المنظمات الغربية الرأسمالية مكشوفة وتعمل بأجندة سياسية ولا استقلالية في عملها
المنظمات الغربية الرأسمالية مكشوفة وتعمل بأجندة سياسية ولا استقلالية في عملها

عقد في القاهرة مؤتمر القضايا الإنسانية في السودان، وفي كلمته قال جان إيجلاند، الأمين العام للمجلس النرويجي للاجئين: "علينا أن نحشد الموارد ومزيداً من التمويل من كل المنظمات المعنية بالعمل الإنساني من أجل مساعدة السودان فنحن بحاجة أن نعمل يداً بيد وفق مبادئ إنسانية وأؤكد أننا نساعد ولم نختر أي اتجاهات سياسية فنحن هنا للشعب فنحن نعمل باستقلالية"! (اليوم السابع 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2023م)

0:00 0:00
السرعة:
November 25, 2023

المنظمات الغربية الرأسمالية مكشوفة وتعمل بأجندة سياسية ولا استقلالية في عملها

المنظمات الغربية الرأسمالية مكشوفة وتعمل بأجندة سياسية ولا استقلالية في عملها

عقد في القاهرة مؤتمر القضايا الإنسانية في السودان، وفي كلمته قال جان إيجلاند، الأمين العام للمجلس النرويجي للاجئين: "علينا أن نحشد الموارد ومزيداً من التمويل من كل المنظمات المعنية بالعمل الإنساني من أجل مساعدة السودان فنحن بحاجة أن نعمل يداً بيد وفق مبادئ إنسانية وأؤكد أننا نساعد ولم نختر أي اتجاهات سياسية فنحن هنا للشعب فنحن نعمل باستقلالية"! (اليوم السابع 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2023م)

إن مكائد المنظمات الدولية التي تتستر خلف الإغاثة والعمل الإنساني، تمتد بامتداد الكرة الأرضية، وهذا ما أكده رئيس مجلس الشورى الإندونيسي الدكتور هدايات نور، في مقولته الشهيرة: "إنها مساعدات إنسانية في خارجها، وهي في حقيقة الأمر مساعدات جهنمية شيطانية، فهدفهم التنصير، وليس نجدة المتضررين"!

والمتابع لنشاط منظمات الإغاثة المسماة إنسانية حول العالم، تنتابه العديد من الشكوك، وتدور في ذهنه العشرات من علامات الاستفهام حول حقيقة الأدوار التي تلعبها هذه المنظمات في الدول التي تعمل بها، حيث يرى العديد من المراقبين أن دور هذه المنظمات تعدى العمل الإنساني إلى محاولة تضليل الرأي العام العالمي من خلال نشر معلومات مضللة حول حقيقة الأوضاع في المناطق التي تعمل فيها، ليستمر عملها، هذا بالإضافة إلى قيامها بأدوار استخباراتية مشبوهة لصالح قوى دولية، حتى وصفها عدد من المراقبين بأنها أدوات الاستعمار الحديث! وقد صدقوا في ذلك كما سنبين في هذا المقال.

تقوم منظمات الأمم المتحدة بالعمل الاستخباري والتجسس لمصلحة الدول الغربية، ولا يتوقف ذلك عند مجرد جمع المعلومات، بل يتعدى ذلك إلى بث الفرقة والتناحر بين المجموعات السكانية، كما حدث في جنوب السودان ودارفور.

وكثيرا ما انكشف أمر المنظمات المسماة إنسانية أو خيرية بعد اكتشاف الناس لأهدافها الخبيثة. وليس أدل على ذلك من تعاطي المنظمات الدولية ومن ورائها الدول النافذة مع أزمة دارفور، التي أثارت العديد من الشكوك، ويتسم بالكثير من الغموض بسبب تضارب المصالح وضبابية المواقف. حيث ساهمت هذه المنظمات من خلال تحيزها لأحد جانبي الصراع إلى تعقيد هذه الصراعات مستغلة في ذلك الحصانات الممنوحة لها من قبل الدولة، ولا شك أن أسوأ استغلال للمعاناة الإنسانية يتمثل في قيام بعض هذه المنظمات باستغلال هذه الأزمات لمن هو بحاجة إلى المساعدة الإنسانية.

ومن بين المنظمات العاملة في دارفور منظمة مساعدة الشعوب، ومنظمة الكنائس العالمية، ومنظمة الكنيسة الأسقفية الإنجيلية، وغيرها الكثير، وأخذت تلك المنظمات توزع الغذاء والدواء مع الأناجيل والكتب التي تتناول حياة المسيح عليه السلام، كما تراها الكنيسة، وقد رسمت عليها الصور المزعومة للمسيح وأمه، لكن هذه المرة لمسيح أسود وأم سوداء تحمله!! وهذا ما يفسر العدد الكبير للكنائس بدارفور؛ فمن 311 كنيسة عام 1999م وصل العدد إلى 661 في العام 2004، وكانت هذه الزيادة نتيجة للنشاط الكنسي الكبير الذي تقوده المنظمات، وأدى ذلك إلى ظهور حالات تنصير كثيرة، وتم تسجيل تنصير 7 أشخاص في معسكر كُلمة، علماً بأن إقليم دارفور 100% من سكانه مسلمون، وقد حذر الحاج عطا المنان والي جنوب دارفور في عهد الإنقاذ، من بوادر حملة تنصيرية بدارفور، وكشف عن قيام عدد من رجال الدين النصارى بتوزيع كتب على الناس في محاولة لتنصيرهم.

أما حادثة المنظمة الفرنسية (أرش دو زوي) فهي تاريخ أسود لهذه المنظمات حيث ألقت الشرطة في تشاد القبض على تسعة فرنسيين بينما كانوا يستعدون لنقل أكثر من 100 طفل جواً إلى فرنسا بقصد عرضهم للتبني.

وهل نسي العالم استقالة عائشة البصيري، ومقالها في مجلة الفورين بوليسي، والذي شرحت فيه أسباب استقالتها من العمل مع الأمم المتحدة، وتسريبها للمعلومات من داخل المنظمة الدولية، وقالت إنها حاولت بكل ما تستطيع دفع الأمم المتحدة بكافة هياكلها للتحقيق فيما يجري في دارفور، وحاولت الوصول إلى إجابات حول ما قدمته من شكاوى، وفي نهاية المطاف قررت عائشة نشر ما تعلم، معلنة أنها كمسلمة ومن أصل عربي أفريقي، ترفض ما يجري باسمها، وترفض الصمت على ما يجري في دارفور. وقالت عائشة إن الأمم المتحدة التي من المفترض أن تكون الحارس الأمين للقيم الإنسانية العليا، تكشف أن كبار موظفيها قاموا بارتكاب جريمة كبرى في حق شعب دارفور، وحق الإنسانية، يجب أن يقدموا بسببها إلى محاكمات عاجلة أمام المحاكم الدولية. ولا يجب أن يسمح لهكذا تواطؤ من قبل ممثلي المجتمع الدولي بالإفلات من العقاب.

إن ما أعلنت عنه عائشة البصيري قد نسف كافة الاعتقادات حول حسن نوايا المجتمع الدولي، وآليات الأمم المتحدة، التي شاركت في عملية التستر على الجرائم في دارفور، من بداية الهرم وهو الأمين العام للمنظومة الدولية، وحتى المسؤوولين عن كتابة التقارير في داخل الأمم المتحدة، ولكن ما كانت عائشة البصيري شديدة الوضوح حوله في تسريباتها، هو شرحها لحقيقة أن مجلس الأمن نفسه تواطأ في عملية التخلص من ملف دارفور عبر إرسال بعثة حفظ سلام يوناميد، التي أكدت على أنها "فاشلة قبل إرسالها"، فقد أوضحت عائشة في لقاء الصراحة مع راديو دبنقا أن "الاتفاق المبرم بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، وبين الحكومة السودانية، كان يقضي بأن تكون قوات البعثة تحت حماية الحكومة"، وتساءلت عائشة بدهشة "كيف يقبل العقل أن تكون قوات مهمتها حماية المدنيين من الحكومة هي نفسها تحميها الحكومة؟!" وأكدت البصيري أن عملية ممنهجة لتحسين صورة النظام المجرم قامت بها الأمم المتحدة، وعبرها سحبت عبارات من تقارير الأمم المتحدة أهمها كلمة (الجنجويد)، والتي قالت البصيري إنها لم تعد موجودة في تقارير الأمم المتحدة منذ 2008.

ومن خلال هذا الكشف غير المفاجئ للمتابعين لهذه المنظمات وأنشطتها المشبوهة، كررت عائشة شهادتها في راديو دبنقا في لقاء الصراحة عندما سئلت من تعتقدين بأنه المسؤول عن هذا الإخفاق والجريمة الدولية في دارفور؟ قالت بوضوح مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي هم المسؤولون، لأنهم هم من أرسلوا هذه البعثة، وبالتالي هم من اتخذوا ولا زالوا يتخذون كافة القرارات التي أدت إلى تنامي الكارثة الإنسانية الحالية في دارفور، والمساهمة في زيادة معاناة أهلها، ناهيك عن العمل كمندوبي علاقات عامة بالنيابة عن النظام، عبر إصدار تقارير مشوهة للحقائق، لا تذكر القتل الممنهج للمدنيين والاغتصاب والقصف اليومي الذي ترفض أذرع الأمم المتحدة بكافة أشكالها، وصفها بأسمائها الحقيقية في تقاريرها، أو نسبها لمرتكبيها الحقيقيين، ألا وهم النظام الحاكم والجنجويد.

هذه هي المنظمات الغربية الرأسمالية مفضوحة مكشوفة دون أي ستار، وهي ذات أجندة سياسية ولا تعمل باستقلالية، ولكن العجز الناتج من عدم وجود من يوقفها عند حدها هو سبب تسلطها علينا.

ولن يوقف ذلك إلا دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة التي تؤدب كل من تمتد يده إلى بلاد المسلمين.

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

غادة عبد الجبار (أم أواب) – ولاية السودان

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر