ألم يأن للجزائر أن تقول كلمتها؟!
April 18, 2023

ألم يأن للجزائر أن تقول كلمتها؟!

ألم يأن للجزائر أن تقول كلمتها؟!

لا يخفى على كل متابع، أن الجزائر هي دولة ذات شأن وهي قوة إقليمية صاعدة، تحتل مكانة استراتيجية في المنطقة إذ هي بمثابة المفصل على المستوى الإقليمي كما أنها تقع في منطقة ربط بين القارة العجوز والقارة السوداء، فضلا عن كونها بوابة عبور للعديد من البلدان الأفريقية، وفوق ذلك كلّه فإن انتماءها العربي والإسلامي يعطيانها ثقلا مهما يزيد من اهتمام القوى الكبرى بها خشية تفلتها من قبضتها.

هذه العوامل وغيرها، جعلت الجزائر محط أنظار القوى الاستعمارية، خاصة بعد نشوب الحرب الروسية الأوكرانية، حيث تنظر إليها أوروبا على أنها البديل الطاقي لروسيا، في حين تزايد اهتمام أمريكا بها أكثر من أي وقت مضى، وسارعت تركيا إلى مد جسور التواصل معها وعقد اتفاقيات في مجالات عدة على غرار التعليم والبحث العلمي والصناعة والتجارة والطاقة، في المقابل نجدها تحافظ على علاقات اقتصادية وعسكرية وثيقة مع روسيا والصين، في وقت تمني فيه نفسها بدخول مجموعة البريكس (روسيا، والصين، والهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا).

ورغم أن الفساد المالي قد أثقل كاهلها نتيجة لتطبيق الرأسمالية، حيث يدفع أهلها ضريبة جنون الأسعار، فإن اقتصادها يشهد نموا وتقدما بشهادة صندوق النقد والبنك الدوليين ما جعلها رابع اقتصاد أفريقي، وإن احتياطيها من النقد الأجنبي بلغ حاليا 64 مليار دولار خلافا لكل التوقعات إضافة إلى امتلاكها احتياطات ذهب تُقدَّر بـ173.6 طن (الثالثة عربياً)، بل لأول مرة منذ أربعة عقود، تجاوزت صادراتها خارج المحروقات 7 مليارات دولار، ما جعل رئيسها يوقع على أضخم ميزانية في تاريخها، حيث بلغت ميزانية 2023 ما يقارب 100 مليار دولار.

ومع ذلك فإن دولة في حجم الجزائر لم تعد في حاجة إلى شهادة من مؤسسات مالية دولية تشرف على إخضاع الحكومات وتفقير الشعوب ونشر الخراب الرأسمالي، بل هي قادرة على امتلاك رؤية استراتيجية منبثقة من عقيدة الإسلام وملتزمة بأحكامه في الحكم والاقتصاد والتعليم والسياسة الداخلية والخارجية، لأن الوعي بالإسلام وأحكامه هو الصخرة التي تتفتت عليها جميع مكائد الغرب ومؤامراته مهما عظمت.

فالجزائر لديها من المقومات والموارد الطبيعية والبشرية ومن المساحة الجغرافية ما يؤهلها لأن تكون دولة ذات تأثير كبير في محيطها الإقليمي متى تجاوزت إملاءات الغرب وتغلبت على عقدة النقص، ولا يتأتى ذلك إلا بالإسلام عقيدة ونظاما، أما الجيش الجزائري الذي يبلغ تعداده أكثر من 600 ألف جندي ويمتلك أقوى المعدات والأسلحة الحربية وأكثرها تطورا، فهو الثالث عربيا والثاني أفريقيا والأول مغاربيا، وهو جيش لا يُقهر متى تحصن بالعقيدة الإسلامية وجعل منها دون سواها عقيدته العسكرية، عندها سيكون محصّنا فعلا أمام الاختراق، وعصيّا على الإغراءات، وسيكون بلد المليون شهيد مقبرة لكل عدو تسول له نفسه الاقتراب، لأن وجود الوازع الداخلي المؤسس على تقوى الله والقتال لإعلاء كلمة الله وحب الشهادة والتطلع لأجر الآخرة، يقوي في الجندي معاني التضحية، ويبعد عنه السقوط في حبائل الارتباطات المعادية التي يسقط فيها من يعتبرون الجندية مجرد وظيفة للتكسب.

الأكثر من ذلك كله أنه ليس للجزائر مديونية خارجية، وهو ما يمنحها سيادة فعلية على قرارها تغنيها عن السير في ذيل الدول الاستعمارية، وتؤهلها لفك الارتباط بالنظام العالمي في شكله الحالي والتحرر النهائي من السياسات الليبرالية التي تُكبّلها ومن كل أشكال التبعيّة.

هذا الكلام، ليس أضغاث أحلام تراود العاملين لإقامة الخلافة والساعين لتوحيد الأمة وتحرير الأقصى من رجس يهود، ولا مجرد أماني لدى من يرون إمكانية أن تصبح شمال أفريقيا مرتكزا لدولة كبرى توحد المسلمين وتقودهم نحو تحقيق بشارة فتح روما، إنما هي بذور وعي بطبيعة الدور الجيوسياسي الذي يمكن أن تلعبه الجزائر التي زُرعت في أرض عقبة بن نافع، أرض الخلافة الراشدة الأولى، عسى أن نستظل بأشجارها ونقطف ثمارها زمن الخلافة الراشدة الثانية القائمة قريبا بإذن الله.

إن أفريقيا، بلد عقبة بن نافع، شاهدة على أن تونس تقاسمت مع ليبيا والجزائر تاريخا إسلاميا مشتركا حافلا بالانتصارات، وذلك منذ حكم الخلفاء الراشدين، وإن الأمة الإسلامية لم تعرف طعما للهزيمة إلا حين بعدت عن فهم الإسلام وأحكامه، فتمكن الكافر المستعمر منها وأسقط خلافتها سنة 1924م، فقسمها إلى دويلات كثيرة نصب عليها حكاما عملاء حكموها بغير ما أنزل الله، حتى كاد المسلمون ينسون أن التابعي والقائد العسكري الفذ عقبة بن نافع الذي بنى مسجدا باسمه في القيروان بتونس، هو نفسه الذي بنى مسجدا باسمه في بسكرة بالجزائر أين توفي رحمه الله، بل حتى ظنوا لوهلة أن هذه الحدود الوهمية المصطنعة التي رسمها الاستعمار للحيلولة دون وحدة المسلمين على أساس العقيدة والدين، هي قضاؤهم وقدرهم وأنها أقفاص لا يمكن التفكير في التحرر منها والخروج من جورها إلى عدل الإسلام ومن ضيقها إلى سعة الدنيا والآخرة.

أما اليوم، فنرى أن تونس التي حكمها بورقيبة وبن علي بمنطق علماني بغيض صارت هي منطلق شرارة ثورة الأمة، وأنها استفزت بثورتها السلمية ثم بشعاراتها الإسلامية كل قوى الكفر، فراحوا ينصبون العميل تلو الآخر ويصوغون الدستور تلو الآخر، ويتنافسون في ذلك كل حسب مصالحه، من أجل إخماد جذوة الثورة والحيلولة دون عودة هذا البلد إلى حاضنته الطبيعية، ضمن خير أمة أخرجت للناس. ولذلك لم يهنأوا حتى أعادوا تأزيم الوضع وتقسيم المجتمع وتيئيس الناس من التغيير، وتدويل هذه الأزمة، حتى صار يفتي في حلها القاصي والداني، بل حتى صار بابا الفاتيكان يقترح الحلول على شباب تونس وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وها هي ليبيا بلد المليون حافظ لكتاب الله، قد استلهمت من تونس قيم الثورة الرافضة للظلم، فأطاحت بالقذافي منكر السنّة، ولكنها دفعت ضريبة ذلك حربا أهلية أوقد فتيلها الكافر المستعمر بقيادة الناتو الذي أشرف على زرع الفتنة وتسليح الثوار، حتى انشطرت ليبيا إلى اثنتين، وسقطت في مستنقع لن يخرجها منه سوى المشروع الحضاري للإسلام.

ولم تكن الجزائر بمنأى عما يحصل في بلدان الثورات لما يعيشه شعبها من ظلم واضطهاد، حيث وصل الوضع لدى الجارة الجزائرية إلى درجة الغليان سنة 2019، ما أجبر الغرب على إحداث تغييرات تكتيكية في تضاريس المشهد السياسي توهم الناس بالتغيير سعيا لتبريد تلك الأجواء الساخنة وإطفاء شرارتها.

ومع ذلك، فإن كل ما قام به الغرب لم يُلغ وجود مشاعر الاحتقان والامتعاض الكامنة في صدور الناس تجاه حكامهم في شمال أفريقيا، بل زاد من حجم الغيظ نتيجة الضغط المسلط عليهم إلى اليوم، وهو ما يبقي هذه المنطقة المتقلبة حبلى بالمفاجآت، وهي في ذلك بمثابة البركان النشط، لأن الغرب الذي نجح في توظيف القوى الصلبة في هذه الدول لصالح مشاريعه الاستعمارية عبر استمالة قياداتها، نسي أن انصهار الشعوب في بوتقة الإسلام من جهة والضغط الرأسمالي المتزايد عليها من جهة أخرى، سيمس قطعا هذه القوى الصلبة التي تنتمي للأمة نفسها وتدرك خيانات الحكام أكثر من غيرها، لتخرج بذلك من دائرة الحياد المفروض عليها والسلبية المقيتة لتتبنى موقفا واضحا من الثورة والتغيير الجاد على أساس الإسلام وتصبح جزءاً من القوى الثائرة، تماما مثلما يتزايد الضغط على الصخور المنصهرة في الأرض فتبحث عن الثغرات الموجودة بين الصخور الصلبة، وتصعد نحو الأعلى فتحدث شقوقا في هذه الصخور المتجمدة رغم قساوتها وتصلبها وتتدفق الصهارة نحو فوهة البركان، عندها يحصل الانفجار الثوري في وجه الغرب، فيُذيب حوله كل القوى والطاقات داخل المشروع الحضاري الإسلامي.

ولذلك لا يمنعنا هذا الظلام الحالك الذي نعيشه زمن الملك الجبري من رؤية المبشرات ولا يحجب عنا نور فجر الخلافة الراشدة القائمة قريبا بإذن الله، بل إن النظر في الجانب المشرق من الواقع الذي تعيشه المنطقة، يجعلنا على يقين بأن أهل أفريقية يتشوقون إلى تحرير المسجد الأقصى، وأنهم سيلتفون قطعا حول الخلافة مبعث عزهم ومحررة أرضهم وقاهرة عدوهم وسبيل خلاصهم، عسى أن يكتب الله على أيديهم تاريخا جديدا للأمة، بعيدا عن أشكال التهافت والعبث العلماني التي يصنعها أشباه الحكام هذه الأيام. قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾.

ففي الوقت الذي يعيش فيه حكام تونس أوهام السيادة والاستقلال متمسكين بقشة "الوطنية" مع أن بلدهم ليس سوى حديقة خلفية للاستعمار يرتع فيها كيف يشاء، وفي ظل فشل المشاريع القطرية الضيقة وانسداد الأفق في جل الدول العربية المرتهنة للغرب، فإن الملاحظ أن بعض الأوساط الفكرية والأكاديمية في الجزائر قفزت فوق الحدود القطرية الوطنية وراحت تناقش سبل التحرر من الاستعمار ومن الهيمنة الغربية خارج الأطر التقليدية، فبلورت مفاهيم جديدة للأمن القومي ورؤية جديدة للاقتصاد بما يعكس تنامي الوعي على حقيقة "الوطنية" من كونها لا تعدو أن تكون فخا سياسيا أوجده الاستعمار تكريسا لحالة الفرقة والتبعية والضياع، وعائقا أمام الأمة لنهضتها وتحقيق وحدتها وصياغة مشروعها الذاتي في كيان مستقل عن إرادة الغرب.

ذلك أن الدولة (أي دولة) إذا أرادت أن تفرض سيادتها وتحافظ على أمنها القومي، فإن مقتضيات هذا الأمن القومي ستدفعها بالضرورة إلى أن يتجاوز اهتمامها السياسي والاقتصادي والثقافي حدود تلك الرقعة الجغرافية التي نشأت فيها، فما بالنا لو كانت دولة مبدئية لها مبدأ تسعى لنشره عالميّا، عندها ينسحب مفهوم "الوطن" على كل شبر من الأرض يحمل أصحابه الولاء للفكرة التي نشأت على أساسها هذه الدولة، قبل أن يحملوا التابعية الفعلية لها، وتصبح هذه الفكرة أو الأيديولوجية هي الأساس في الدفاع عن المصالح الحيوية والتأثير في العلاقات الدولية، وخوض معركة تحويل الولاءات خارج الحدود الرسمية للدولة، وهذا هو عين ما تفعله الدول الكبرى وعلى رأسها أمريكا، استباقا لقيام دولة إسلامية تنتزع منها النفوذ وتسحب البساط من تحت أقدامها في كثير من البلاد الإسلامية، خاصة وأن ولاء المسلمين لإسلامهم وعودتهم لأحكام دينهم في ازدياد مستمر مقابل كفرهم بكل أساليب الخداع والتضليل الديمقراطي، وهذا أكثر ما يؤرق الغرب.

في هذا الإطار، وبخصوص الجزائر كدولة إقليمية صاعدة يريد الغرب أن يشغلها بنفسها من خلال فرض الخيار الليبرالي في الاقتصاد وما يسببه ذلك من أزمات، ثم من خلال وضعها بين مطرقة مكافحة الإرهاب وسندان حقوق الإنسان، فضلا عن إثارة قضية الصحراء الغربية المفتعلة، فقد نشر مركز دراسات الوحدة العربية دراسة جزائرية تحت عنوان "الهيمنة الأمريكية على الاقتصاد العالمي وسبل التحرر منها" ومن أبرز ما جاء فيها هو "ضرورة أن تقوم الدولة صناعيا على الصناعات الثقيلة ثم الوسيطة وإعادة هيكلة الاقتصاد على هذا الأساس"، وهو عين ما دعا إليه حزب التحرير في مشروعه السياسي، بل هذه الفكرة أساسا هي زبدة كلام أمير حزب التحرير العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة حفظه الله، ضمن كتابه "سياسة التصنيع وبناء الدولة صناعياً".

كما تحدث الكاتب والباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية الدكتور منصور لخضاري في كتابه "الامتدادات الجيوسياسية للأمن الوطني في الجزائر" عن تغيرات عميقة في موضوع "الأمن الوطني" مست صلب محدداته ومهدداته، فلم ﻳﺒﻖ ﻣﺠﺎﻟﻪ ﻣﺤﺪدا ﺑﺤـﺪود اﻟﺪوﻟـﺔ اﻟﻮﻃﻨﻴـﺔ ﺑﻔﻌﻞ ﻣﺎ ﻟﺤﻖ اﻟﺤﺪود ﻣﻦ ﻣﺮوﻧﺔ ﺧﺪﺷﺖ ﻗﺪﺳﻴﺘﻬﺎ وﺟﻌﻠﺖ ﻣﻨﻬﺎ ﺧﻄﻮﻃﺎ ﻣﺎﺋﻌـﺔ بعد أن كانت حدودا مانعة، مستشهدا في ذلك بتعريف المحلل السياسي الأمريكي "والتر ليبمان" (صاحب مصطلح "الحرب الباردة") الذي يرى بأن "الأمن الوطني هو قدرة الدولة على متابعة سير مصالحها بنجاح، وفقا لما تراه موافقا لمصلحتها في أي مكان من العالم".

ثم راح هذا الكاتب الجزائري المختص في الشؤون الاستراتيجية والأمنية، يفصل في مفهوم "الأمن الوطني" ضمن كتابه السياسة الأمنية الجزائرية: المحددات - الميادين - التحديات، حيث جاء الكتاب في ثلاثة فصول، انطلق فيه الفصل الأول "محددات السياسة الأمنية الجزائرية" من فرضية أنّ اقتران مفهوم "الأمن الوطني" بالدولة القومية لا يعني انحصار محددات سياسة بنائه داخل حدود إقليمها الذي تمارس عليه سيادتها، بل يتجاوزه إلى ما وراءها، لما يقتضيه ذلك من ضرورة وضع الدولة في إطار امتداداتها الجيوسياسية والجيو-اقتصادية والجيو-استراتيجية.

في هذا الإطار، فإن الوقوف الجاد على مسألة الأمن الطاقي والأمن الغذائي وبالتالي على ملف الثروات الطاقية والمائية وإدارتها في منطقة غدامس التي أسسها عقبة بن نافع رحمه الله وتلاعب بها الاستعمار كيفما شاء، لا يمكن أن يتم في هذه المرحلة بالذات دون تنسيق مشترك بين كل من تونس وليبيا والجزائر، ولعل هذا الحوض وامتداده على البلدان الثلاث دليل حسي وعيني على أن الخلافة هي الماضي المشترك، وهي المستقبل المشترك قريبا بإذن الله، وأن الوطنية هي المشكل ولا يمكن أن تكون هي الحل، وأن هذه السنوات العجاف هي مرحلة استثنائية في تاريخ الأمة، وإلا فهل كانت تونس لتقف على طابور صندوق النقد الدولي متسولة وجارتها هي الجزائر؟!

هذا، والأمثلة على تنامي الوعي بالدور الذي يمكن أن تلعبه الجزائر في قادم الأيام مع مناطق امتدادها الطبيعي (تونس وليبيا) أكثر من أن تحصى أو تعد، وهي تبدأ بإزالة الحدود الوهمية وربط علاقات التعاون على جميع الأصعدة،

ولكن حسبنا أن نكتفي بهذه الإشارات عسى أن تجد طريقها إلى المخلصين من أبناء الأمة، فيقدموا مشروع توحيد المسلمين بوصفه واجبا شرعيا عظيما وضرورة حياتية ملحّة على أفكار ومشاريع الاستعمار، من قبيل الانتماء إلى البريكس والحصول على مقعد في مجلس "الأمن" والإقلاع الاقتصادي بين أحضان الرأسمالية وإغداق الأموال الطائلة على تقوية الرابطة الأفريقية، مقابل التنكر للمشروع الإسلامي ولأيديولوجية "الإسلام السياسي" التي تبرأ منها أمثال عبد المجيد تبون في تصريحه الشهير.

وأمام تقهقر مشاريع الكافر المستعمر وسيرها نحو الاحتضار والاندثار وتهاوي حضارته الرأسمالية الفاسدة وإفلاس قوانينه المفروضة على المسلمين بالحديد والنار، فإن الجزائر قادرة بإذن الله على تجاوز جميع السجالات النظرية التي دفعت إليها دفعا، وعلى التخلص من كل العراقيل التي تكبلها وتمنعها من تبني المشروع النهضوي بالإسلام، والذي يتحقق بإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، حيث تكون السيادة للشرع ويكون السلطان للأمة تمارسها بشكل جدي وفعلي، فتحاسب الحاكم على أساس الإسلام، بعيدا عن كل أشكال التضليل السياسي الذي جاءت به الديمقراطية. أولم يأن للجزائر إذن أن تقول كلمتها وأن تتخذ الإسلام أساسا لنهضتها؟

ختاما، فإنه لا سبيل لصد مكائد الاستعمار المتجددة وعلى رأسها مخططات أمريكا التي تقود المعركة الحضارية العالمية ضد الإسلام وتحاوط أطراف الجزائر، إلا عبر التمسك بحبل الله المتين، والعمل على توحيد المسلمين، والالتفاف حول قيادة رشيدة تعيد السنا والرفعة لهذه الأمة وهذا الدّين. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ.

وإن أحفاد عقبة بن نافع وطارق بن زياد في شمال أفريقيا، لقادرون بإذن الله وعونه، على إعادة صياغة تاريخ مشرق للأمة الإسلامية، بقلع هذه الأنظمة الخاضعة للغرب وإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، فتعود الفتوحات إلى أوروبا الصليبية، وتعود فرنسا الحاقدة على الإسلام والناهبة لخيرات أفريقيا إلى حجمها الطبيعي، وتعود أمريكا إلى دفع الجزية عند مرور أسطولها من ولاية الجزائر، ويُنزع كيان يهود الغاصب لأرض الإسراء والمعراج من جسد الأمة الطاهر، تحقيقا لوعد الله سبحانه. قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. وسام الأطرش – ولاية تونس

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر