December 10, 2014

ألم الوحدة في عصر الاتصالات

مع تقدم العمران وتمدّن البشر وانكماش الأسرة، التي اختزلها الكثيرون في الخلية المصغرة للأب والأم والأولاد وزيارات متباعدة للجد والجدة، يتكرر على مسامعنا شكوى الناس من الانشغال ومن الوحدة والعزلة في آن واحد. الكل مشغول ويشعر بالضجر والملل وكمّ من المشاعر المتناقضة. وتتكرر هذه الشكوى من الصغار والكبار وكأن هناك خللاً في توظيف التكنولوجيا الحديثة التي أصبحت في متناول شريحة كبيرة من الناس لتخفيف مشكلات المجتمعات الرأسمالية وتغيير نمط العيش في هذه المجتمعات.


ساعات طويلة يقضيها طفل هذا العصر ومنذ نعومة أظفاره مع التلفاز وأجهزة التصفح من آيبادات وهواتف ذكية وأجهزة حديثة للأطفال، يقلب صفحاتها ويتيه في عالمها البعيد بينما ينعزل أهله عنه أيضا بأجهزة تصفح وعوالم أخرى.. يتواجد الأهل في نفس المكان ويعمّ الصمت أركان البيت! هكذا ينشأ الطفل في عزلة وفقدان للتواصل مع الأهل والمحيط ويسميه البعض مجازا جيل التكنولوجيا بدلا من تسميته جيلا فاقدا للتواصل. وتمر أجمل سنوات العمر في عالم افتراضي يختزل المشاعر البشرية في بطاقات وصور جامدة ورسوم كرتون ترفيهية تعبر عن مشاعر مختلفة! أجهزة تختصر المسافات وتختصر العلاقات في آن واحد.. إنه عالم متناقض يصل الناس ببعض ويبعدهم عن التواصل البشري!


لقد تسببت الحضارات الصناعية في غربة نفس وألم يعاني منهما الإنسان الغربي، وما نشهده اليوم ليست العزلة التي تؤدي للتأمل والتدبر والصفاء بل عزلة صاخبة مليئة بالأحداث والضوضاء لا تترك لصاحبها مجالا لأن يختلي بنفسه ويتأمل أو أن يتواصل مع الناس. إنها عزلة مفروضة على الإنسان المتمدن في العصر الحديث تأسره في قوالب معينة وتوحي له بالاستقلالية بينما هو فرد من قطيع استهلاكي مخدر بإبر التكنولوجيا الحديثة. فتراه يلهث وراء كسب العيش والتنافس والحصول على أكبر قدر من الربح وكأنه يهرب باستمرار من أزمة روحية واجتماعية خانقة. تحولت هذه العزلة في الغرب لوباء وتكررت تحذيرات المتخصصين من أثرها على المسنين والشباب والأمهات اللاتي وضعن حديثا. وقد لامس الكاتب البريطاني جورج مونبيوت وتراً حساساً حينما نشر مقاله الشهير "عصر الوحدة يقتلنا" في منتصف شهر أكتوبر/تشرين الأول ونُشر في الجارديان قبل أن ينتشر بشكل واسع ليدق أجراس الخطر وينوه عن انهيار اجتماعي للمجتمعات الرأسمالية. أشار الكاتب لأثر هذه الوحدة خصوصاً على كبار السن والتي بلغت حد الخطورة القصوى وصارت محض اهتمام الباحثين. ففي دراسة لمؤسسة "العصر المستقل" أكدت أن "العزلة القاسية في إنجلترا قد أصابت حياة 700 ألف رجل و1.1 مليون امرأة فوق الخمسين." انتشرت الدراسات التي تقارن مخاطر العزلة على صحة الإنسان بتدخين 15 سيجارة في اليوم أو السمنة المفرطة أو ضغط الدم المرتفع أو الاكتئاب والإدمان أو حوادث الطرق أو غيرها من المخاطر التي لا تقل عن الموت البطيء في عزلة عن العالم.


تحوّل حلم الإنسان العصامي الطموح الذي يحتفل بفرديته ونجاحاته ويفتخر بنمط الحياة التي اختارها لنفسه في المجتمع إلى كابوس ينهش في الروح قبل الجسد وقد جسّد مونبيوت هذا حينما قال "لا يوجد الآن ما يمكن أن يسمى مجتمعاً، فقط البطولة الفردية. ما يهم هو الفوز، وأي شيء آخر هو مجرد أضرار جانبية غير مرغوب فيها." (من مقال مونبيوت - ترجمة محمود حسني).


أصبح الإنسان الغربي المتمدن ينظر بحسرة لعيش الفقراء من أهل القرى والصحاري ويحلم بمساء هادئ تحت ضوء القمر وفانوس صغير يجمع الأسرة في دفء ويسد الفراغ الذي صنعته مجتمعات يلهث فيها المرء ليل نهار ويصارع في كافة الأصعدة من أجل التفوق والنجاح العملي بينما الفشل الاجتماعي يحاصره من جميع الجهات. انتشرت الرحلات إلى القرى الصغيرة وسارعت الوكالات السياحية إلى ترغيب الشباب الأثرياء في القرى النائية في محاولة للتخلص من أعباء الحياة في كبرى المدن. هذه حال من استغنى بالمادة والآلة عن دفء التواصل الطبيعي وأهمية الأدوار الطبيعية في المجتمع.. نجده يتأمل في مخلوقات الله فيحسدها على هذه النعمة. تنظر الأم للطيور وهي تغرد في فخر عندما تعتني بعشّها وتحتضن صغارها وتطعمهم في عناية بينما أطفال الحياة المدنية يتنقلون بين حضن التلفاز والتابلِت والهواتف الذكية.. يسافر المرء بعيدا ليبحث عن الخلل في علاقات اجتماعية قضت عليها النزعة الفردية والنفعية بينما الأجوبة قريبة منه.. احتار الإنسان الغربي البسيط في أمره وهو يتأمل حياة كل متصالح مع الفطرة وبدا الأمر كخيارٍ قاسٍ بين الرفاهية والمدنية من جهة وحياة اجتماعية متوازنة من جهة أخرى. فحصر نفسه في إطار افتراضي.. وكأن ناطحات السحاب والمصانع الكبرى لا تقوم إلا على أنقاض الأسرة.. وكأن المدنية عدوة الترابط الأسري والبشري.. وكأن المرأة لا تنجح إلا إذا كانت أما فاشلة متنكرة للأمومة التي وهبها الله لها وكرمها بها.


لقد أسست الرأسمالية لمفهوم الفردية وقوّت في الإنسان النظرة الذاتية الأحادية التي تحصر العالم في رغباته وطموحه اللامحدود وجعلت هذه النظرة مقياساً للنجاح. بينما أهملت المجتمع والتواصل الطبيعي بين الناس وعززت عوضاً عنه دور المؤسسات الخيرية التي تخفف من قسوة الرأسمالية وتجاهلها لقيمة الإنسان. جعلت تواصل المسنين في دور خاصة وعوضت الأمهات اللاتي وضعن حديثا ببرامج متلفزة ومراكز متخصصة بعد أن سلبتهم دفء الأسرة الممتدة وجعلت للأطفال مراكز للنشء بعد أن حصرتهم في شقق كرتونية وحاصرتهم بانعدام الأمن والأمان وأعطت كل طفل هاتفا ذكيا بدلاً من تفرغ أمه لرعايته. وهذا غيض من فيض ينذر بانهيار المجتمعات الرأسمالية التي لم يبق منها سوى الهيكل الخارجي.


ها هو جبل الجليد يزحف إلى بلاد المسلمين حتى بات الجار يجهل أحوال جيرانه وأصبحت الأعياد موعدا للقاء الجار ذي القربى، وتحولت الواجبات العائلية لعبء ثقيل يتذمر منها الشباب الطموح الذي يلهث من أجل أن يحقق حلمه. وأصبحت العلاقات تنتهي بلمسة على لوحة المفاتيح بدلا من الصبر على أذى الناس وحث النفس على احتساب الأجر والثواب عند الله. تحولت العلاقات بين البشر لمجرد أسماء على قائمة الاتصال. وتحولت الأجهزة الصغيرة بين أيدي الناس لغول يفصلهم عن الواقع ويحبسهم في هوة لا قرار لها، فتكررت الشكاوى من العزلة والوحدة في بيوت تعاني من الازدحام.. نعم لقد أصبح أهل المدن المكتظة بالسكان يشكون ويعانون من العزلة!!


هرب الناس لأجهزة التواصل بحثاً عن مساحات آمنة بعيدة عن تعقد العلاقات المجتمعية وتداعي الناس في طلب الدنيا والرأسمالية التي أفسدت الحرث والنسل وأدت إلى انتشار أمراض النفوس حتى بات الناس يشكون ويشككون في بعضهم البعض.. أصبح سوءُ الظن أساس العلاقة والمنفعة حافزا للتواصل (إلا من رحم ربك). هربوا إلى عالم افتراضي لا يحتاج للتغيير، تقلب صفحاته كيفما شئت وتخرج منه متى شئت.. تفننوا في اختيار البروفايلات وتركوا الجمل بما حمل للفاسدين المفسدين. لقد غلب على توظيف التكنولوجيا الجانب السلبي الذي يحبط الهمم ويلهي عن التغيير ويعمق اعتزال الناس بدلا من أن تكون التكنولوجيا أداة لخلق الوعي ونشره.


خنقت العزلة علاقاتنا بعد أن أخذ المسلمون كل شاردة وواردة وجعلوها موضع التطبيق وتأثر المسلمون بالأفكار الوافدة.. شكى الشباب المسلم من الوحدة بالرغم من تطور الأجهزة المتوفرة بين يديه وربما بسبب هذه الأجهزة ذاتها.. انعزل كل في عالمه وليتها خلوة في طاعة وتأمل وتفكر في الخلق والخالق بل هي وحشة تأكل النفس. ليست العزلة التي أثنى عليها السلف الصالح، قال الفضيل بن عياض: "من استوحش من الوحدة، واستأنس بالناس، لم يسلم من الرياء". ليست ساعات تدبر في الخلق أو تفكر بل غربة نفس في حضرة الشيطان والنفس الأمارة بالسوء وانقطاع للتواصل الطبيعي بين الناس.


ختاماً نقول: إن الإسلام لا ينظر للإنسان كآلة يدر منها الربح ثم يتركها حطاماً هشاً أو عجوزا هرما يُعالج بدنه في أحسن المشافي بينما روحه تتألم في صمت ويخاف أن يموت وحيداً منكسرا قد لا يكتشفه الجيران إلا صدفة. ولا يقبل بنموذج الأم المسنة التي تمضي يومها وحيدة تراقب الهاتف وتنتظر اتصال الأحبة الذين شغلتهم الحياة وسؤالهم عنها. الإسلام ينظر لفكرة الفردية كفكرة هدامة للمجتمع لا بد من محاربتها وكشف عوارها، نظهر فسادها وزيف الأسس الفكرية التي انبثقت منها، إنها فكرة تتعارض مع فطرة الإنسان وطبيعة العلاقات التي تنشأ بين بني البشر وتسبب الشقاء والتعاسة.


لقد جعل المولى عز وجل الأسرة حصنا حصينا آمنا يوفر الدفء والسكينة للمرأة والرجل على حد سواء وهذه الأسرة هي بمثابة جهاز المناعة الذي يحمي الفرد من أمراض العصر ومصدر الأمن والأمان للأطفال. كيف يضع الإنسان بدائل للأسرة أو يهمش دورها المحوري في أي مجتمع دون أن ينهار ذلك المجتمع ويتصدع على عيون الأشهاد. ولنا عودة مع هذا الحصن المستهدف وسبل حمايته في القريب العاجل بإذن الله.


﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم يحيى بنت محمد

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر