المرأة في ظلّ الرّأسماليّة: حرّيّة وتمكين أم استغلال فاحش ومهين؟
February 07, 2022

المرأة في ظلّ الرّأسماليّة: حرّيّة وتمكين أم استغلال فاحش ومهين؟

المرأة في ظلّ الرّأسماليّة: حرّيّة وتمكين أم استغلال فاحش ومهين؟

يقول عزّ وجلّ: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾. في تفسيره للآية يقول ابن كثير: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي﴾ أي: خالف أمري، وما أنزلته على رسولي، أعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً﴾ أي: في الدّنيا، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره، ولبس ما شاء وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى، فهو في قلق وحيرة وشك، فلا يزال في ريبة يتردد. فهذا من ضنك المعيشة.

وها هي البشريّة اليوم لا طمأنينة ولا أمن، بل الكلّ في حيرة من أمره غير راض عن معيشته يتساوى فيها من يعيشون في دول متقدّمة أو متخلّفة، العالم كلّه يختنق من شرور النّظام الرّأسماليّ وفساده فقد عمّ السّواد والظّلام وكثرت الحروب والأوبئة وارتفع معدّل الفقر والبطالة وصار النّاس يعيشون الفاقة ويشكون الحياة الشّاقّة

رفع هذا النّظام - والذي يقود العالم اليوم - شعار الحرّيّات وأطلق العنان للإنسان ليتخلّص من كلّ القيود من أجل تحقيق حاجاته ورغباته وجعل تحقيق أكبر المتع الحياتيّة (القيمة المادّيّة) هي القيمة الرّئيسيّة في الحياة مهملا كلّ القيم الأخرى (الرّوحيّة - الإنسانيّة - الأخلاقيّة) من أجل تركيز مفاهيمه وثقافته القائمة على الرّبح والمنفعة فكانت عودة البشريّة إلى الظّلم والظّلمات والعيش في ظلّ أحكام البشر فابتعدت بذلك عن هدي خالقها وضلّت طريق الخلاص.

منذ أيّام قليلة غرّد الرّئيس الفرنسيّ "بأنّ المزيد والمزيد من النّساء لا يجرؤن على ركوب وسائل النّقل العام خوفاً من الاعتداء". هذا هو حال المرأة في بلد "الحرّيّات" وهو حال المرأة في معظم بلدان العالم: لا أمن ولا أمان وحياتها كلّها خوف وعدم اطمئنان. حال يفضح فظاعة ما تعيشه المرأة في ظلّ هذا النّظام الرّأسماليّ الوضعيّ لندرك بذلك أنّها لم تكتسب حقوقا وحرّيّات بل قيّدت بمفاهيم فاسدة أسقطتها في الأخطاء والزّلّات، وصارت فريسة سهلة تتقاذفها مفاهيم فاسدة تنشرها الحكومات والمنظّمات.

من أبرز ضحايا هذا النّظام المرأة، فقد وجّه لها سهامه على أنّها مكاسب ليرسم لها - وفي إطار ثقافته المادّيّة - صورة نمطيّة يخدم بها مصالحه ويجعل منها المثال الذي يجب أن يحتذى به فحوّلها إلى أداة يتمّ استهلاكها وتوظيفها حسب ما تمليه سوقه وحاجاته.

كان الإعلام أداته الأساسيّة في ذلك فمن خلاله يمرّر خطابه وثقافته وبه يرسم الصّورة التي يريدها للمجتمع وللمرأة تحديدا ليقينه بدورها الأساسيّ في الحياة ولهذا رسم لها طريقا تسير فيه وفق معاييره ومفاهيمه الرّأسماليّة. جعل لها صورة تظهرها متمكّنة وأخرجها للعمل لتكون ندّا للرّجل وأوهمها بأنّها بذلك تحقّق شخصيّتها وتفرض وجودها وهو في حقيقة الأمر يستغلّ ذلك لتكون يدا عاملة رخيصة يحقّق من خلالها أرباحا أكثر: استخدمها بطريقة مهينة - وهو الذي يدّعي إعطاءها حقوقها وحرّيّاتها - موظّفا جمالها وجسدها فيروّج بها منتجاته فتقوم بالإعلانات عن البضائع والسّلع ليوسّع بذلك سوقه الحرّ الذي لا يضبطه أيّ قانون أخلاقيّ،... فغايته في ذلك تبرّر وسيلته.

لا يتهاون هذا النّظام النّفعيّ الفاسد في استغلال أيّ وسيلة تسهم في زيادة ربحه، ولا يضع أيّ اعتبارات للحاجات الإنسانيّة والاجتماعيّة والثّقافيّة بقدر ما يضع اعتباره الأوّل والوحيد لتحقيق الرّبح المادّيّ ويتجلّى بوضوح في الإعلام - بكافّة أنواعه - استغلال المرأة وتحويلها إلى سلعة يتمّ بيعها في هذه الأسواق الرّأسماليّة، ويعيدونها إلى حلقة العبوديّة التي عاشتها قبل أن تحرّرها منها أحكام ربّها.

وفقاً لتقرير للأمم المتّحدة، تساهم المرأة بنسبة 66٪ من ساعات العمل كلّ يوم، إلاّ أنّها تكسب فقط 10٪ من دخل العالم وتمتلك 1٪ فقط من ممتلكات العالم. وطبقاً للبنك الدّوليّ، فالنّساء هنّ الأكثر عرضة للخطر وللفقر رغم نسبتهنّ الكبيرة في سوق العمل. فهنّ يشكّلن نحو 40٪ من القوى العاملة في العالم في الزّراعة، وربع الصّناعة، والثّلث في الخدمات، حيث تزرع المزارعات في الدّول النّامية ما لا يقلّ عن 50٪ من غذاء العالم وما يصل إلى 80٪ في بعض البلدان الأفريقيّة، ومع ذلك فهنّ يمثّلن نحو 70٪ من فقراء العالم! (إضاءات: الجيش الاحتياطي: كيف تلاعبت الرأسمالية بالمرأة وأحلامها؟)

فأيّ مكاسب هذه التي يدّعون أنّها تحقّقت؟ أيّ حقوق تحصّلت عليها المرأة في ظلّ هذا النّظام النّفعيّ الذي لا همّ له من وراء دفعها للعمل إلّا جعلها نموذجا لكافّة النّساء ليستغلّهنّ ويحقّق الأموال والأرباح؟ أيّ ذوات ستتحقّق للنّساء العاملات وقد جعل منهنّ آلات تعمل دون مراعاة لطبيعتهنّ ولا لقدراتهنّ فصرن داخل البيت وخارجه يلهثن دون أن يأخذن نفسا فأصاب الكثير منهنّ الاكتئاب والحزن جرّاء ذلك؟! أيّ تمكين هذا الذي يجعلهنّ معايير للجمال الذي تحدّده مفاهيم هذا النّظام النّفعيّ ويخدم به الشّركات المصنّعة لمواد التّجميل أو الملابس أو الأحذية أو غيرها من الشّركات الكبرى؟!

إنّه يقوم بتكرار بثّ هذه الصّورة - وبخبث - لتصبح صورة للمرأة النّموذجيّة التي على نساء العالم أن يسرن على خطاها، يبثّها مرارا وتكرارا ليرسّخ في الأذهان الصّورة النّمطيّة المثلى للمرأة الجميلة في تلميح منه لمعنى الجمال "جنسيّا" فتتسابق النّساء على أن يكنّ مثلها ويحظين بالإعجاب.

حين يصبح العمل وتحقيق الرّبح الماديّ عند المرأة أفضل من بيتها وتربية أبنائها. حين يصبح عملها خارج بيتها أهمّ من عملها داخله؛ ندرك مليّا أنّ هذا النّظام الرّأسماليّ قد تمكّن منها وبثّ سموم ثقافته في عقلها وجرّدها من أنوثتها التي فطرها الله عليها. وليس معنى حديثنا أنّنا ضدّ عمل المرأة ولكن عليها أن تعي على أنّ بيتها وأولادها من أصعب الأعمال وأنبلها في آن واحد.

لقد جعلت الرّأسماليّة المرأة تعيش في صراع بين طبيعتها كأنثى وبين ما نشرته هذه الحضارة الفاسدة من مفاهيم مغلوطة ترفع من شأن المرأة إن هي نجحت في المساهمة في تحقيق مكاسب اقتصاديّة وتحطّ منه إن هي تشبّثت بفطرتها وقامت بدورها في الإنجاب أو التّربية فستكون بذلك عبئا على المجتمع. "فعملُ النساء داخل البيت هو عملٌ بلا قيمة، لأنه عملٌ غير منتِج". (سيلفيا فيديرتشي: كاتبة وأستاذة جامعيّة إيطاليّة)

لا يختلف اثنان في أنّ الرّأسماليّة قد فشلت في تسيير العالم وأنّها قد أغرقته في دوّامة لن يخرجه منها إلّا نظام عالميّ جديد.

في تناقض تامّ معها كان الإسلام، وهو دين الله العليم الخبير، علاجا لكلّ احتياجات النّاس حيث أوجد لمشاكلهم وقضاياهم الحلول الجذريّة التي تضمن لهم تحقيق كلّ القيم ولم يقتصر على قيمة دون أخرى فكانت الحياة هنيئة مطمئنّة تسعد المرأة والرّجل على حدّ سواء وتجعل علاقتهما علاقة ودّ ورحمة لا علاقة صدام ونقمة. فهذه العلاقة التي سعى الإسلام أن يجعلها علاقة تكامل لا يمكن لأحد الطّرفين أن يستغني فيها عن الآخر هي التي ستنشئ الأبناء نشأة سليمة صحيحة وتربّيهم على أنّ الله قد وضع أحكامه ليسعد بها خلقه فإن تمسّكوا بها عاشوا في ظلّها حياة مطمئنّة ونالوا بإذن الله رضوانه. ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾.

أنقذ الإسلام المرأة فكرّمها ورفع قدرها وشأنها سواء أكانت تعمل خارج البيت أو لا، فمنزلتها العظيمة التي منحها (أمّا أو أختا أو ابنة أو زوجة) جعلتها ذات منزلة عالية تربّي الأجيال وتصنع الأبطال.

كانت المرأة في الجاهليّة متاعا وجاء الإسلام فردّ إليها حقّها المسلوب في الحياة وأزال عنها الظّلم والقهر لتحيا عزيزة كريمة ووهبها عناية فائقة وحماها ونظّم لها حياتها الخاصّة والعامّة فحفظها وألبسها تاج العفّة والطّهارة وجعلها ملكة أين ما كانت وحيث ما حلّت. ثمّ وبتغييب الإسلام عن الحياة عادت المرأة إلى المكانة الوضيعة التي عاشتها في الجاهليّة وصارت سلعة يتاجر بها ويوظّف جسدها لغايات دعائيّة في ظلّ هذا النّظام الرّأسماليّ الذي لا همّ له إلّا الرّبح وتحقيق الأموال الطّائلة فانتشر الفقر وكثرت الحروب ودفعت المرأة النّصيب الأكثر من الآلام والقهر والاستغلال. ولن تستعيد المرأة مكانتها المسلوبة إلّا في ظلّ أحكام ربّها ولا سعادة لها وللبشريّة جمعاء إلّا في العيش بها.

#أقيموا_الخلافة           #الخلافة_101            #ReturnTheKhilafah #YenidenHilafet

كتبته للمكتب الإعلاميّ المركزيّ لحزب التّحرير

زينة الصّامت

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر