمة محاربون لله ورسوله وأوليائه، وهم آخر من يقيم للإسلام وأحكامه وزنا أو احتراما في بلادنا ولا علاقة لهم لا بالشرع ولا بمقاصده، وأول من يدرك ذلك هم العلماء قبل عوام الناس من أهل الكنانة وغيرها، فلا يجوز لهم أن يبرروا ويشرعنوا خياناتهم في تجارة بالإسلام واستغلال واضح لجهل الناس بأحكامه لصالح حكام السوء ومن خلفهم الغرب الكافر عدو الإسلام والمسلمين، والذي يبررون الآن التحالف معه لوأد ثورة الأمة في الشام وغيرها، في محاولة يائسة لمنع عودة الخلافة على منهاج النبوة والتي أصبح نجمها يعلو في الأمة بعمومها والشام خاصة، والتي فضحت العملاء وعلماء السوء وأبت إلا أن تكشف كل متلون مخادع، ولن يبقى ثابتا إلا من يستحقون بحق أن يكونوا كأمثال الصحابة وأن تقام على أكتافهم دولة خلافة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض.

يا علماء الأزهر الكرام وأحفاد العز بن عبد السلام سلطان العلماء، لا تكونوا أكثر الخاسرين فتبيعوا دينكم بدنيا غيركم، ولن ينفعكم حكام السوء أو يغنوا عنكم من الله شيئا، فكونوا مع الحق الذي تعلمون وطالبوا أهل مصر الكنانة وجيشها بخلع حكام السوء وإعلانها خلافة على منهاج النبوة، ونصرة أهل الشام وفلسطين وسائر المستضعفين من أبناء الأمة، فهذا دوركم ودورهم، فأنتم ورثة الأنبياء وهم جند الله ورسوله ودرع الأمة وحماة الإسلام فحرضوهم على نصرة الله ورسوله تفوزوا وإياهم ويكون لكم وللكنانة السبق في ركب الجنة.

يا أهل الكنانة وعلماءها وجيشها، يا من كنتم للإسلام درعا وحصنا وكان للإسلام بكم عزٌّ ومنعة من للإسلام، إن لم يكن أنتم من ينتصر لحرمات المسلمات غيركم من يحرر الأقصى دونكم، إن الأقصى والشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار وخلف عدو من أعداء الله ولخدمة الغرب الكافر ولفرض نفوذه ومخططاته ومنع عودة الحياة الإسلامية من خلال خلافة على منهاج النبوة، وإنما تنتظركم أنتم جند صلاح الدين تحت راية رسول الله r، تنتظركم ناصرين فاتحين محررين كما عهد بكم، تنتظركم بأسا شديدا على أعداء الله ورسوله وعزا لدينه ومددا لأنصاره، واعلموا أن نصر الله قادم لا محالة، فليكن بأيديكم أنتم وليكن لكم السبق للفردوس الأعلى مع أنصار الأمس فإنها الجنة، والأيام القادمة أيام فاصلة فانحازوا فيها لما يحب الله ويرضى وانصروا إخوانكم في حزب التحرير واحملوا معهم مشروع الأمة المنبثق عن عقيدتها خلافة على منهاج النبوة تنهي التبعية للغرب الكافر وتعيد عز الإسلام وأهله وتعيد بلادنا سيدة الدنيا كما كانت، اللهم اجعله قريبا واجعله بأيدينا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله عبد الرحمن

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

نعمة الأمن والأمان في الأردن

نتغنى في الأردن بالأمن والأمان، وإذا ما تكلم بعضنا بوجوب نصرة الشام والأقصى رد علينا آخرون بقولهم أنتم تريدون إشاعة الفوضى في البلد والقضاء على الأمن والأمان، ألا ترون ما حدث لأهل سوريا ومصر وليبيا واليمن وغيرهم؟

أقول لمثل هؤلاء: إن نعمة الأمن والأمان والرخاء الاقتصادي كان يتنعم بها أهل مكة، فقد آمنهم الله من الجوع والخوف بينما كانت القبائل من حولهم يغير بعضها على بعض فيقع فيهم القتل والأسر، قال تعالى مذكرا إياهم أنهم كانوا في أمان بينما غيرهم يعيش في خوف ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فماذا حدث لأهل مكة؟ هل استمر الأمن والأمان؟ هل حافظوا على نعمة الأمن والأمان؟ قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.

أطعمهم من جوع: أمان اقتصادي... كانت خيرات الجزيرة العربية والشام واليمن تجبى إليهم في رحلتين سنويتين، رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وآمنهم من خوف: كانت القبائل تسعى إلى ودِّهم لأنهم أهل الحرم،كما أن الرحلة في الصحراء إلى اليمن جنوبا والشام شمالا دليل على الأمن الذي تنعَّم به تجار مكة.

ولما بعث رسول الله r إليهم طلب منهم أن يحافظوا على هذه النعمة، كيف؟

اسمعوا قوله تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ

إذن المحافظة على الأمن والأمان تكون بطاعة الله عز وجل، وتنفيذ أوامره سبحانه في الحياة العامة، في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة الخارجية، وليس الاقتصار على تنفيذ أمر الله في العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات فقط، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ أي نفذوا أحكام الإسلام كلها، فلا يجوز أن نقصر الإسلام على جزء منه ونترك الباقي خوفا من أمريكا وأوروبا وغيرهما من دول العالم.

فحتى نحافظ على الأمن والأمان يجب تغيير الدستور إلى دستور إسلامي وتغيير النظام الحاكم من نظام علماني إلى نظام إسلامي، وأن تسترد الأمة سلطانها وتختار حاكمها لتبايعه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله r... وفي ذلك تحقيق لعبادة رب البيت.

وأما عصيان الله وإعلان الحرب على أحكامه الشرعية فهو خسران الأمن والأمان، والحكم بغير ما أنزل الله خروج عن طاعة رب البيت، والتنسيق مع روسيا في حربها على المسلمين في الشام خروج عن طاعة رب البيت، والمشاركة في التحالف الصليبي خروج عن طاعة رب البيت، وإباحة الربا باسم الحرية الاقتصادية، وإباحة التعري والسفور والاختلاط والمثلية الجنسية باسم الحرية الشخصية خروج عن طاعة رب البيت، وترك قطعان يهود يمارسون عربدتهم في الأقصى خروج عن طاعة رب البيت، وتأييد نتنياهو في تركيب كاميرات التجسس خروج عن طاعة رب البيت، وخذلان أهل سوريا وتركهم لبشار وروسيا وإيران وحزبها في لبنان خروج عن طاعة رب البيت، وإرسال الجيش الأردني ليحارب المسلمين بدلا من توجيههم لمحاربة يهود وتحرير الأقصى وفلسطين منهم هو خروج عن طاعة رب البيت...

أهل مكة رفضوا دعوة الله فخسروا الأمن والأمان.

انقسم المجتمع إلى مؤمنين وكافرين... أصبح الأخ يعادي أخاه والابن يعادي أباه والزوجة تعادي زوجها والعبد يعادي سيده. عصا العبيد أسيادهم، وعصا الشعب حكامه، وسموا زعيمهم أبا الحكم بأبي جهل. وأمر الله نبيه والمؤمنين بتهديد أبي جهل ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ثم أمره أن يعلن الوصف الحقيقي لأبي جهل ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ثم يستأنف التحدي والتهديد والوعيد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ثم أمر رسوله والمؤمنين بعصيان الحاكم المجرم وإعلان التمرد على دستوره ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.

لو دخل أبو الحكم في الإسلام وعبد ربَّه الذي أعطاه الأمن من الجوع والأمن من الخوف لما فرق مجتمعه، ولو آمن زعماء مكة لحققوا شرفا ما بعده شرف، ولظل ذكرهم معطراً خالدا، ولكنهم رفضوا الشرف واستغربوا وعد الرسول r بالانتصار على فارس والروم، واتهموه بالجنون، ففقدوا الأمن والأمان وقُتلوا في معركة بدر، أين هم الآن؟!.. في الجحيم والعياذ بالله وقانا الله وإياكم ذلك المصير. أما أولادهم الذين آمنوا بدعوة الإسلام فقد حافظوا على نعمة الأمن والأمان وأصبحوا قادة البشرية.

ونحن في الأردن إذا لم نعِ الدرس وندرك أن الحفاظ على الأمن والأمان لا يكون إلا بعبادة رب البيت... فسنخسر الدنيا والآخرة.. نعوذ بالله من ذلك... وها نحن نرى بعض البوادر في فقدان نعمة الأمن والأمان من انتشار العصابات والعنف في الجامعات والعشائر وفساد الدولة ونهب المال العام والفقر والبطالة... وإذا لم نعد إلى ديننا عودة حقيقية فسيستمر الخسران حتى نجد أنفسنا مشردين لاجئين كأهل البلاد من حولنا... لا قدر الله.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نجاح السباتين – ولاية الأردن