المأزق الفرنسي والغربي في مواجهة الإسلام السياسي
October 31, 2020

المأزق الفرنسي والغربي في مواجهة الإسلام السياسي

المأزق الفرنسي والغربي في مواجهة الإسلام السياسي

لقد تكرر انتهاك دول العالم لمقدسات المسلمين، تارة بوصم الإسلام بالتطرف والإرهاب، وأخرى بإحراق القرآن الكريم، وثالثة بشتم النبي الكريم محمد ﷺ وتصويره بأشكال مهينة ومستفزة، وتارات أخرى بغير ذلك. ومن ذلك ما يشهده العالم اليوم من إظهار فرنسا ورئيسها ماكرون حقداً كبيراً على الإسلام وتأييداً لانتهاك مقدساته، والتذرع لذلك بحرية التعبير. ما أدى إلى ردة فعل غاضبة عند المسلمين، صمتت خلالها معظم الأنظمة القائمة في بلاد المسلمين، بل إنّ بعض المؤسسات الدينية أيدت فرنسا في حربها على الإسلام، كرابطة العالم الإسلامي التابعة لنظام آل سعود، والتي لا يفتأ رئيسها محمد عبد الكريم العيسى، يعلن حربه على الإسلام السياسي، ويحرِّض على استئصاله من فرنسا ومن كل مكانٍ في العالم، كما ورد في موقع آر تي عربي.

هذا الأمر قديم وجديد، ويزداد انتشاراً وتكرراً، ما يدل على أن الصراع بين الإسلام والكفر يحتدم، وجبهاته تزداد اشتعالاً، وهو يشير بقوة إلى الرعب الذي تعيشه فرنسا والغرب عموماً من الإسلام؛ وذلك بسبب الخطر الذي صار يشكله المسلمون نتيجة صحوتهم على الإسلام بوصفه عقيدة عقلية وسياسية وروحية، يخاطب كل الناس ويحكم في كل أعمالهم وعلاقاتهم، ويقنع العقل وتقبل عليه النفس، ما يشكِّل خطراً على وجود النظام الغربي الرأسمالي. ويتفاقم هذا الخطر لأن المسلمين يزدادون بنسب أكثر من غيرهم، وتتجاوز أعدادهم المليارين. إضافةً إلى أن أوروبا، وفرنسا بشكل خاص، لا تستغني عنهم كطاقة بشرية. فإذا لم يتخلّوا عن التوجه السياسي الإسلامي، ولم يندمجوا في الحياة الغربية، فإنّ هذه العوامل تتضافر لتهدد بتحول أوروبا إلى الإسلام، ناهيك عن عودة الدولة الإسلامية. هذا هو باختصار لبُّ أسباب الحرب العالمية المعلنة على الإسلام، وأسباب الإسلاموفوبيا التي يثيرها قادة الغرب ودهاقنته ويؤججونها بشكل عالمي. وعلى ذلك، فإن هذه الأعمال والمواقف، الفرنسية وغيرها، تندرج في خانة الخوف من ازدياد انتشار الفكر السياسي الإسلامي وعودة الإسلام والخلافة إلى الميدان الدولي.

فهذا الاعتداء والاستفزاز، وإن كان حدثاً يمرّ، هو مؤشر إلى حقيقة ثابتة، هي الصراع الدائم بين الإسلام والكفر. وهو الصراع العقدي والسياسي بين الإسلام وأمته من جهة، وبين الكفر وكل دوله من جهة أخرى، سواء في بلاد الكفر أو في بلاد المسلمين. لذلك، ينبغي بيان واقع هذا الحدث وأمثاله بوصفه جزءاً من صراع مستمر، ومحطةً على طريق التغيير المنشود، كما ينبغي فهم تفاصيل هذه المحطة، لإحسان البناء عليها للعبور إلى المحطة التالية.

مع بدء الصحوة الإسلامية خلال النصف الثاني من القرن الماضي، وازدياد إدراك المسلمين لتناقض أفكار الإسلام، مع أفكار الغرب العلمانية، تنبه حكام الغرب إلى ظهور هذا التوجه، الذي يتناقض مع الأفكار الغربية. ومع إدراكهم لخطره على نفوذهم وهيمنتهم، فقد كانوا، بادئ الأمر، واثقين من أنهم يستطيعون الالتفافَ عليه وتطويعه.

لم تكن ثقتهم هذه مبنيةً على أوهام، وإنما كانت نتيجة تجارب وخطط لطالما نجحوا فيها، منها أعمال ضخمة، كهدم الخلافة، وما تبع ذلك من تداعيات كارثية. وبالفعل، فقد نجح مكرهم حيال الكثير من التوجهات التي احتووها وسخروها لغاياتهم، بل جعلوها عائقاً في طريق العمل الإسلامي، وحرباً على الاتجاه السياسي الهادف والملتزم.

ولكنهم لم يتمكنوا من القضاء على هذه الصحوة، فقد ظل في الأمة مَنْ تفشل معهم محاولاته، ولا يقعون في حبائل مكره، مصداقاً لقول النبي ﷺ الذي رواه مسلم: «لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ كَذَلِكَ».

وقد ازداد خطر هذا التوجه الإسلامي حتى صارت مواجهته استراتيجيةً عند الدول الكبرى، وبخاصةٍ بعد أن صارت له جذور في البلاد الغربية نفسها، حيث نبت هناك من يؤمن به من المسلمين الغربيين أنفسهم. وهذا بنظر حكام الغرب والقائمين على مجتمعاته وأنظمته نذير خطر كبير، لأنه يستفز العقول ويحرض على النظر والتفكير، وهذا ما يقضّ مضجع كلِّ طاغية.

لقد نما لهذا التوجه نبتات داخل تلك البلاد، معقل الرأسمالية وآلياتها وأدواتها. ولذلك انتفض طواغيتهم يحذرون من خطر داهم، يهدد طريقتهم في العيش التي أعلنوا تمسكهم بها بأشدّ من تمسُّكهم بالحياة. لقد شعروا بخطر انكشاف أمرهم، وهم أول العارفين أنهم كذابون مضلون، كما كان يَعرف فرعون أنه كذابٌ مُضِلٌ، وأنهم يتبجحون تبجحاً، كما كان يعرف فرعون أنه ليس إلهاً. وأدركوا أنهم إذا لم يقضوا على هذا التوجه الإسلامي فسيقضي عليهم؛ لذلك اتخذوا القضاء على هذا التوجه قضية مصيرية، يعتمدون لأجلها أي وسيلة ويدفعون أي ثمن. فالرأسمالية هي طريقتهم للتأله، وأدواتها هي بالنسبة لهم سحرةُ فرعون وجندُه في الخداع والتضليل، والمحافظة على التسلط والتأله.

لقد باشروا إلى تحقيق هذا الهدف، وكرروا محاولاتهم، ولكنهم كانوا في كل مرةٍ يفشلون. فمنذ عقود، وأمريكا تغيِّر استراتيجياتها في محاربة التوجه الإسلامي؛ وقد استعملت أقوى أسلحتها في المكر والتضليل وفي أعمال الإبادة الوحشية، واستبدلت خططاً بأخرى، ولكن ذلك كله فشل. وهذا ما حيّرَ حكامَ الغرب ومفكريه وأفقدهم ثقتهم بمواجهة الإسلام، وأورثهم شعوراً بالعجز عن القضاء عليه. فاستنفروا الغرب والعالم كله لمواجهته، وأطلقوا عليه أسماء التطرف والإرهاب والإسلام السياسي و(الإسلَمِزم)، و(الإسلاموية)، وأثاروا ضده الحقد والرعب والإسلاموفوبيا...

ولقد أثبت الغرب في هذا الصراع أنه ليس على شيء، لأنه ناقض الأفكار التي يتغنّى بها ويدعو إليها، فداس فكرة الحريات العامة، وأهدر حقوق الإنسان، وخلتْ أعماله تجاه الإسلام من أي أثر لحوار، أو قبول للرأي الآخر، بل كانت أعماله كلها مكراً وخططاً مخابراتية وأمنية وتجسساً طال كل المسلمين في بلاد الغرب، وفبركة قصص تطرف وصناعة إرهاب، يتحدثون عن أخطاره ويضخمونها، ليسوغوا بذلك حربهم على الإسلام والمسلمين.

تتعذر الإحاطة بجبهات الحرب الغربية على الإسلام والمسلمين. وهي في حقيقتها حرب عالمية، تقودها أمريكا بحكمِ قيادتها الحضارية والسياسية للعالم الغربي، وتساهم فيها كل دول أوروبا وفي مقدمتها فرنسا، والدول القائمة في العالم الإسلامي أيضاً. وقد جعلت أمريكا محاربة الإسلام من مسؤوليات الأمم المتحدة، فاتسعت دائرة هذه الحرب وكبرت تكاليفها، وكلفت المسلمين الكثير من الدماء والهدم، فضلاً عن انتهاك الحرمات والمقدسات. وكلفت دول الغرب أيضاً، وفي مقدمتها أمريكا، الكثير من الأموال والجهود والخسائر في شتى جبهاتها.

إن الذي يقض مضاجع الغرب هو فشل سياساتهم وحملاتهم للقضاء على الإسلام، وهم يقفون اليوم وجهاً لوجه مع فشلهم، وتراودهم أفكار استحالة القضاء على الإسلام السياسي، وبخاصة أنّ الباحثين المتخصصين عندهم بمئات الألوف، ومراكز الفكر والدراسات عندهم بالآلاف، وإمكاناتهم المالية والعسكرية ضخمة جداً، وهيمنتهم السياسية تجعلهم أصحاب السيادة والسلطة على كل دول العالم، وكل ذلك مسخَّر لمراقبة المسلمين وحركاتهم واحتوائهم. ومع كل ذلك، فقد فشلوا في تحريف الإسلام أو تنحيته أو القضاء على الإسلام السياسي.

لماذا؟ وأين السر؟ وأين مكمن قوة المسلمين التي تفشل معها كل هذه المحاولات والأعمال؟ وماذا يفعلون؟ ما الحلّ؟

هم لا يعرفون الجواب. وهذا مما يقض مضجعهم، ويدفع ساستهم إلى مناقضة أفكارهم ومبدئهم، وإلى اتخاذ مواقف حاقدة وعصبية وغير متزنة، كمواقف ماكرون وأضرابه وتصريحاتهم. والنتيجة الطبيعية لذلك أن لا يجدوا لمواجهة الإسلام والمسلمين إلا استعمال القوة الغاشمة، والترويض القسري، والخداع والمغالطات، وفرض القوانين والتشريعات التي تُلزم المسلمين بمخالفة دينهم، وهم يجترحون برامج لهذا الغرض، ووسائل للترغيب والترهيب. ورغم كل ذلك، تفاجأوا بأن التوجه الإسلامي أقوى من مكرهم، وأن هذه الضغوط زادت المسلمين رفضاً للاندماج في الغرب، وإصراراً على القضاء على نفوذه في بلادهم. ويدرك العارفون في الغرب أنهم أمام معضلة، والأصح أنهم يقتربون من حافة هاوية، أي أنهم في أزمة مستعصية وتتفاقم، وهذا ما أصابهم بصدمة ورعب، ودفعهم إلى الصراخ تحذيراً وخوفاً، وكأنهم يطلبون النجدة، ولكن مِمَّن؟!

هذه هي الصورة العامة لواقع الغرب في مواجهة صعود الفكر السياسي الإسلامي اليوم. ويقتضي تمام بيانها الإشارة إلى ظهور توجه آخر عند بعض المفكرين في الغرب، يعبِّر أصحابه عن مدى الادعاء والخداع والفبركات في تعامل سلطاتهم الغربية مع المسلمين، فيخرج هؤلاء في هذه الأجواء المحمومة ليحذِّروا من هذه السياسات. ومما يطرحونه ويخاطبون به مجتمعاتهم الغربية وأصحابَ القرار فيها: إنّ التطرف الذي تتهمون المسلمين به، أنتم من يصنعه، والإرهاب الذي تثيرون الخوف منه، أنتم من يمارسه ويغذيه، وجيوشكم وأجهزتكم الأمنية والمخابراتية هي من ينفـِّذه، وإنّ الصراخ الذي تملأون أرجاء الأرض به، محذِّرين من أن الإسلاميين قادمون، وتصويركم لهم كأنهم أشباح، وتضخيمكم لأخطارهم، والإسلاموفوبيا التي تثيرونها وتُلهبونها، لتتذرعوا بها لسحق المسلمين وإهدار حقوقهم وكراماتهم، وتسميتَكم تطلعات المسلمين للتحرر من الظلم والقهر تطرفاً وإرهاباً، هذا كله هو ما سيؤدي إلى قدوم المسلمين الذي تخشونه، وسياساتُكم هي التي ستجعلهم يغـُذون السير للوصول.

هذا الواقع يؤكد أن الغرب مأزوم بسبب فشله المتعاقب في مواجهة الإسلام، وأنّ فرنسا مأزومة بسبب فشلها في دمج المسلمين، وفي تحريف الإسلام بإنشاء (إسلام فرنسي)! ويُتوقع أن تُغذِّي الخلافات الغربية الداخلية انقسامَ المجتمعات الغربية إزاء التعامل مع المسلمين، لتزيد الغرب تأزماً وإحباطاً. وهذا مما يفتح المجال للمتصدرين للعمل الإسلامي، لزيادة نشاطاتهم ومجالات دعوتهم، برسم مشاريع وخطط إضافية لأعمال الدعوة، ولتقديم مواضيع وأفكار يخاطبون الغربيين بها، ولغذِّ السير وحشد الطاقات على جبهات الصراع بين الإسلام والغرب.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود عبد الهادي

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر