المصائب في بلاد المسلمين بين قضاء الله وسوء الرعاية
المصائب في بلاد المسلمين بين قضاء الله وسوء الرعاية

  تتوالى المصائب على المسلمين تترى، فمن مصائب تَلحق بهم بقضاء الله وحده، وهي التي تقع في دائرة لا يملكها إلا الله سبحانه وتعالى، مثل زلزال أو فيضان يحدث مثل ما حصل في المغرب وليبيا في الأيام المنصرمة، وهذه المصائب والابتلاءات لا يملك أحد أن يدفعها عن نفسه، ومنها المصائب التي تلحق بالمسلمين من فعل أيديهم حتى تأخذ بطريقها الكبير والصغير وذلك مثل ما يحصل في الشام واليمن وليبيا وغيرها، وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾. سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها النبيَّ عليه

0:00 0:00
السرعة:
September 20, 2023

المصائب في بلاد المسلمين بين قضاء الله وسوء الرعاية

المصائب في بلاد المسلمين بين قضاء الله وسوء الرعاية

تتوالى المصائب على المسلمين تترى، فمن مصائب تَلحق بهم بقضاء الله وحده، وهي التي تقع في دائرة لا يملكها إلا الله سبحانه وتعالى، مثل زلزال أو فيضان يحدث مثل ما حصل في المغرب وليبيا في الأيام المنصرمة، وهذه المصائب والابتلاءات لا يملك أحد أن يدفعها عن نفسه، ومنها المصائب التي تلحق بالمسلمين من فعل أيديهم حتى تأخذ بطريقها الكبير والصغير وذلك مثل ما يحصل في الشام واليمن وليبيا وغيرها، وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾. سألت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها النبيَّ عليه الصلاة والسلام: أنَهْلِكُ وفينا الصَّالحونَ؟ قالَ: «نَعَمْ، إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ»، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا...

وتناوُل القضاء من زاوية عقدية فقط لا ينفي تناول الأمر من زاويته الأخرى، ألا وهي الزاوية التي يقع فيها التقصير في رعاية مصالح الناس، فمثلاً: إن الناظر في المناطق التي ضربها الزلزال في المغرب أو التي ضربها الفيضان في ليبيا يرى سوء الرعاية وعدم الأخذ بالأسباب التي من شأنها أن تجعل الرعاية في أفضل حالاتها، فالبيوت في المغرب التي ضربها الزلزال ليست بأفضل حالاً من البيوت التي أتى عليها الفيضان في ليبيا، وليبيا مثلاً قد انشغلت عصاباتها الذين يتكادمون على الكراسي والعمالة تكادم الحمير عن البنية التحتية المتهالكة حتى إذا نظرت للأحياء التي تضررت في درنة والقرى التي تبدلت بفعل الفيضانات فكأنك تنظر إلى طرقات مكة قبل الإسلام، وكأن ألفاً وأربعمائة عام من المدَنية وأموال النفط التي هي من الملكية العامة لم تكف لتغير حياة الناس، ولا حول قوة إلا بالله!

إن الإيمان بقضاء الله لا يعني أن تترك الناس بغير رعاية، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يخشى أن يسأله ربه سبحانه وتعالى عن بغلة عثرت ولم يعبّد لها الطريق! وهذا حفيده عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد بكى حتى أشفق عليه أهل بيته لما تذكر أن الأمة ستكون خصيمه إن هو قصر في حقها ولم يحطها بنصحه ورعايته! فالرعاية الحقة التي طلبها الله هي التي تجعل صاحبها يبعد الأمة عن كل هلكة ويذود عنها كل ما من شأنه أن يشق عليها، ولا يظنن ظان أن ذلك يصرف القضاء أو يبعده، ولكنه حكم شرعي علقه الله بمن ولي للمسلمين أمراً فهو بين أن يرفق بهم أو يشق عليهم.

إن الأندلس أو شبه الجزيرة الإيبيرية كما كانت تسمى قد فتحها المسلمون في خلافة بني أمية وبقي فيها المسلمون ما يزيد على ثمانية قرون رعاها خلفاؤهم حتى كان فيها نظام للصرف الصحي ما زال أهلها للآن ينعمون بما فعله أجدادنا من الفاتحين الأُوَل، بل إنه قد قيل إن الماشي في كل بلاد الأندلس ولكثرة الأنهار لا يعوزه أن يسير أكثر من فرسخين إلا ويجد الماء، ففيها أكثر من أربعين نهراً، هذا فضلا عن أن شوارعها كانت مضاءة بالكامل، ولا ننسى نظام الرعاية الصحية الذي جعلت الدولة فيه لكل مريض مرافقاً يمشي معه مثل ظله، وكل هذا وغيره لأن من كان يتولى شؤون الناس كان يتقي الله ويخاف جنبه.

إن الايمان بقضاء الله لا يعني التفريط بحق الناس في الرعاية، والقصة المعروفة في طاعون عمواس والكلام الذي حصل بين عمر وأبي عبيدة رضي الله عنهما ترينا عظم فهم الصحابة للقضاء، فالإيمان بالقضاء لا يعني أن تترك الناس هملاً بلا رعاية، بل يجب دائماً صرفهم عن مواطن الهلكة وكل ما من شأنه أن يأتي عليهم بالمصائب حتى إذا وقع البلاء أو المصيبة تقبّلها المسلم بصدر رحب وصبر على قضاء الله، لأنه سبحانه وحده هو الذي قضاه.

إن قضاء الله سواء بما اقتضاه نظام الوجود أو مما لا يقتضيه نظام الوجود ولكنه حصل من الإنسان أو عليه جبراً عنه ولم يكن له قِبَل بدفعه، هو من أركان الإيمان وأسسه الثابتة، وعدم الإيمان به كفر، ولكن مع هذا فإن هذا الإيمان محله القلب مثل الإيمان بالملائكة ومثل الإيمان بالرسل، وكونه في القلب فإنه لا يكاد يُلاحظ في أعمال الجوارح، فكون الرزق من عند الله فإنه كذلك مطلوب من المكلف السعي، وكون النصر من عند الله لا يصح معه أن تترك الأعمال التي من شأنها أن يأتي النصر بها ومعها، وكذلك فإن الإيمان بأن الآجال مكتوبة وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك فإن كل ذلك وغيره لم يمنع من إحسان الرعاية، فالسدان اللذان في ليبيا لم تقم الدولة الليبية بصيانتهما ما أدى إلى انهيارهما عند أول فيضان ما زاد من بلاء الناس وتدمير بيوتهم وتشريد عشرات الآلاف في الشوارع، وكذلك الحال في المغرب فما كاد الزلزال يهز المنطقة حتى وقعت البيوت الطينية على رؤوس أصحابها، وكل هذا من سوء الرعاية.

وأخيراً فإننا نخاطب ورثة الأنبياء من العلماء الربانيين الذين لم ينبس أحدهم ببنت شفة ليتحدث عن سوء رعاية الحكام، بل إنهم لم يزيدوا عن الصبر والاحتساب للمصابين والترحم على من قضى من المسلمين في الزلزال والفيضان، فكان كلامهم درساً في العقيدة وكأن الحكام لا وظيفة لهم إلا سرقة الناس وأخذ أموالهم حتى إذا وقعت مصيبة وانتشر بلاء أطل علينا ممن ينتسب للعلم ليحدثنا عن فضائل الصبر وعظم أجر الصابرين فيعطينا درساً في العقيدة ولا يجرؤ أن يقول للحاكم اتق الله في هذه الأمة!!

إن الشريعة لا يقوم بها إلا من أحاطها من جميع جوانبها، وإن الإخلاص في تبليغ الشريعة يقضي بتناول الحكم الشرعي من كل زواياه وجوانبه، فلا يقال بحرمة الربا والخمر ويُتغافل عمن بسط للناس البنوك والخمارات، ولا يقال للمقتول ظلماً إن موعدك الجنة ويترك من قتله، كذلك لا يقال لمن يُنتقص من أكله وشربه بفعل الفساد والسرقات ثم ندعوه لربط الحجر على معدته ليتأسى بالنبي ﷺ، فليس الإيمان بقضاء الله ينتقض عند أهله إذا قيل إن هناك تقصيراً في رعاية الناس، وأن الله سائل كل من تولى مصلحة من مصالح الناس ولم يؤدها حقها أو قصَّر فيها، وليس الأمر فقط يتوقف عند الحكام بل من تهيّب أن يقول للظالم إنك ظالم، وهذه وظيفة العلماء الذين ورثوا ميراث النبوة، وأي شرف وأي فضل أعظم من أن يُقسم لك من ميراث النبوة كفلٌ ونصيب ثم تَرمي به بعيداً وتضعه في غير مكانه وموضعه، فمن اصطفاه الله لِيُعلم الناس الخير وأُخذ عليه العهد والميثاق أن يبين الحق ولا يكتمه فإنه والله سيُسأل هل أدى الحق الذي عليه في العلم، فليُعِدّ ورثة الأنبياء جواباً لمثل ذلك اليوم، نسأل الله السلامة والرشد والسداد.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أبو المعتز بالله الأشقر

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر