المسألة الغربية وجذور الكارثة الإنسانية "الديمقراطية"
February 17, 2021

المسألة الغربية وجذور الكارثة الإنسانية "الديمقراطية"

المسألة الغربية وجذور الكارثة الإنسانية
"الديمقراطية"


لا توجد حالة تيه وضياع حضاري مثل التي يعيشها العالم اليوم بقيادة الغرب، وهو يعيش خريف حضارته وهي تنازع موتها وفناءها، وسط أوحال وركام منظومتها الفكرية العلمانية البائسة وتحت أثقال ماديتها الجافة اليابسة، بعد أن استنزفها دورانها في دوامة العدمية وغياب المعنى. وفي هذا التيه ومن ذلك الركام والضلال الفكري انبعث الشر كله، وتحولت الحياة البشرية إلى جحيم وباتت أنظمتها أنظمة عذاب لا أنظمة حياة.


وفي كد وجهد وعنت العقل الغربي في صياغة مأساته وأنظمة فنائه وشرائع وطرائق عذاباته، وفي شروده وهو يأبق من ضلال كنيسته واستبداد قساوستها وملوكها، انتحل من ديمقراطية الإغريق نظام حكم لإدارة وسياسة الاجتماع البشري وكان فيها كالمستجير من الرمضاء بالنار، فهروبا من الدين حفر العقل الغربي في أعماق تاريخ الشرك حتى أقْعَرَ وقَرَّ في قعر أثينا الإغريق وما ابتدعته من أنظمة لقيادة وحكم عبيدها، ومن ادعائها في أن أفراد شعب أثينا هم من يتخذون القرارات خلال اجتماعاتهم الشعبية، وهو ما عبرت عليه كلمتا (ديموس وكراتوس) أي حكم الشعب، فانتحلها الغرب لقيادة وحكم عبيده، بعدما عين الإنسان حاكما والعقل مصدرا لأحكامه.


فكانت الديمقراطية نتاجا طبيعيا للمنظومة الغربية العلمانية في فصلها للدين عن الحياة ومنها السياسة، لأن جذرها الفكري وأساسها العقدي العلماني لا يحتمل إلا تفسيرا ومعنى واحدا، من أن التشريع والحكم من صلاحية الإنسان وليس الخالق، فحقيق الديمقراطية هو في نبذ أحكام الخالق وشريعته، والعنت في جعل المخلوق الإنسان مشرعا، ومصدر التحسين والتقبيح عقله وليس الوحي.


أما التعريف والاصطلاح الفلسفي من أن الديمقراطية هي حكم الشعب نفسه بنفسه، فهي مغالطة معرفية كبرى، ما كان لها قديما ولا حديثا واقع فعلي، فلا الشعب استصدر حكما ولا أنفذ حكما، فالتاريخ يخبرنا أن شعب أثينا هم الذكور الأحرار ملاك العقارات النبلاء، وأن الزمن النموذجي لديمقراطية الإغريق هو زمن أثينا بركليس، ويخبرنا التاريخ أنه كان هناك 2000 ذكر أحرار يقررون حاضر ومستقبل ومصير 110 ألفاً من محرومي وعبيد ومنبوذي أثينا الذين ليس لديهم أي حق سياسي، أي ديمقراطية قائمة على أكتاف العبيد.


وكل هذه الديمقراطيات الغربية اليوم تعتمد الوهم نفسه والدجل نفسه، فديمقراطية الغرب اليوم قيد لرأسمالييه، وأداة حكم وتحكم للفئة النافذة والمتنفذة في رأسماليته، فالمهندسون الحقيقيون لأنظمة وسياسة الحكم هم الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات والبنوك الرأسمالية، وتلك حقيقة لا جدال فيها منذ الزمن الأول العلماني، فهذا فيلسوف ومنظر الرأسمالية الأول آدم سميث يعبر عن حقيقة الديمقراطية بقوله: "إن المهندسين الأساسيين للسياسة في إنجلترا هم التجار وأصحاب المصانع"، وقد خلفه اليوم فيلسوف الليبرالية المعاصرة ميلتون فريدمان وفي تكريس لتلك الحقيقة الديمقراطية يقول في كتابه "الرأسمالية والحرية": "بما أن جني الأرباح هو جوهر الديمقراطية فإن أي حكومة تنتهج سياسات معادية للسوق هي حكومة معادية للديمقراطية، بغض النظر عن حجم التأييد الواعي الذي قد تتمتع به، لهذا من الأفضل حصر عمل الحكومات في مهمة حماية الملكية الخاصة وفرض الاتفاقيات، وقصر النقاش السياسي على الأمور الثانوية، أما الأمور الحقيقية المتعلقة بإنتاج وتوزيع الموارد والتنظيم الاجتماعي يجب أن تقررها قوى السوق".


وقد عبر أول قضاة المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية جون جاي عن هذه الحقيقة الديمقراطية وفي لحظة بلاغة تامة بقوله: "الناس الذين يملكون البلد يجب أن يحكموه"!


وعليه فكل تلك السفسطة حول حكم الشعب وسيادة وإرادة الشعب ما هي إلا ثرثرة وضوضاء السياسيين لتخدير العامة، والهوامش والحواشي من المثقفين والمضبوعين القابعين في كهوف التنظير الفلسفي الأوروبي للقرن السابع عشر، وهم يلوكون الفروض والأوهام الفلسفية لجون لوك وروسو حول عقد اجتماعي موهوم ومزعوم ركيزتاه الخير العام والإرادة العامة، ومن ثم يستتبعهما سيادة الشعب والشعب مصدر السلطات والمشاركة الشعبية في صنع القرار وما في حكمهم من أضغاث الأحلام.


فمتى تم في مذهب البشر على مر العصور الاتفاق على الخير حتى يصبح خيرا عاما، فضلا عن ثبات قيمة ذلك الخير المزعوم ودوام تصوره؟ أما تلك الإرادة العامة فهي عين الوهم والاختلاق والافتراض. كما أن النظرية الكلاسيكية للديمقراطية بنيت على فرضية ونظرية القانون الطبيعي ومن ثم الحقوق الطبيعية.


ومفهوم القانون الطبيعي والحقوق الطبيعية لا يعدو عن كونه تصورات ذهنية مجردة وفرضيات خيالية لا علاقة لها بأي واقع، ولكنه تلفيق فلسفي علماني للخروج من ورطة القصور المعرفي للعقل الغربي، فالفكر الغربي العلماني بعد عزل وفصل الدين عن حياته اصطدم بمعضلات معرفية كبرى، منها المعضلة الأساسية والجوهرية حول مصادر المعرفة بمعزل عن الدين وقطيعة مع معارفه، وهنا تاه وشرد في عقلانيته الموهومة ثم انتكس إلى مادية الطبيعة وقانون الطبيعة كمصدر للمعارف والرؤى والتصورات، فكان مفهوم القانون الطبيعي والحقوق الطبيعية كتوليد وانبثاق عن ذلك الفصل والإنكار للدين كمصدر للمعارف والأنظمة، خلفته الطبيعة/المادة كمصدر.


ومتى تجاوزنا هذا الزيف والدجل الفلسفي إلى عمق المأساة في المسألة الغربية، وهي في تهافت فلسفتها المادية وفي ذلك الادعاء الزائف والتبجح الأرعن في القدرة على التصدي للمشكلة الإنسانية وحل عقدتها الكبرى في تفسير الوجود سببا وغاية ومصيرا، ومن ثم وضع مناهج وأنظمة وشرائع لحياة البشر.


وما كان إلا عنت وكد وجهد العقل الغربي في صناعة مأساته، وهذا هو الذي تشقى به البشرية كلها اليوم، وهي تخبط في التيه وراء سراب الغرب وفي بيداء وعراء حضارته.


فكيف بهذا الكائن الحقير المحدودة كينونته زمانا ومكانا، إذ هو حادث في زمن بعد أن كان عدما وينتهي بعد حدوث، ومتحيز ومتموضع في مكان لا يوجد إلا فيه، وفوق هذا هو محكوم بضعفه وميله وشهوته ورغبته وحاجته فوق ما هو محكوم بقصوره وعجزه وجهله، فكيف والحال كذلك بهكذا إنسان أن يدعي في وهم تفكيره إنشاء تصور اعتقادي يفسر به الوجود من ذات نفسه ويبدع أنظمة يدير بها دواليب الحياة البشرية من ذات نفسه كذلك؟!


عجبا لهذا الكائن البشري الحقير الذي يبني منتهى علمه على الظن والحدس والخرص والفروض المتغيرة المتقلبة دوما وأبدا، ثم يتخذ من هكذا ظن وهكذا هوى يقينا وإيمانا وإلها معبودا يتلقى عنه العقائد والقيم والتصورات والمعايير والنظم، حقا كان الإنسان أكثر شيء جدلا ثم فوق هذا هو ظلوم جهول.


فكيف بصاحب اللحظة أن يقود ويحدد مسار ومستقبل ومصير دهر، حتى أضحت الحياة في ظل المنظومة العلمانية الغربية عرضة للهزات العنيفة الدائمة والتقلبات المدمرة والأزمات الطاحنة، يكفي فيها هذا الكم من الترقيعات للأنظمة الغربية والتعديلات والتأويلات الدستورية والاسثتناءات والملحقات القانونية، والأزمات الدورية المتلاحقة. ما جعل كثيرا من فلاسفة ومفكري الغرب يتنبهون لحجم العطب المعرفي في الفكر العلماني وأخطاء وخطايا المنظومة الفكرية الغربية، بل باب من أبواب الفلسفة في الغرب طُرِق وفرع من فروعها استحدث حول التفلسف في الكارثة المعرفية للمنظومة الفكرية الغربية وإفلاسها وانهيارها الحضاري، ومن فلاسفته ومفكريه الذين كان لهم صوت مدَوٍّ في التحذير من السقوط منذ منتصف القرن الـ19 من بينهم تولستوي وبوركهارت وبروكس آدمز صاحب مقولة "الفلسفة إجابات غير مفهومة لأسئلة ليس لها حلول" و"السياسة مؤسسة نظامية للأحقاد والضغائن". ثم بعد التحذير بدأ التفلسف في الكارثة والمأساة الحضارية الغربية، فقد جاءت حرب الغرب العالمية الأولى بعمل الفيلسوف الألماني أوزوالد شبينجلر وكتابه المعتمد "انهيار الغرب"، وتلتها حرب الغرب العالمية الثانية بدراستين الأولى دراسة للتاريخ للمؤرخ الإنجليزي أرنولد توينبي ودراسة ثانية للمفكر الروسي الأمريكي تبريم سوروكين، ثم تلاهما دراسات ومقالات وكتب، مقالات الفيلسوف الفرنسي بول فاليري ومقولته "إننا ندرك اليوم أن حضارتنا محكوم عليها بالموت"، وكتابات المفكر غارودي منها "نداء للأحياء" و"أمريكا طليعة الانحطاط" و"الحضارة التي تحفر قبر الإنسانية"، القائل: "إننا نوشك أن نغتال أحفادنا، ونعد انتحارا كوكبيا في القرن الواحد والعشرين، إذا ما استسلمنا للانحراف القائم في السياسة العالمية...".


ما كانت الديمقراطية إلا من قبيل ذلك السحق الفكري العلماني المادي الغربي، وما كانت إلا دولابا لطاحونة رأسماليته، وما كانت سيادة الشعب وإرادة الأغلبية إلا شعارات جوفاء لتزييف الوعي وشل أي فعل معاكس لتيار رأسماليته. فالأغلبية المزعومة هي أكثرية في أقليات وأقلية في مجموع، يصنعها ويفرزها المال السياسي الرأسمالي، ونظام الانتخابات حبكته خوارزميات شديدة الخفاء والتركيب خدمة لمصالح الرأسماليين، ومرشحو الأغلبية صُنعوا صناعة في معامل السياسة الرأسمالية، والحصيلة النهائية برلمان وحكومة ومجالس من تصميم رأسمالي خالص وتام.


ما كانت الديمقراطية نظام حكم بل أداة استعباد، وما كانت فينا معشر المسلمين إلا كفرا أسود وضلالا مُمَحضا وإقصاء لشرع ربنا ومجلبة لسخطه، كلفتنا عنتا ومزقتنا قددا وجعلت أمرنا تحت سيطرة طاغوت شيطان. ما كانت ديمقراطية الغرب الكافر فينا إلا أداة حرب وآلة استعمار وأسلوب استحمار، ونظام قتل وفتك ونشرا للرذيلة ووأدا للفضيلة، باسمها خربت الدار وانتهك العرض وقتل الأهل واستبدل الدين. ما كانت فينا إلا حصان طروادة وشراكا وفخا في حملة صليبية أخرى، وما كانت إلا حركة مبضع في أدمغتنا لفتح ثغرة في عقولنا وقلوبنا حتى يهون هدم الحصن واحتلال الدار.


معشر المسلمين! ما كانت الديمقراطية إلا نبتة خبيثة من تلك الشجرة الخبيثة الملعونة لحضارة الغرب الكافرة، التي ملأت الأرض بالخبائث والأرزاء ولن تنتهي من أمر البشر حتى يكون حرَضا أو يكون من الهالكين.


وقد آن وحان الخروج من هذا التيه، والانفكاك عن ضلالات الغرب وظلمات كفره، آن وحان لكم معشر المسلمين إنقاذ أنفسكم والبشرية من هذا السحق الحضاري والتيه المضل والركام الثقيل، فأنتم أصحاب الرسالة والشهادة، وحقيقة الله في خلقه وخاتمة وحيه، فأنتم النور في آخر النفق وأنتم ذلك المغتسل البارد والشراب بعد تيه المسير في بيداء الغرب.


فما لهذا العالم المنكوب البائس إلا أنتم لإخراجه من حيرته وضلاله، ولن يكون إلا باسترجاع سلطانكم المغصوب من الغرب وأذنابه أولا، وتحكيم شرع ربكم بإقامة أمر إسلامكم ببيعة رجل منكم يُحَكِّمُ فيكم كتاب الله وسنة نبيكم ﷺ، فيعيد فيكم سيرة الصحب الكرام الراشدين خلافة راشدة على منهاج النبوة، تقام بها أحكام القرآن بعد هجر وتحيي بها سنة المصطفى الهادي ﷺ بعد موات، وتستأنفوا بها حياتكم الإسلامية بعد انقطاع، وتحملوا دعوة الإسلام العظيم هداية للعالمين، فتصلوا الأرض بالسماء ليرضى عنكم رب الأرض والسماء. فلنور الله ندعوكم فاستجيبوا وأجيبوا ففيه خلاصكم ونجاتكم.


﴿الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾


#أقيموا_الخلافة
#ReturnTheKhilafah
#YenidenHilafet
#خلافت_کو_قائم_کرو

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
مناجي محمد

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر