علماء السوء هم أبواق النظام!
March 25, 2019

علماء السوء هم أبواق النظام!

علماء السوء هم أبواق النظام!

في الآونة الأخيرة يُلاحظ في قنوات تلفزيون أوزبيكستان عرض البرامج المختلفة تحت عنوان: "الحرب على الإرهاب والتطرف" والهدف من هذه البرامج هو نشر الرعب والخوف بين الناس وخصوصا الشباب! ومنها برنامج بعنوان "الفخ في الإنترنت" الذي قال فيه مُقدّم البرنامج إن بعض الشباب يلتحقون بالتيارات (الإرهابية والمتطرفة) المختلفة وبذلك ما قدروا العيش في الرخاء في أوزبيكستان حق قدره وكفروا بالنعمة! وأحد هؤلاء الشباب قُدرة جان محمدوف وهو طالب في جامعة طشقند لتكنولوجيا المعلومات. وحسب ادّعاء المقدم فقد خطط هذا الشاب الأنشطة التخريبية وخان بذلك وطنه وأمته! وكالمعتاد اشترك في هذا البرنامج اثنان من علماء السلاطين، أي من علماء السوء وهما: رحيم بِيردي رحمنوف وهو كبير أئمة مدينة طشقند، وسيد أفضل سيد جلالوف وهو كبير المعلمين في أكاديميّة الإسلام الدوليّة في أوزبيكستان. وكلاهما شكا من عدم فهم الشباب لماهية الإسلام وعدم التزامهم مذهب أبي حنيفة وعدم اتباعهم العلماء الرسميين... وا أسفاه على ذلك!

والآن نريد أن نعرض الأسئلة التالية: هل الحياة في أوزبيكستان هي حياة رخاء حقا كما يَدّعِي هؤلاء المدّاحون وأبواق النظام؟ وهل الشباب ما قدروا حياة الرفاهية كهذه حق قدرها وكفروا بالنعمة حقا؟ لماذا لا يتّبع الشباب العلماء الرسميين؟

فلننظر في الواقع:

لقد كشف خبراء Focus Economics عن أفقر 10 بلاد العالم واندرجت في هذه القائمة البلاد الثلاثة من آسيا الوسطى أيضا وهي: أوزبيكستان وطاجيكستان وقرغيزستان! وفي 2018م احتلت أوزبيكستان في الناتج المحليّ الإجماليّ لكل نسمة المركز الثامن في قائمة أفقر البلاد في العالم! أي اتخذت أوزبيكستان مكانا في صفوف أفقر البلاد في العالم مثل الكونغو وموزمبيق وأوغندا في أفريقيا ومثل طاجيكستان وقرغيزستان في آسيا الوسطى!

وحسب إحصاءات اتحاد المهاجرين في روسيا التي نشرها موقع Podrobno.Uz الكبير، فإنه بين شهر كانون الثاني/يناير وأيلول/سبتمبر 2018م خرج 3 ملايين و400.000 مواطن أوزبيكي إلى روسيا، منهم 1 مليون و573.791 شخصا مهاجرون عمال خرجوا للبحث عن لقمة العيش!!

وهاتان الحقيقتان فقط تشيران كيف هي الحياة في أوزبيكستان في الحقيقة!!

هل هذه هي حياة الرفاهية في أوزبيكستان؟!! إذن، هل هؤلاء الناس الذين ذهبوا إلى روسيا للبحث عن لقمة العيش، هل هؤلاء الناس كلهم - حسب زعمكم - ما قدروا الحياة في الرخاء حق قدرها وكفروا بالنعمة وتركوا عائلاتهم وأولادهم وبلادهم التي سماؤها - كما تردّدون أنتم كالببغاء كثيرا - صافية وذهبوا إلى البلاد الأجنبية؟!!

لماذا يعيش سكان أوزبيكستان في الفقر المدقع إلى هذا الحد؟! ألا توجد ثروة طبيعية في أوزبيكستان؟ بلى، فأوزبيكستان غنية بالموارد الطبيعية، ففي باطن أرضها وفوقها ثروات كثيرة ومختلفة جدا. فلنلتفت إلى الحقائق:

قدّم صندوق الثقافة الاستراتيجية المعلومات التالية:

"في 5 مناطق من أوزبيكستان يُستَخرَج النفط والغاز، وهذه المناطق هي: أوستيُورت وبُخارى-خيوة وجنوبي غربي هيصار وسورخان دريا وفرغانة. وموارد النفط في باطن أرض الجمهورية تعادل أكثر من 5,3 مليار طن. ومكثفات الغاز (غاز كُندَنسَة) 480 مليون طن، والغاز الطبيعيّ 6,25 مليار متر مُكعَّب. وحسب المعلومات في 2003م فإن موارد النفط والغاز في أوزبيكستان تُقَدّر بـ1 تريليون دولار"!

ولكن إلى أين تذهب هذه الثروات الهائلة؟! وأكثر سكان أوزبيكستان في أماكن كثيرة يستخدمون - حتى الآن - روث الأبقار لإشعال النار! لأن الغاز في أوزبيكستان تستخرجه شركة "غازبروم" للغاز، وشركة "لوك آيل" الروسية وتبيعه للصين!

هذا بالنسبة للنفط والغاز فقط!! وفي أوزبيكستان - إلى جانب هذه الثروات الكثير من الثروات مثل الذهب والمعادن المختلفة - يتم إنتاج القطن والشرنقة (دودة القزّ) وغيرها من المنتجات الزراعية المختلفة أيضا. وعلاوة على ذلك تربة أوزبيكستان خصبة وشعبها شعب محب للعمل، ولكن هذه الثروات والموارد الهائلة نهبها الكفار المستعمرون وما يزالون ينهبونها!

والآن نرجع إلى الموضوع. إن الصراع بين الحق والباطل أي بين الإسلام والكفر - كما هو معلوم - ماضٍ إلى قيام الساعة. ومن المعلوم أيضا أن الغرب الكافر بعد أن قضى على دولة الإسلام فرّق بين بلاد المسلمين وجعلها دويلات صغيرة تافهة وجعل على كل دولة منها عميله الطاغوت حاكما! وأوزبيكستان أيضا كانت بالأمس من إحدى مستعمرات روسيا و"مزرعتها". وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي تحولت أوزبيكستان إلى ميدان صراع من أجل المصالح بين روسيا والصين وأمريكا وأوروبا؛ لأن ثروات أوزبيكستان الهائلة والأيدي العاملة الرخيصة تُسِيل لعاب هؤلاء المستعمرين. وعندما يعود الإسلام إلى الحياة تنتهي أيام هؤلاء المستعمرين، وهم يعرفون هذا جيدا. لذلك هم يحاولون ويبذلون قصارى جهدهم لمنع حدوث النهضة على أساس الإسلام في بلاد المسلمين ومنها أوزبيكستان أيضا. وتلك البرامج التلفزيونية يتم إعدادها على أساس أوامر هؤلاء المستعمرين. وفي هذا تم استخدام علماء السلاطين أيضا وما زال!

ونحن هنا نريد أن نُوَجّه الأسئلة التالية إلى هؤلاء الذين يشتغلون بإعداد تلك البرامج وإلى علماء السلاطين:

هل هذا هو رغد العيش في أوزبيكستان الذي تتشدقون به كثيرا؟!

لماذا تسكتون ولا تقولون ولو كلمة واحدة عن الجرائم والمجازر التي ارتكبتها وما زالت ترتكبها أمريكا وروسيا في سوريا والعراق وأفغانستان وسائر بلاد الإسلام؟!

لماذا تسكتون عن الجرائم الوحشية التي ارتكبتها وما زالت ترتكبها الصين ضد المسلمين في تركستان الشرقية ولم تقولوا عن هذه الجرائم ولو كلمة واحدة؟! والمسلمون في تركستان الشرقية يتبعون مذهب أبي حنيفة ويلتزمون بهذا المذهب، أليس كذلك؟!

يا علماء السلاطين، إن ادعاءكم اتّباع مذهب أبي حنيفة هو كذب وقح! لأن أبا حنيفة رحمه الله كتب في كتابه "الفقه الأكبر" الباب المسمّى بـ"نصب الإمام واجب"!! أي نصب خليفة للمسلمين واجب!! وفي فقه أبي حنيفة توجد أحكام شرعية أيضا مثل أحكام الجهاد والحدود والقضاء التي تقوم الدولة بتنفيذها! فلماذا لا تتحدثون شيئا عن هذه الأحكام للمسلمين وتسكتون؟! أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض كاليهود؟!! أنتم هؤلاء في فترة رئاسة الطاغية اليهودي السفاح كريموف أيضا كنتم تمدحونه وتبررون جرائمة البشعة ضد المسلمين! وأنتم الآن مثل ما كنتم من قبل ولم تتغيروا. فإذا منع الطاغية الجلباب الذي هو حكم شرعي فأنتم تمدحون هذا المنع! وإذا نزع أعداء الإسلام جلابيب النساء المسلمات والفتيات المسلمات فأنتم تمدحون هذا الفعل القبيح أيضا! وإذا مُنِع الأطفال من المساجد فأنتم تبرّرون هذا أيضا وتمدحونه! وإذا أطلق الغرب وعلى رأسه أمريكا وروسيا والصين وصف الإرهاب على المسلمين فأنتم ترددون وراءه كالببغاوات! ففي عشرينات القرن الماضي ألصقت روسيا المحتلة الشيوعية على آبائنا الشجعان الذين دافعوا عن أوزبيكستان وسائر بلادنا في آسيا الوسطى من المحتلين الروس اسم "المحتلّ"! واليوم يعيد التاريخ نفسه، ولكنكم لا تقولون عن هذا شيئا وتسكتون!!

لماذا نشبت ثورات الربيع العربي ومنها ثورة سوريا؟ وهل كفر المسلمون في تلك البلاد - في ظنكم - بالنعمة وما قدروا رغد العيش حق قدره فثاروا على حكامهم؟! ليس كذلك، إنما ثار هؤلاء المسلمون لأنهم سئموا من ظلم الرأسمالية. وحتى شعوب الغرب أيضا سئمت من هذا الظلم. ولكنكم لا تقولون عن هذا ولو كلمة واحدة! وفي سوريا قذف عميل أمريكا أسد، قذف هذا الطاغية القنابل الكيميائية - أكثر من مرة - على رؤوس أطفال المسلمين ونسائهم وشيوخهم وقتل الآلاف من الرجال والنساء والأطفال! وتحول الملايين من الناس إلى لاجئين. وقذفت روسيا القنابل على مدن وقرى سوريا. ولكنكم لا تقولون عن هذا ولو كلمة واحدة! أم تحولتم إلى "شياطين خرس"؟!

هل أدركتم الآن سبب عدم اقتداء الشباب بكم؟! لأن كذبكم قد افتضح أمام الشباب. أنتم بعتم آخرتكم بدنيا الكافرين! وهل يتبعكم الشباب وأنتم في هذه الدناءة؟! كلا، لن يتبعوكم؛ لأن الأمة قد نهضت وأنهضها حزب التحرير. وقد أظهرت أحداث الربيع العربي وثورة سوريا أنّ الأمة قد هدمت جدار الخوف وأخذت تحطّم الأصفاد والأغلال التي كبلها بها الغرب الكافر وعملاؤه من الحكام الطواغيت.

وقريبا بإذن الله تقوم دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة. وحينها فإنكم - إذا كنتم أحياء - ستُحالون إلى القضاء، ولعذاب الآخرة أشد وأنكى!!

﴿يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود الأوزبيكي

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر