April 27, 2010

المحاسبة السياسية في الإسلام والجُبن السياسي


والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين اما بعد .


إن السياسة في تعريفها اللغوي هي رعاية الشؤون ، وعندما تتعلق هذه السياسة بالحكم وولاية أمور العباد فإن كلمة السياسة يصبح لها مدلول اصطلاحي خاص يعني رعاية شؤون الأمة .


وقد جعل الله تعالى في الشريعة الإسلامية أحكاما شرعية خاصة برعاية شؤون المسلمين وغيرهم ممن يحملون التابعية للدولة الإسلامية.
وجعل الله تعالى لهذا الحكم أركانا وقواعد لا يصح الحكم إلا بها وهي:-


أولا- أن السيادة للشرع لا للأُمة يقول تعالى :-
((يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ))


ثانيا - أن السلطان للأمة - وذلك ان نصب الخليفة إنما يكون من الامة ، فالأمة الإسلامية تبايع الخليفة على الحكم ولا يبايع الخليفة المسلمين على حكمهم .
عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبيَّ بعدي، وستكون خلفاء فتكثر، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم» رواه مسلم


ثالثا- وجوب نصب خليفة واحد
فقد روى مسلم عن نافع قال: قال لي عبد الله بن عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية»


ووجه الاستدلال بهذا الحديث هو أن الرسول أوجب على كل مسلم أن تكون في عنقه بيعة لخليفة ولم يوجب أن يبايع كل مسلم الخليفة، فالواجب هو وجود بيعة في عنق كل مسلم، أي وجود خليفة يستحق في عنق كل مسلم بيعة بوجوده. فوجود الخليفة هو الذي يوجد في عنق كل مسلم بيعة سواء بايع بالفعل أم لم يبايع.

رابعا - إعطاء حق التبني للخليفة وحده
فقد ثبت بـإجماع الصـحابة، على أن للخـليفة وحده حق تبني الأحكام، ومن هذا الإجمـاع أُخـذت القـواعد الشـرعية المشـهورة. (أمر الإمام يرفع الخلاف)، (أمر الإمام نافذ، ) (للسلطان أن يُحدث من الأقضية بقدر ما يَحدُث من مشكلات) .

وقد شرع الله تعالى من الأحكام ما يقيم أركان الحكم بالإسلام ويحافظ عليها من التبدل والتغير والزوال ؛ ومن ذلك الاحكام التي تدعوا المسلمين إلى تقويم اعوجاج حكامهم وساستهم وولاة أمورهم ، بالمحاسبة المقترنة بالطاعة في غير معصية . ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومناصحة أولي الأمر .
قال تعالى :- ﴿{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ}﴾ آل عمران 110


وقال صلى الله عليه وسلم :- " سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله" رواه الحاكم


فمحاسبة من يقوم على أمور المسلمين ورعاية شؤونهم هي محاسبة سياسية وهي عمل سياسي وجب على الأمة أن تقوم به كي تحافظ على الحكم بالإسلام فتمنع الحيد عما أمر الله به قيد شعرة . فتكون الأمة الإسلامية أمة واعية على أمور دينها متنبهة لأمر تطبيق الشريعة الإسلامية في كل أمر من أمور حياتها .


حتى أن الله تعالى جعل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرضا يجب أن تقيمه جماعة من المسلمين كي تتحقق الكفاية فيهم لينوبوا عن الأمة في الدعوة إلى الإسلام وأحكامه عبر مراقبة الحكام ودوام محاسبتهم فقال تعالى :- ﴿ ولْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾آل عمران 104

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الأساس الذي يجب أن يقوم عليه العمل السياسي في الدولة الإسلامية وفي غياب الدولة أيضا بالعمل على إعادة الحكم بما أنزل الله تعالى .


ولذلك فقد كانت المحاسبة السياسية جزءا من حياة المسلمين وذلك تحقيقا لما أمر الله تعالى به وما جاء في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال :-
: " من رأى سلطانا جائرا، مستحلا لحرم الله، حاكما في عباد الله بالإثم والعدوان، ولم يغير عليه بقول أو فعل، كان على الله أن يدخله مدخله ".


ويقول عليه الصلاة والسلام: " لا يحقرن أحدكم نفسه، قالوا يا رسول الله، وكيف يحقر احدنا نفسه؟ قال: يرى أن عليه مقالا ثم لا يقول به، فيقول عز وجل يوم القيامة ما منعك أن تقول فيَّ كذا وكذا، فيقول : خشية الناس، فيقول: فإياي كنت أحق أن تخشى .." رواه الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري ،


وقال صلى الله عليه وسلم:" إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى تكون العامة تستطيع أن تغيّر على الخاصة، فإذا لم تغيّر العامة على الخاصة، عذّب الله العامة والخاصة" رواه أحمد والطبراني في الكبير.

وقد أدرك الصحابة رضوان لله عليهم أهمية المحاسبة السياسية والعمل السياسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فضربوا أروع الأمثلة في محاسبة ولاة الأمور والوقوف على أحوالهم ومتابعة رعايتهم لشؤون أمتهم.


فقد قال الإمام علي رضي الله عنه: ( فلا تكفوا عن مقالة بحق أو مشورة بعدل، فإني لست في نفسي بفوق أن أخطئ، ولا آمن ذلك من فعلي إلا أن يكفي الله من نفسي ما هو أملك مني) نهج البلاغة ج2/

وحاسبت امرأ ة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تحديد المهور قائلة: " يا عمر لم تحدد مالم يحدده الله ورسوله؟ ألم تسمع قوله تعالى { ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا ﴾}؟ النساء20، فرد عمر قائلا:" أخطأ عمر وأصابت امرأة "


نعم هكذا كانت الأمة الإسلامية وهكذا كان رجالها ونساؤها حين أدركوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ‏ ‏تميم الداري ‏ أن النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال (‏ ‏الدين النصيحة) قلنا لمن؟ قال لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) رواه مسلم


وإن أخطر ما قد تصاب به الأمة الإسلامية من داء قاتل يطيح بدولتها ويذهب بكرامتها وعزتها لهو( الجبن السياسي ) أي أن تصبح الأمة الإسلامية جبانة فيما يتعلق بالمحاسبة المتعلقة برعاية شؤونها ، فإذا فسد أمراؤها لم يجدوا من ينكر عليهم وإذا ظلموا لم يجدوا من يأخذ على أيديهم فيأطرهم على الحق أطرا كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال :-


((كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً أو تقصرنه على الحق قصراً)) [أبو داود والترمذي وابن ماجه.

نعم إن الجبن السياسي وغياب المحاسبة السياسية هو من أهم الأسباب التي أدت إلى ضعف دولة الخلافة العثمانية ومن ثم انهيارها دون أن يقوم من أبناء الأمة من يحمل السلاح في وجه العملاء الذين سلخوا الأمة عن دولتها ، ولم يقم أحد من بعدهم ليحمل السلاح في وجه العميل الخائن اتاتورك حين ألغى دولة الخلافة .
صحيح أن الأمة ما يزال فيها المجاهدون في سبيل الله ممن يقاتلون الكافرين ويدافعون عن أرض المسلمين وهذا مما يدل على الشجاعة التي يتصف بها أبناء الامة الإسلامية ، تلك الشجاعة الناتجة عن العقيدة الإسلامية والإيمان بالله واليوم الآخر وحب الشهادة في سبيل الله تعالى .


ولكن تلك الشجاعة تظهر في قتال الكافرين والذوذ عن بلاد الإسلام ، فبعد إلغاء دولة الخلافة أصبحنا نجد المسلمين يستبسلون في إخراج الكفار المستعمرين من بلادهم فإذا ما خرج المستعمر من بلادهم وسلط على رقابهم حكاما عملاء لا يحكمون بشرع الله تعالى بل ويحافظون على مصالح الكفار في بلاد المسلمين لم نجد بين المسلمين من يقوم لينكر على هؤلاء الحكام ويحاسبهم ويسعى للإطاحة بهم أو لحمل الأمة على نبذهم وعدم طاعتهم .


وقد أصيبت الأمة بالجبن السياسي جراء أحداث وأسباب عديدة تراكمت عليها عبر العصور حتى نسي المسلمون دورهم في تقويم الحاكم وأمره ونهية. فلم نسمع بعد عصر الصحابة والتابعين عمن ينصحون للأمراء ويحاسبونهم إلا قليلُ من العلماء المخلصين الذين هيأهم الله تعالى للأمة الإسلامية فكانوا يكشفون للمسلمين في عهد الدولة الإسلامية ما يجري فيها من تقصير في الحكم بالإسلام ورعاية شؤون المسلمين .


أما بعد انهيار دولة الخلافة فقد هيأ الله تعالى للأمة الإسلامية حزب التحرير الذي أخذ على عاتقه تبني مصالح الامة الإسلامية والعمل على استئناف الحياة الإسلامية بالعمل السياسي .


فكانت أصعب المهمات التي اضطلع بها حزب التحرير هي نشر الوعي بين أفراد الأمة الإسلامية على فرضية العمل السياسي في وقت كانت فيه الأمة لا تعرف من أمر قضاياها المصيرية شيئا ولا تجد بينها من يقول بفرضية العمل السياسي بل إن حكام السوء جعلوا للأمة من علماء السلاطين من يفتون لهم بحرمة السياسة والعمل السياسي بحجة ان السياسة ما هي إلا تدليس وكذب وخداع أو تجدهم يضللون الأمة بما جاء في الشريعة من فرضية إطاعة أولي الامر زورا وبهتانا .


فحين قام حزب التحرير كانت قد قامت بين الامة الإسلامية جماعات وحركات تتخذ الإسلام شعارا ولكن دون الدعوة للحكم أو التدخل بالسياسة فزادت تلك الدعوات من تضليل الأمة عن فرضية المحاسبة السياسية وتغيير ما يفرض عليها من منكرات . وذلك مما رسّخ حالة الجبن السياسي التي كانت تعيشها الأمة الإسلامية .


فقد كانت الامة الإسلامية إذا ناديت فيها للجهاد ودحر الكافرين وجدت المسلمين يهبون لتلبية نداء الجهاد والقتال في سبيل الله دون تأخر أو إبطاء وذلك لقوة العقيدة الإسلامية التي ظلت حية في نفوسهم رغم ما مرت به الأمة من تخلف وجهل بالإسلام .فإذا سمعت الأمة مناديا لخلع الحكام الرويبضات عن أرض المسلمين وإقامة الحكم بما أنزل الله لم تكن تجد من يقوم لإنكار المنكر مع أن المحاسبة السياسية والعمل السياسي قد ثبت في الشريعة الإسلامية بالقرآن والسنة وإجماع الصحابة كما ثبت الجهاد وقتال المشركين .


ولكن الجبن السياسي كان قد استشرى في الأمة إلى درجة جعلت حزب التحرير حين قيامه يضطلع بإزالة العقبات التي تضعها الامة أمامه في سبيل إقامة دولة الخلافة قبل العقبات التي يواجهها الحزب من الحكومات الكافرة ومن خلفهم من الدول الاستعمارية التي لا تريد ان يقوم للإسلام قائمة .فكان عمل حزب التحرير بين أفراد الامة من أصعب الأعمال والمهمات لأنه عمل على تغيير المجتمعات ونقلها من حال إلى حال، ونشر الوعي العام على أفكار الإسلام وعلى قضايا الامة المصيرية وإخراج الامة من حالة الجبن السياسي الذي تجذّر فيها على مر السنين وزرع الثقة بوعد الله بنصره في قلوب المسلمين لحملهم على التغيير ونصرة الحزب لاقامة دولة الخلافة على منهاج النبوة .


ولذلك فقد كان على الامة الإسلامية أن تدرك أولا ان المحاسبة السياسية ليست مجرد حق أو امتياز يتمتع به أفرادها بل هي واجب وفرض، عليهم أن يضطلعوا بأعبائه ويتشمروا لإقامته بالعمل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .


يقول الإمام الغزالي رحمه الله (( فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين ولو طوى بساطه وأهمل علمه وعمله لتعطلت النبوة واضمحلت الديانة وعمت الفترة وفشت الضلالة وشاعت الجهالة واستشرى الفساد واتسع الخرق وخربت البلاد وهلك العباد ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد وقد كان الذي خفنا أن يكون فإنا لله وإنا إليه راجعون إذ قد اندرس من هذا القطب عمله وعلمه وانمحق بالكلية حقيقته ورسمه فاستولت على القلوب مداهنة الخلق وانمحت عنها مراقبة الخالق واسترسل الناس في إتباع الهوى والشهوات استرسال البهائم وعز على بساط الأرض مؤمن صادق لا تأخذه في الله لومة لائم فمن سعى في تلافي هذه الفترة وسد هذه الثلمة إما متكفلاً بعملها أو متقلداً لتنفيذها مجدداً لهذه السنة الدائرة ناهضاً بأعبائها ومتشمراً في إحيائها كان مستأثراً من بين الخلق بإحياء سنة أفضى الزمان إلى إماتتها ومستبداً بقربة تتضاءل درجات القرب دون ذروتها))نسأل الله تعالى أن نكون من العاملين المخلصين لإقامة دولته ورفع رايته وإحياء سنة نبيه . وأن نكون ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه . اللهم آمين


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المزيد من القسم سياسة

يا علماء الأزهر: الشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار!!

ذكرت جريدة اليوم السابع في 26/10/2015م، أنها حصلت على نسخة من تقرير مهم لمرصد الأزهر الشريف أكد فيه "أن التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة "جائزة"، ما دامت ليست من قبيل الاستعانة بالمشركين على المسلمين طلبا لخذلان المسلمين، كما ذكر أن من مقاصد الشريعة عمارة الكون ولتحقيقها تمت الاستعانة بهم في نواح عديدة، منها الإدارية والصناعية والكتابية والقتالية وغيرها، واستدل بأن الرسول r استعان حينما هاجر إلى المدينة برجل مشرك ليدله على الطريق، وكان له غلام يهودي يخدمه بالمدينة، ولما قدم إلى المدينة كتب معاهدة بين المسلمين واليهود جاء فيها: (وأن بينهم النصر على من داهم يثرب)، ولما توجه رسول الله إلى مكة عام الحديبية ووصل إلى ذي الحليفة أرسل عينا له من خزاعة يأتيه بخبر قريش، وكان ذلك الرجل مشركا"، ليختم قائلا: "أما التحالف مع غير المسلم في مواجهة جماعة متطرفة تهدد أمن المجتمعات وسلامتها فعلينا هنا أن نفرق بين من يستعين بالمشركين على المسلمين طالبا خذلان المسلمين، قاصدًا هدم دولتهم، هادفًا إلى إضعاف شوكة الإسلام، كارها مبغضا لهذا الدين وأهله، فهذه الحالة نهى عنها ربنا تبارك وتعالى بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾، وبين من يفعل ذلك ردا لعدوان فئة باغية لا يستطيع رد عدوانها وحده، مع احتفاظه بسيادة دين الإسلام في بلده ظاهرا غالبا، فلا مانع له أن يستعين بغير المسلمين تحقيقا لمصالح المسلمين؛ ولضرورة أمن المجتمع وسلامته".

من الواضح جدا أن الوضع في الشام يلقي بظلاله على المنطقة كلها، وأن هناك ترتيباً وتحضيرات لكي تصبح مصر مخلبا من مخالب أمريكا في الشام بإدخالها إلى حلبة الصراع كما فعلت في ليبيا من قبل، كجزء من حلف أمريكا في حربها الصليبية الجديدة بعد أن أوشكت روسيا على الفشل، وحتى لا يغضب أبناء الكنانة لتحرك جيشهم تجاه إخوانهم في الشام، ويكون هناك مبرر لقمع من يظهر الغضب منهم، فلا بد من مبرر قوي وفتوى شرعية لخداع أهل الكنانة وأبنائهم في الجيش حتى لا يؤرقهم فيما بعد تلوث أيديهم بدم إخوانهم في بلاد الشام، وبدلا من أن يصدر مرصد الأزهر وعلماء الكنانة بيانا وفتاوى تحرم تلك التحالفات على أبناء الأمة وتجرم الدخول فيها، وتبين وجوب نصرة أهل الشام وأهل فلسطين وغيرهم ورد كيد أعداء الأمة من أمريكا ويهود والغرب الكافر، أصدر المرصد تقريرا أجاز فيه التحالف مع جيوش غير مسلمة لمواجهة الجماعات المتطرفة وإن كانت مسلمة، ما دامت ليست من قبيل خذلان المسلمين، وكأن قتل المسلمين ليس خذلانا لهم أو أنه قد أصبح أحد مقاصد الشريعة، ولا ندري من أين أتى المرصد بهذه الفتوى وما دليله عليها؟! ولا عن أي شريعة وأي مقاصد يتحدث؛ فمقاصد الشرع تحفظ النفس المسلمة لا تقتلها بتحالف مع عدو الله ورسوله وعدو الأمة، والمعلوم من قول رسول الله r «إنا لا نستضيء بنار المشركين» ورده على المشرك الذي لحق بالجيش «إنا لا نستعين بمشرك»، أما الاستعانة في الأمور الإدارية فلم يرد تحريمها، وهي تختلف جملة وتفصيلا عن الاستعانة في القتال فضلا عن قتال المسلمين، والأصل فيها الإباحة ولا يجوز قياسها على قتال أهل البغي من المسلمين بأي حال من الأحوال، فهي ليست من الأمور الإدارية وإنما هي أحكام شرعية لأفعال الأصل فيها التقيد بأحكام الشرع المستنبطة من أدلتها، وما أتى به النص الصريح هنا في قتال طائفتين من المؤمنين ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّه﴾ فالأصل في قتال طائفتين من المؤمنين أن نعمل على الإصلاح بينهما ثم يقاتل المسلمون، والمسلمون فقط دون غيرهم، الفئة الباغية طالما بقيت على بغيها حتى تعود عنه، ولا يجوز لهم أن يستعينوا بكافر على إخوانهم بعدوهم أبدا، فكما في الصحيحين «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وحتى نفصل في الفتوى يجب أن نستعرض واقع الأمة اليوم؛ حيث لا وجود لدولة إسلامية بالمفهوم الشرعي بل كلها بلاد إسلامية يسكنها مسلمون، يحكمها حكام ضرار مغتصبو سلطة وضعهم الغرب الكافر على رؤوس البلاد والعباد لرعاية مصالحه ولقهر الأمة واستعباد شعوبها للغرب الكافر، وكل من حاول الانعتاق من التبعية والتملص من ربقة الغرب يتسلطون عليه بسلاح ثمنه من أموال وأقوات الأمة واصفين كل من حاول الانعتاق بكل أوصاف التطرف والإرهاب والخروج.

وهنا مع هذا الواقع يكون واجب الأمة خلع هؤلاء الحكام وتنصيب خليفة واحد تكون رئاسته عامة لجميع المسلمين ويحصل الحكم ببيعة شرعية صحيحة ويحكم الأمة بالإسلام كاملا شاملا غير منقوص، ويكون له وحده حق تبني الأحكام الشرعية وسنها دستورا وقوانين، بهذا فقط يكون لدينا دولة إسلامية من حقها وحدها قتال البغاة والخارجين، أما هؤلاء الحكام وعلماؤهم وعملاؤهم فهم مغتصبون لسلطان الأمة محاربون لله ورسوله وأوليائه، وهم آخر من يقيم للإسلام وأحكامه وزنا أو احتراما في بلادنا ولا علاقة لهم لا بالشرع ولا بمقاصده، وأول من يدرك ذلك هم العلماء قبل عوام الناس من أهل الكنانة وغيرها، فلا يجوز لهم أن يبرروا ويشرعنوا خياناتهم في تجارة بالإسلام واستغلال واضح لجهل الناس بأحكامه لصالح حكام السوء ومن خلفهم الغرب الكافر عدو الإسلام والمسلمين، والذي يبررون الآن التحالف معه لوأد ثورة الأمة في الشام وغيرها، في محاولة يائسة لمنع عودة الخلافة على منهاج النبوة والتي أصبح نجمها يعلو في الأمة بعمومها والشام خاصة، والتي فضحت العملاء وعلماء السوء وأبت إلا أن تكشف كل متلون مخادع، ولن يبقى ثابتا إلا من يستحقون بحق أن يكونوا كأمثال الصحابة وأن تقام على أكتافهم دولة خلافة على منهاج النبوة يرضى عنها ساكن السماء وساكن الأرض.

يا علماء الأزهر الكرام وأحفاد العز بن عبد السلام سلطان العلماء، لا تكونوا أكثر الخاسرين فتبيعوا دينكم بدنيا غيركم، ولن ينفعكم حكام السوء أو يغنوا عنكم من الله شيئا، فكونوا مع الحق الذي تعلمون وطالبوا أهل مصر الكنانة وجيشها بخلع حكام السوء وإعلانها خلافة على منهاج النبوة، ونصرة أهل الشام وفلسطين وسائر المستضعفين من أبناء الأمة، فهذا دوركم ودورهم، فأنتم ورثة الأنبياء وهم جند الله ورسوله ودرع الأمة وحماة الإسلام فحرضوهم على نصرة الله ورسوله تفوزوا وإياهم ويكون لكم وللكنانة السبق في ركب الجنة.

يا أهل الكنانة وعلماءها وجيشها، يا من كنتم للإسلام درعا وحصنا وكان للإسلام بكم عزٌّ ومنعة من للإسلام، إن لم يكن أنتم من ينتصر لحرمات المسلمات غيركم من يحرر الأقصى دونكم، إن الأقصى والشام لا تنتظركم تحت راية الاستعمار وخلف عدو من أعداء الله ولخدمة الغرب الكافر ولفرض نفوذه ومخططاته ومنع عودة الحياة الإسلامية من خلال خلافة على منهاج النبوة، وإنما تنتظركم أنتم جند صلاح الدين تحت راية رسول الله r، تنتظركم ناصرين فاتحين محررين كما عهد بكم، تنتظركم بأسا شديدا على أعداء الله ورسوله وعزا لدينه ومددا لأنصاره، واعلموا أن نصر الله قادم لا محالة، فليكن بأيديكم أنتم وليكن لكم السبق للفردوس الأعلى مع أنصار الأمس فإنها الجنة، والأيام القادمة أيام فاصلة فانحازوا فيها لما يحب الله ويرضى وانصروا إخوانكم في حزب التحرير واحملوا معهم مشروع الأمة المنبثق عن عقيدتها خلافة على منهاج النبوة تنهي التبعية للغرب الكافر وتعيد عز الإسلام وأهله وتعيد بلادنا سيدة الدنيا كما كانت، اللهم اجعله قريبا واجعله بأيدينا.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله عبد الرحمن

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

نعمة الأمن والأمان في الأردن

نتغنى في الأردن بالأمن والأمان، وإذا ما تكلم بعضنا بوجوب نصرة الشام والأقصى رد علينا آخرون بقولهم أنتم تريدون إشاعة الفوضى في البلد والقضاء على الأمن والأمان، ألا ترون ما حدث لأهل سوريا ومصر وليبيا واليمن وغيرهم؟

أقول لمثل هؤلاء: إن نعمة الأمن والأمان والرخاء الاقتصادي كان يتنعم بها أهل مكة، فقد آمنهم الله من الجوع والخوف بينما كانت القبائل من حولهم يغير بعضها على بعض فيقع فيهم القتل والأسر، قال تعالى مذكرا إياهم أنهم كانوا في أمان بينما غيرهم يعيش في خوف ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾ فماذا حدث لأهل مكة؟ هل استمر الأمن والأمان؟ هل حافظوا على نعمة الأمن والأمان؟ قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ * إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ * فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾.

أطعمهم من جوع: أمان اقتصادي... كانت خيرات الجزيرة العربية والشام واليمن تجبى إليهم في رحلتين سنويتين، رحلة الشتاء إلى اليمن ورحلة الصيف إلى الشام، وآمنهم من خوف: كانت القبائل تسعى إلى ودِّهم لأنهم أهل الحرم،كما أن الرحلة في الصحراء إلى اليمن جنوبا والشام شمالا دليل على الأمن الذي تنعَّم به تجار مكة.

ولما بعث رسول الله r إليهم طلب منهم أن يحافظوا على هذه النعمة، كيف؟

اسمعوا قوله تعالى ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ

إذن المحافظة على الأمن والأمان تكون بطاعة الله عز وجل، وتنفيذ أوامره سبحانه في الحياة العامة، في الحكم والاقتصاد والاجتماع والتعليم والسياسة الخارجية، وليس الاقتصار على تنفيذ أمر الله في العبادات والأخلاق والمطعومات والملبوسات فقط، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً﴾ أي نفذوا أحكام الإسلام كلها، فلا يجوز أن نقصر الإسلام على جزء منه ونترك الباقي خوفا من أمريكا وأوروبا وغيرهما من دول العالم.

فحتى نحافظ على الأمن والأمان يجب تغيير الدستور إلى دستور إسلامي وتغيير النظام الحاكم من نظام علماني إلى نظام إسلامي، وأن تسترد الأمة سلطانها وتختار حاكمها لتبايعه على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله r... وفي ذلك تحقيق لعبادة رب البيت.

وأما عصيان الله وإعلان الحرب على أحكامه الشرعية فهو خسران الأمن والأمان، والحكم بغير ما أنزل الله خروج عن طاعة رب البيت، والتنسيق مع روسيا في حربها على المسلمين في الشام خروج عن طاعة رب البيت، والمشاركة في التحالف الصليبي خروج عن طاعة رب البيت، وإباحة الربا باسم الحرية الاقتصادية، وإباحة التعري والسفور والاختلاط والمثلية الجنسية باسم الحرية الشخصية خروج عن طاعة رب البيت، وترك قطعان يهود يمارسون عربدتهم في الأقصى خروج عن طاعة رب البيت، وتأييد نتنياهو في تركيب كاميرات التجسس خروج عن طاعة رب البيت، وخذلان أهل سوريا وتركهم لبشار وروسيا وإيران وحزبها في لبنان خروج عن طاعة رب البيت، وإرسال الجيش الأردني ليحارب المسلمين بدلا من توجيههم لمحاربة يهود وتحرير الأقصى وفلسطين منهم هو خروج عن طاعة رب البيت...

أهل مكة رفضوا دعوة الله فخسروا الأمن والأمان.

انقسم المجتمع إلى مؤمنين وكافرين... أصبح الأخ يعادي أخاه والابن يعادي أباه والزوجة تعادي زوجها والعبد يعادي سيده. عصا العبيد أسيادهم، وعصا الشعب حكامه، وسموا زعيمهم أبا الحكم بأبي جهل. وأمر الله نبيه والمؤمنين بتهديد أبي جهل ﴿كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ ثم أمره أن يعلن الوصف الحقيقي لأبي جهل ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ ثم يستأنف التحدي والتهديد والوعيد ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَه * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ ثم أمر رسوله والمؤمنين بعصيان الحاكم المجرم وإعلان التمرد على دستوره ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾.

لو دخل أبو الحكم في الإسلام وعبد ربَّه الذي أعطاه الأمن من الجوع والأمن من الخوف لما فرق مجتمعه، ولو آمن زعماء مكة لحققوا شرفا ما بعده شرف، ولظل ذكرهم معطراً خالدا، ولكنهم رفضوا الشرف واستغربوا وعد الرسول r بالانتصار على فارس والروم، واتهموه بالجنون، ففقدوا الأمن والأمان وقُتلوا في معركة بدر، أين هم الآن؟!.. في الجحيم والعياذ بالله وقانا الله وإياكم ذلك المصير. أما أولادهم الذين آمنوا بدعوة الإسلام فقد حافظوا على نعمة الأمن والأمان وأصبحوا قادة البشرية.

ونحن في الأردن إذا لم نعِ الدرس وندرك أن الحفاظ على الأمن والأمان لا يكون إلا بعبادة رب البيت... فسنخسر الدنيا والآخرة.. نعوذ بالله من ذلك... وها نحن نرى بعض البوادر في فقدان نعمة الأمن والأمان من انتشار العصابات والعنف في الجامعات والعشائر وفساد الدولة ونهب المال العام والفقر والبطالة... وإذا لم نعد إلى ديننا عودة حقيقية فسيستمر الخسران حتى نجد أنفسنا مشردين لاجئين كأهل البلاد من حولنا... لا قدر الله.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نجاح السباتين – ولاية الأردن