الماء بين التفريط والتآمر  سد النهضة سلاح أمريكي يخنق مصر ويهدد وجودها
September 20, 2025

الماء بين التفريط والتآمر سد النهضة سلاح أمريكي يخنق مصر ويهدد وجودها

الماء بين التفريط والتآمر

سد النهضة سلاح أمريكي يخنق مصر ويهدد وجودها

ارتبط وجود مصر بنهر النيل منذ القدم، فهو شريان حياتها ومصدر بقاء أهلها. فمصر تعتمد على النيل بنسبة تقارب 97% من احتياجاتها المائية، إذ يبلغ إجمالي مواردها المائية السنوية نحو 60 مليار متر مكعب، منها 55.5 مليار من النيل، بينما الاحتياجات الفعلية تتجاوز 114 مليار متر مكعب. أي أن هناك فجوة تقارب 54 مليار متر مكعب تُسدّ عبر إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي والمياه الجوفية. ومع هذا العجز الكبير، فإن أي نقص إضافي، ولو بضعة مليارات، يعني كارثة وجودية.

هذه الحقيقة تجعل من قضية سد النهضة الإثيوبي أخطر تهديد واجهته مصر في تاريخها الحديث. فهو ليس مجرد مشروع تنموي كما يزعمون، بل هو سلاح استراتيجي في يد أمريكا، يهدد حياة أكثر من 110 مليون مصري، ويضع مستقبلهم رهينة لقرارات الخارج.

منذ انطلاق المشروع عام 2011، كان بإمكان مصر - وهي الدولة الأكثر تضرراً - أن توقفه في مهده عبر الضغط السياسي أو التحرك العسكري، لكنها لم تفعل! بل سار النظام وراء وهم الحلول الدبلوماسية، حتى وقّع في آذار/مارس 2015 على اتفاق إعلان المبادئ في الخرطوم، الذي اعترف لأول مرة بشرعية بناء السد، وأعطى إثيوبيا الغطاء القانوني والدولي اللازم.

هذا الاتفاق لم يتضمن أي التزام صريح بحصة مصر التاريخية، بل ألغى عملياً ما نصّت عليه اتفاقية 1959 التي ضمنت لمصر والسودان حصصهما. والأدهى أن الاتفاق ألزم مصر بالتعاون مع إثيوبيا، بدلاً من أن يلزم إثيوبيا بعدم الإضرار بدول المصب!

بعد ذلك، توالت جولات التفاوض العبثية تحت رعاية أمريكية وأوروبية وأفريقية. ومع كل جولة جديدة، كانت إثيوبيا تُكمل مرحلة من بناء السد أو الملء. واليوم، وبعد عدة عمليات ملء وتشغيل جزئي، لم يبق لمصر إلا بيانات إنشائية من نوع "الماء قضية وجودية"، "لن نسمح بالمساس بأمننا القومي"؛ بينما الواقع أن السد أصبح أمراً واقعاً يهدد حياة المصريين.

من الخطأ النظر إلى إثيوبيا باعتبارها صاحبة القرار في هذه القضية. فالولايات المتحدة هي الراعي الحقيقي للمشروع، والمستفيد الأكبر منه، فمن ناحية التمويل والدعم الدولي، شركات أمريكية وغربية شاركت في الدراسات والتمويل والدعم الفني، بينما وُفِّر الغطاء السياسي عبر المؤسسات الدولية. كما أن أمريكا تعلم أن الماء بالنسبة لمصر أخطر من النفط بالنسبة للدول الأخرى. وبالتالي، فإنها جعلت السد ورقة ضغط على النظام الحالي ليبقى خاضعاً لإملاءاتها، وورقة احتياطية تستخدمها ضد أي تغيير سياسي أو ثورة مستقبلية، هذا بخلاف التهديد المباشر لمصر من وجود السد أو انهياره فتخفيض تدفق المياه ولو بنسبة 10% (5.5 مليار متر مكعب) يعني خروج مليون فدان من الرقعة الزراعية. وإذا قلّت المياه بنسبة 20% فستتأثر حياة 20 مليون إنسان مباشرة. هذا وحده يكفي لشلّ الاقتصاد المصري وإغراق البلاد في الفوضى، بخلاف ما يمكن أن يحل بالسودان ومصر من كوارث حال انهيار السد الذي لن يؤثر على إثيوبيا.

إذن، السد ليس مشروعاً إثيوبياً فحسب، بل هو سلاح استراتيجي أمريكي مصوَّب إلى قلب مصر.

ينظر الإسلام إلى الماء على أنه ملكية عامة للأمة، لا يجوز أن يُحتكر أو يُسلَّم لعدو. قال ﷺ: «الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ: فِي الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ». وبذلك فإن أي تفريط في مياه النيل هو خيانة عظمى، لأنه تفريط في حق الأمة جمعاء. والواجب على الدولة أن تحمي منابع المياه وتضمن وصولها، ولو تطلّب ذلك استخدام القوة.

كما أن الشرع يقرر قاعدة (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب)، وحفظ حياة الناس، وبالتالي فإن السيطرة على منابع النيل وتأمينها واجب شرعي. فلا يجوز بحال أن تُترك إثيوبيا أو أية قوة أجنبية تمتلك قرار حياة مصر وأهلها.

ماذا لو كان لنا دولة وخليفة؟

لو كان للمسلمين دولة حقيقية تحكمهم بالإسلام، لما تُرك سد النهضة يُبنى يوماً واحداً، بل كانت الدولة ستتحرك منذ اللحظة الأولى بكل الطرق، لمنع أي تهديد لمياهها، وكانت ستسيطر على منابع النيل لتأمين حق الأمة في الماء، ولو أصرت قوة معادية على بناء سد يهدد حياة المسلمين، لمنعته بالقوة. قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ. لكن ما يحدث اليوم هو أن النظام المصري يربط مصير البلاد بالقانون الدولي الذي وضعه المستعمر، ويتنازل عن السلاح الوحيد الذي كان يمكن أن يردع إثيوبيا؛ القوة.

التقارير الدولية والمحلية تؤكد أن مصر على أعتاب كارثة حقيقية

نصيب الفرد من المياه: تراجع إلى نحو 550 مترا مكعباً في السنة (أقل من خط الفقر المائي البالغ 1000 متر مكعب)، ومن المتوقع أن ينخفض إلى 330 مترا مكعباً بحلول 2050.

الزراعة: أكثر من 8 ملايين فدان تعتمد على مياه النيل، وأي نقص في المياه سيؤدي إلى بوار مساحات شاسعة، وتراجع إنتاج القمح والأرز والذرة، ما يزيد الاعتماد على الاستيراد.

الغذاء: تستورد مصر بالفعل أكثر من 12 مليون طن من القمح سنوياً، ومع أي نقص إضافي في المياه ستصبح أكثر تبعية للخارج.

الطاقة: السد الإثيوبي ينتج أكثر من 6 آلاف ميجاوات، بينما مصر تتحمل خطر العجز المائي دون مقابل، ما يزيد الفجوة الاقتصادية.

الصحة والبيئة: انخفاض تدفق النيل يزيد ملوحة المياه في الدلتا، ويهدد حياة الملايين بمشاكل صحية وزراعية.

لم يقف النظام المصري عاجزاً فحسب أمام السد وتهديداته، بل تجاوز ذلك إلى سياسات عبثية تمس حياة الناس وصحتهم، إذ اتجه إلى استغلال مياه الصرف الصحي المعالجة، بل وأحياناً غير المعالجة جيداً، لتعويض العجز المائي. فبدلاً من أن يسعى لتحرير منابع النيل أو تأمين حصص مصر الشرعية، لجأ إلى إعادة تدوير مياه المجاري وضخها في الاستخدام الزراعي بل وأحياناً في الاستخدامات التي تتصل بحياة الناس اليومية!

هذا السلوك ليس مجرد فشل إداري أو قصور تقني، بل هو جريمة سياسية ممنهجة، إذ يجعل الشعب يعيش وسط الأمراض والأوبئة، ويحمّله ثمن أزمة افتعلها النظام نفسه حين شرعن السد ووقّع اتفاق المبادئ، ثم قَبِل بالارتهان لمفاوضات عبثية. والأدهى أن الإعلام الرسمي يقدّم هذا التوجه كـ"حل ذكي" أو "إبداع وطني"، بينما هو في الحقيقة عقوبة جماعية للشعب، وإمعان في تحميله تكلفة جريمة النظام وتفريطه.

وقد أظهرت تقارير طبية ودراسات بيئية أن الاعتماد على مياه الصرف الصحي في الزراعة يؤدي إلى انتقال أمراض خطيرة مثل الفشل الكلوي، وأمراض الكبد (التهاب كبدي فيروسي)، والسرطانات الناتجة عن التلوث الكيميائي. كما أن تلوث التربة والمياه الجوفية بهذا الاستخدام يورث آثاراً طويلة الأمد تصعب معالجتها. وكأن النظام يقول للشعب: "لن نحارب لاستعادة حقكم في الماء، بل سنسقيكم ما يهدد حياتكم"!

وهذا السلوك ينسجم تماماً مع الدور المرسوم للنظام في مصر وهو: ترويض الشعب وإشغاله بالأزمات الداخلية، وتحويل كل حق طبيعي إلى منّة يمنّ بها الحاكم على الناس. فالماء الذي هو حياة الناس وحقهم الشرعي، صار مادة للابتزاز: "احمدوا الله أننا نجد لكم بديلاً"، بينما البديل هو السمّ البطيء.

في المقابل، يوضح الإسلام أن الماء من الموارد العامة التي جعلها الشرع ملكية مشتركة بين المسلمين، لا يجوز التلاعب بها أو احتكارها أو تركها تحت رحمة عدو، فكيف يُترك ماء النيل رهينة بيد إثيوبيا بإدارة أمريكية، بينما يُسقى الشعب بمياه الصرف الصحي الملوثة؟!

إن هذه السياسة تكشف أن النظام لا يسعى لحل الأزمة، بل إلى إدارتها بما يضمن استدامة الخضوع والتبعية، ويحوّل الماء من مصدر حياة إلى وسيلة إذلال. وبهذا يصبح السد والماء سلاحاً مزدوجاً: سلاحاً خارجياً تمسك به أمريكا وأداتها إثيوبيا، وسلاحاً داخلياً يستخدمه النظام لمعاقبة الشعب وتأديبه.

إن الحلول الجزئية - كتحلية المياه أو تطوير الري - قد تخفف من الأزمة، لكنها لا تحمي مصر وأهلها من الخطر الوجودي، والسبيل الوحيد هو التحرر من التبعية الأمريكية، وتوحيد مصر والسودان وسائر بلاد المسلمين في دولة واحدة قوية، ومن ثم السيطرة على منابع النيل، وتأمين تدفق المياه كحق شرعي للأمة.

هذه الرؤية لا تتحقق إلا في ظل الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تجعل السيادة للشرع والسلطان للأمة، وتتعامل مع الماء كسلاح حياة لا كسلاح في أسواق السياسة.

يا أهل مصر الكنانة: إن الماء حياة، والتفريط فيه خيانة. وإن السد الذي يُسوّق لكم كرمز تنمية في إثيوبيا هو في الحقيقة سلاح أمريكي مسلّط على رقابكم. والنظام الذي يزعم حماية أمنكم القومي هو ذاته الذي وقّع على التفريط به. إن الواجب اليوم أن تدركوا أن خلاصكم ليس في استمرار هذا النظام، ولا في انتظار النظام الدولي، بل في الانحياز إلى مشروع الإسلام الذي يحفظ حياتكم وأمنكم وكرامتكم. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ. فلتنهضوا لحمل هذا المشروع العظيم، ولتكونوا جزءاً من أمة واحدة، ودولة واحدة، تحمي ماءها وأرضها ووجودها.

اللهم أعد لنا دولة الإسلام وسلطانه وشرعه لنستظل بظلها من جديد؛ خلافة راشدة على منهاج النبوة.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر