المسألة الغربية والكارثة الإنسانية؛ البذور والجذور
February 15, 2021

المسألة الغربية والكارثة الإنسانية؛ البذور والجذور

المسألة الغربية والكارثة الإنسانية؛ البذور والجذور


تسير المنظومة الرأسمالية الغربية وحضارتها البائسة بخطا حثيثة نحو حتفها وفنائها، فهذه الحضارة أرهقتها أحمالها المثقلة بصخور ماديتها الجافة اليابسة، وأعيتها مسيرة قرنين خلت من حياتها البائسة بلا معنى ولا هدف حتى أضحى السير من أجل السير تيهاً محضا؛ تيهاً عن الوجود وسببه ومسببه، عن خالقه وبارئه، تيهاً عن معنى الوجود وغايته ومصيره، تيهاً عن حقيقة الإنسان ذاته والغاية من خلقه ومصيره. وفي هذا التيه ومن ورائه ذلك الركام والضلال الفكري انبعث الشر كله، وتحولت الحياة البشرية إلى جحيم وباتت أنظمتها أنظمة عذاب لا أنظمة حياة.


فهذه المنظومة المشؤومة سلخت البشرية من حق ربها وحقيق عدله، وألبستها باطلها وحقيق ظلمها، فنقضت أمرها وعددت لها شرائعها بعدد هوى مشرعيها، حتى بات وجه الأرض فوضى إنسانية وظهرها حطاما بشريا، وأضحت شرائعها الوضعية الوضيعة أشد في إفسادها من الفساد كله، حتى صرنا نرى حياة الوحش أرحم من حياة البشر.


لقد عرت هذه المنظومة المشؤومة البشرية من شرع ربها، وحادت بها عن نظامه ومن ثم عن نظام الكون، فكان أن شرعت لها ما لا يصنع الشيطان الرجيم أخبث منه، بل على حبال تشريعاته يتراقص. فما كانت تشريعاتها وأنظمتها إلا عنتا وإرهاقا، لا يتهيا معها صرف ولا عدل، فلا يستقيم لها وبها شيء، ولا تستقيم هي لشيء، ما كانت في الناس إلا نقيض ادعاءاتها وشعاراتها.


فالغرب في زعم وتهافت فلسفته، بعد أن كفر بإله كنيسته اتخذ له من هوى وزيغ عقله إلهاً، وما تلبث إلا يسيرا حتى كفر به، ولم يذهب إلى ما هو أهدى وأرشد بل انتكس وارتكس، ثم نكس على رأسه وأقام له من المادة الصماء (الطبيعة) وثنا معبودا، ثم ما كاد ينتهي من نحته حتى عمي وصم وهوى القهقرى، فهشم وفكك وثنه المادي وانتهى إلى العدمية والعبث، وتعنت في اللامعنى فلسفة وتفسيرا للحياة.


فمن زعم العقلانية الإنسانية (الهيومانية) انتكس إلى مادية الحداثة، وأخيرا ارتكس إلى عدمية وتفكيك ما بعد الحداثة، وفي تفكيكه فكك الإنسان وقوضه ونفى عنه أية خصوصية أو تكريم، في إبعاد تام وعدمية خالصة لأي إيمان بأية قيمة أخلاقية أو مثالية أو حتى حلم طوباوي، وهو ما أطلق عليه فيلسوف ما بعد الحداثة الفرنسي ليوتار "غياب الأيديولوجيات الكبرى". وهذه الإباحية الفكرية لا تعرف مقدسات ولا يقينيات ولا مطلقات ولا حقائق ولا محرمات، بل سيولة جارفة وميوعة تامة، لا معنى فيها ولا غاية، بل مرجعيتها الأساسية هي التفكيك والهدم وما في حكمهما.


وهنا انتهت المنظومة الفلسفية العلمانية المادية الغربية المشؤومة إلى الجنون المادي، عبر عنه أحد أقطاب فلسفة ما بعد الحداثة الفيلسوف الفرنسي فوكو صاحب "تاريخ الجنون" بقوله: "إن الجنون يغري، إنه معرفة"، وأضحت اللاعقلانية واللامعنى فلسفة حياة. ترجمتها مأساة حياة أصحابها بأمانة خالصة، فأبو فلسفة ما بعد الحداثة الفيلسوف الألماني نيتشه انتهى مكتئبا ثم مجنونا، بعد أن كان مصابا بالسفلس والزهري بعد أن عاش وحدة مقفرة يتقلب بين البغايا لا زوجة ولا ولد، عبر عن حاله في لحظة صدق حقيقية بقوله: "إن وجودي عبء ساحق لا يحتمل". وهذا فيلسوف ما بعد الحداثة الفرنسي فوكو كان شاذا وساديا ومازوكيا مرتكس الفطرة، حاول الانتحار مرات عدة، فعاجله الإيدز بسبب حياته المتفحشة. وهذا الفيلسوف الفرنسي دولوز يلقي بنفسه من نافذة شقته منتحرا. وهذا ألتوسير فيلسوف الماركسية يقتل زوجته خنقا، وينتهي به الأمر في مستشفى الأمراض العقلية للمجانين الخطرين.


هؤلاء هم الذين تقدم لهم الموسوعات الفلسفية الغربية أعمالهم وتعرض أمشاج فلسفاتهم، وتضرب صفحا عن أشخاصهم وفعل فلسفاتهم في ذواتهم، فالغرب دَوِيٌّ مِنْطِيق في إعلانه وإعلامه وإشاعته لأوهام فلسفاته، بينما لا تسمع له في المقابل إلا همهمة وغمغمة متى تعلق الأمر بالثمن المدفوع ووخيم العاقبة لهكذا فلسفات.


هي المنظومة المشؤومة زعمت تحرير الإنسان وانتهت بتفكيكه وتقويضه وتدميره، أوعدته الحياة ثم أوفته الانتحار. كم كان شقاء الإنسان وحيرته وضلاله وارتكاس فطرته حين حاد عن خالقه، عن حقيقة وجوده سببا وغاية ومصيرا، وتاه في بيداء الغرب تتقاذفه أهواء وتخرصات فلاسفته، فطمروا عقله تحت هذا الركام من الرجس الفكري يتخبط في ظلماته وظنونه وشكوكه، لا يستقر فيه على يقين، ولا يطمع فيه بإيمان، وأضحت حياته من ثقل هذا الركام قلقاً وحيرة وشروداً، وغرق في فساده وانحلاله وظلمه وذله وفحشه وبؤسه وتعاسته حتى وحوش الغاب تأبى حياته، حتى صار الانتحار في حضارة التيه ومنظومة الشؤم خيارا وخلاصا.


وها هي الحقيقة العارية، فقد أكد تقرير نشرته منظمة الصحة العالمية بشأن معدلات الانتحار، من أنها زادت خلال السنوات الخمس والأربعين الماضية بمعدل 60%، وأن ظاهرة الانتحار تودي بحياة مليون منتحر سنويا، والمتوقع أن يرتفع العدد بنسبة 50% ليصل إلى مليون ونصف المليون منتحر سنة 2020، وأظهر التقرير أن أكثر من نصف المنتحرين دون سن 45 عاما، وفي فئة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاما يأتي الانتحار في المرتبة الثانية بعد حوادث السير كعامل للوفاة.


ومن أرقام هذا السحق الحضاري، معدل محاولات الانتحار الذي يصل إلى 20 ضعفا من حالات الانتحار المفضية إلى الموت، أي أن عدد من يحاولون الانتحار يناهز 20 مليون إنسان!


هذه هي الحقيقة الفاضحة لمأساة هذه البشرية المنكوبة بحضارة الغرب الملعونة، في حيرتها وضلال تصوراتها، وباطل أنظمتها وأوضاعها، وجاهلية تقاليدها وعاداتها.


هما حالتان اثنتان لا ثالث لهما تَتَعاوَرَانِ حياة البشرية ما تعاقب الليل والنهار واختفت أمصار وظهرت أخرى، حالة الهدى وحالة الضلال، حالة الحق وحالة الباطل، حالة الإيمان وحالة الكفر، وما كانت حضارة الغرب ومنظومتها المشؤومة إلا حالة ضلال وباطل وكفر محض.


آن وحان لكم معشر المسلمين أن تقدروا حقيقة التبعات الخطيرة والمدمرة لمائة سنة خلت من ضياع خلافتكم وغياب إسلامكم عن دفة قيادة هذا العالم، تجاه أنفسكم وتجاه البشرية جمعاء.


آن وحان لكم معشر المسلمين تحمّل مسؤوليتكم، فوالذي فلق الحب والنوى وأخرج الحي من الميت والميت من الحي، ما لهذا العالم البائس المنكوب بحضارة الغرب المشؤومة إلا أنتم لإخراجه من حيرته وضلاله وإرجاعه إلى ربه، فما كنتم في البشرية إلا حالة رشاد وهدى وحق وإيمان وصلاح وفلاح، فاعلموا يرحمكم الله أن لا خلاص ولا نجاة من هذا الجحيم الأرضي الذي صنعته حضارة الغرب الكافرة إلا بالتخلص منها، بقذف حق الإسلام العظيم وخلافة نبوته على باطل مادية وعدمية علمانيتها وضرار دويلاتها، فيدمغه فإذا هو زاهق، وأنتم والله المسؤولون والقمين بكم ذلك، والله ولي التوفيق.


﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾


#أقيموا_الخلافة
#ReturnTheKhilafah
#YenidenHilafet
#خلافت_کو_قائم_کرو

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
مناجي محمد

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر