المسألة الغربية وجذور الكارثة الإنسانية الليبرالية الاقتصادية
February 19, 2021

المسألة الغربية وجذور الكارثة الإنسانية الليبرالية الاقتصادية

المسألة الغربية وجذور الكارثة الإنسانية
الليبرالية الاقتصادية


لم يكن بُد وقد شرد الغرب بالبشرية عن ربها ومنهجه وهديه، وسلبها إيمانها وعبَّدَها لطاغوته، واتخذ لها من هوى ماديته صنما معبودا من دون الله، موهما إياها أنها في عصر العلم وفي دهر القانون، وجمع لها الشرور كلها في حزمة واحدة وقذف بها في روعها، وصير حياتها تيها يفضي إلى تيه وظلمات بعضها فوق بعض، لم يكن بد من أن ترى في الحياة نقيض الحياة هوة قبر لا تُسد، ومادة آلام وأحزان وضنك عيش واضطراب وحيرة وبؤس لا تُحد.


ثم في غيه وضلاله استخلص للبشرية من شروره شرا مقطرا، وجعل لها من ضرائب اللؤم وغرائز السوء طرائق عيش، فكان الإسراف في جمع المال والتكالب عليه، والغلو في الإدخار والإغراق في الكنز، والنهب والجشع والشره والخديعة والاحتيال والقساوة والبخل، والغبن والاحتكار وغمط الحقوق وسرقة الجهود والاستعمار وطمع في كل شيء حتى في الطمع، وكل هاته الرذائل جعل منها شرائع وأنظمة للجمع والصرف وأنظمة اقتصاد بها جمع وعدد وهو في الرذائل يتعدد، وسماها لشيعته ومريديه ليبرالية اقتصادية وإن شئت فقل الاقتصاد الحر، المتحرر من قيود الأرض والسماء!


ما كان الغرب في البشرية إلا حالة مَرَضِية ينكسر عندها الرأي ويُبتلى بها الحس، وما كانت ليبراليته الاقتصادية واقتصاده الحر إلا ذلك الورم الخبيث الذي ينخر أحشاءه، وما كانت إلا فلسفة للموت ونظام افتراس وقتل واسما آخَر للقبر.


ترجم الغرب حقيقة الشر والمعنى الحقيقي لتعفن الطباع وفساد الأخلاق، في جعله حيازة الدنيا حقا مفردا لحفنة من رأسمالييه وحكرا عليهم، فكانوا بحق في البشرية مادة فساد وإفساد وهلاك وإهلاك وعين اليقين لآيات الذكر الحكيم: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾. ولقد استبدل الغرب بطبقة العائلات الإقطاعية طبقة أصحاب الشركات والبنوك، ونظر وفلسف ما كان حبا للمال جما وجشعا وطمعا وما في حكمها من الرذائل، وصاغها مفاهيم فلسفية وقوانين وأنظمة حياة، ويعتبر فيلسوفه آدم سميث وكتابه ثروة الأمم المرجع الرئيس للاقتصاد السياسي الليبرالي، والإطار النظري لتحرير الاقتصاد من قيود الأخلاق والدول والمؤسسات.


وهكذا تم التفلسف والتنظير لهذا المقت والظلم في استئثار حفنة من الرأسماليين بالثروة كل الثروة، تحت ذريعة قضاء مشيئة ميكانيكا السوق وقدر المنافسة، في جعل الأرض بكل خيراتها ما ظهر منها وما بطن لا تكفي أهلها، بعدما صير اقتصاد السوق الحر الثروة كل الثروة دولة بين رأسمالييه ومترفيه وجعل الأرض مادة لهم، حتى بات السفيه المتخم منهم في بذخه ينفق في شهوة ولذة يوم قوت بلد!


وهكذا أصبح اقتصاد السوق المنظم للعلاقات والمعاملات الإنسانية، وهذه السوق لا تكترث بالإنسان وخصوصيته وحاجاته ومشكلته، ولا بالغايات ولا بالقيم ولا بالأخلاق، فغاية السوق الربح. والصراع في اصطلاحه المؤدلج صار منافسة وهو المعيار الوحيد للحسم، حرب الكل ضد الكل، تحت منطق النظرية الليبرالية "الإنسان ذئب أخيه الإنسان" و"البقاء للأقوى"، وهنا انتهت الليبرالية الاقتصادية من المشكلة الإنسانية فصنعت لها غابة يفترس الأقوى فيها الضعيف.


ثم طور رأسماليو الغرب آليات لتسخير العالم كله لمصالحهم، فكان صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية وسياسات العولمة والشراكة والخوصصة والاستثمار الأجنبي والاقتصاد الرقمي. وكانت بحق أدوات استعمار رخوة وعملها للمدى البعيد، مكنت للبنوك الرأسمالية والشركات الكبرى الاستيلاء على ثروات الشعوب والسيطرة على القطاعات الحيوية وربط محكم لأصحاب المال المحليين بعجلة أرباح الرأسماليين الغربيين.


وفي سعيهم لتحطيم كل المكابح والفرامل أمام نهبهم وسرقتهم، تفلسفوا وزعموا أن الحكومات مؤسسات غير كفؤة ولا بد من تقييدها وتجريدها من سلطانها كي لا تلحق ضررا بالسوق الحر، وهكذا أضحت هذه الحكومات جزءاً من إدارة الشركات الكبرى وحكامها عملاء موظفون في التسويق العالمي لهكذا نهب. فبات عمل الحكام العملاء وحكوماتهم الوظيفية تحويل ثروات وأموال الشعوب أرصدة وأرباحا في حسابات الرأسماليين الغربيين، وحماية الأسواق حكرا لهم، وإعفاؤهم من الجمارك والضرائب والتبعات القانونية، وتوفير جيوش العبيد الكادحين بأبخس الأثمان، وتهيئة المكاتب والمعامل والمصانع والمرافق من أموال دافعي الضرائب المحليين بحجة تشجيع وتيسير الاستثمار، وبات الحكام العملاء وحكوماتهم الوظيفية هم المدافع الأول عن مصالح الرأسماليين الغربيين وبنوكهم وشركاتهم.


بل في اقتصاد السوق المعولم تبدو الحاجة الملحة والأهمية القصوى للحكومات الوظيفية والساسة العملاء، فالعولمة ليس كما يُزعم توسع للأسواق الحرة العابرة للحدود في صيرورة طبيعية، بل العولمة هي نتاج سياسات يفرضها ويمليها رأسماليو الغرب عبر صفقات تجارية واتفاقيات تحقق مصالحهم، بتواطئ مع الحكام العملاء ورجال الأعمال المحليين الانتهازيين للهيمنة على الأسواق المحلية.


وكي تُحكم الليبرالية الاقتصادية متمثلة في بنوكها الرأسمالية وشركاتها الكبرى قبضتها الحديدية على الاقتصاد العالمي، وظفت جيشا من المرتزقة من الإعلام الممول والخاضع للشركات الكبرى والبنوك، والمثقفين والأكادميين المأجورين وأساتذة الفوضى، عن طريق حشد إعلامي هائل ودجل فكري مكثف، لكي يطبعوا في أذهان الناس أن السبيل الوحيد للتنمية والرفاه هو الحرص على بقاء الغابة الرأسمالية، وأن مصلحة الرأسمالي في نهب ثرواتهم وسرقة كدهم وجهودهم هو تحقيق لمصلحتهم العامة.


ونكاية بالعقول وكذبا على الحقيقة، جعلوا هذا الوضع المأساوي والحال الكارثي الذي لا يطاق يبدو منطقيا وكريما ورشيدا وضروريا بل مرغوبا فيه بالضرورة، واستحدث له قاموسه الخاص وأصبح في عرف الحكام العملاء وحكوماتهم الوظيفية حكما رشيدا وحكامة جيدة، وتنمية مستدامة، واستثمارا أجنبيا، وخلقا لفرص الشغل، وانفتاحا اقتصاديا، وشراكة. وعلى شاكلتها من مفردات قاموس الدجل الرأسمالي.


بينما الحقيقة هي ما شهد به شاهد من أهلها، ففي سنة 1993 كتب جيمس مورغان بجريدة فايننشال تايمز ما يلي: "إن انهيار المعسكر السوفياتي قد ترك المجال شاغرا أمام صندوق النقد الدولي ومجموعة السبع الكبار للتحكم في العالم وخلق مرحلة امبريالية جديدة...". هي الغابة والتوحش الرأسمالي وكل حديث غير ذلك هو خارج النسق والسياق.


إن ثمرة قرنين قاسيين من ليبرالية الغرب الاقتصادية كانت إلى أبعد الحدود وأقصى المسافات قاتمة مظلمة ظالمة ملؤها الجور والتوحش، اقترف فيها الغرب أبشع وأشنع الجنايات في حق البشرية يكفيه سبة الدهر ضحايا استعماره، حول حياة البشرية إلى جحيم مادته الفقر والحرمان والحرب والقتل والأزمات الطاحنة الدائمة، ثمنا لترف شرذمة رأسمالييه ونماء أرباحهم وثرواتهم التي لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشر.


فحسب تقرير منظمة أوكسفام لسنة 2018 واستنادا إلى بيانات مجلة فوربس ومصرف كريدي سويس، فإن 26 شخصا باتوا يملكون ما يعادل أموال 3.8 مليار إنسان، وأوضح التقرير أن ثرواتهم زادت بمقدار 900 مليار دولار عن سنة 2017. وأشارت المنظمة أنه فضلا عن زيادة ثرواتهم فهم ينعمون بنسب ضرائب هي الأدنى منذ عقود.


وحسب التقرير السنوي 2019 لمصرف كريدي سويس حول الثروة العالمية، علما أن هذا التقرير هو التحليل الأكثر شمولا وتوضيحا للثروة العالمية، فهو يحلل سنويا ثروة ملايين الأسر في جميع أنحاء العالم، حيث كشف التقرير أن 1% من الأغنياء يملكون 45% من جميع ثروات العالم.


في حين لا يجد 805 مليون إنسان قوت يومهم، و2.7 مليار إنسان لا يشبعون من جوع وعيشهم بين الكفاف والعوز، أما المحرومون المنبوذون في عطالتهم وبطالتهم فحسب تقرير منظمة العمل فقد ارتفع عدد العاطلين إلى 255 مليون إنسان لسنة 2020. فالغرب في إجرامه عدد قبور البشر بعدد نهب رأسمالييه، فحسب نشرة للإذاعة الألمانية من المتوقع وفاة أكثر من 132 مليون إنسان بسبب الجوع في العالم خلال سنة 2020.


ومن الدراسات المثيرة للاهتمام عن حجم الخراب والظلم الليبرالي في معقل الليبرالية الاقتصادية الولايات المتحدة الأمريكية، دراسة مدير دراسات الدخل في معهد جيروم ليفي في نيويورك الدكتور إدوارد وولف، من أن 85.5% من النمو في ثروة الولايات المتحدة بين عامي 1983 – 1997 أي خلال عقد ونصف، قد استولى عليها أغنى 1% من الأمريكيين، فرغم أن إجمالي الدخل الأمريكي قد ارتفع بشكل هائل في ذلك الوقت إلا أن 80% من العائلات الأمريكية لم تتلق شيئا، بينما ربحت طبقة 1% ما مقداره 2.9 تريليون دولار من أصل 3.5 تريليون دولار.


هذا غيض من فيض لحصاد الاقتصاد الليبرالي الغربي المشؤوم وثماره الخبيثة المتعفنة، فبه عمت البلوى وكانت الشقوة، ورُسم خط الدمار الذي تنحدر فيه البشرية إلى الهاوية، والمأساة أن الوحش الرأسمالي هو هو لا يزال ينفث دخان قلبه الأسود، بل يرى في الكارثة والأزمة القاتلة فرصة للغنيمة ومكسبا للربح، فوحوش الرأسمالية فاقت وحش الغاب، فما عهدنا في الغاب وحشا أكل الأرض فريسة وعلفا ليجيع بقية الوحش، ولكن وحوش الرأسمالية صنعتها وفعلتها!


ثم استتبعتها بالخزي كله، أن جعلت من المأساة الإنسانية التي صنعتها مادة وموردا للربح، فمن جحافل صنيعها من المحرومين والبؤساء والفقراء والمنبوذين مادة إنتاج واستهلاك لعصارة القذارة الرأسمالية. فقد أسفرت حرية السوق عن تجارة المخدرات لأن سوق الحرمان والفقر وما صاحبه من هم وغم كفيل باستحداث الحاجة الرأسمالية للمخدرات. حيث قدر عدد مدمني الحشيش المتمركزين في كل من أمريكا وأوروبا بـ300 مليون حشاش، وقدر حجم تجارة المخدرات بـ800 مليار دولار سنويا ما يمثل 8% من حجم التجارة العالمية. أما فاتورتها وضريبتها فنصف مليون من الوفيات من متعاطي المخدرات، وكشف تقرير لمنظمة الصحة العالمية عن وقوع أكثر من مليار إنسان في تعاطي المخدرات وإدمانها ويمثل الشباب الغالبية من ضحايا تعاطي المخدرات، وأضعاف هاته الأعداد من المصابين بالأمراض الفتاكة كالإيدز والالتهاب الكبدي والاضطرابات النفسية والسلوكية المصاحبة لتعاطي المخدرات من سرقة وقتل وعنف واغتصاب.


كما أسفرت حرية السوق عن أقبح وأشنع رذيلة، الاتجار في لحوم البشر فقد قدرت الدراسات الغربية حجم سوق صناعة وتجارة البغاء بـ1500 مليار دولار، وحسب برنامج الأمم المتحدة للتنمية فإن الناتج الخام لسوق البغاء عالميا تجاوز 1200 مليار سنويا ويمثل 15% من حجم التجارة العالمية. وهذا الحطام البشري من النساء اللواتي سحقتهن رأسمالية الغرب الكافرة وحولتهن إلى سلعة وبضاعة في سحق تام للكرامة الإنسانية قدر عددهن بـ50 مليون امرأة حُوِّلن إلى بغايا.


إن قرنين من رأسمالية الغرب الكافرة ومقت ليبراليتها الاقتصادية، ما كانت في البشرية إلا حقبة تدمير شاملة، وزادها ظلما وطغيانا غياب الإسلام عن قيادة العالم طيلة قرن، فاستفحلت المأساة البشرية وجعل الغرب من دماره نظاما عالميا وعولم الخراب باسم اقتصاد سوقه الحر، وصير الأرض وسهولها وهضابها وجبالها وظهرها وبطنها وأنهارها وبحارها ملكا ودولة لشرذمة 1% من رأسمالييه يعبثون في ترفهم وسفه تبذيرهم وبذخهم بثروة البشرية جمعاء، والأنكى أنه متى عبث وقامر وشاغب الصبية الشرذمة بالثروة وأفسدوا أحوال المال واستجلبوا الخسارة والكساد والإفلاس يتم تحويل خسائرهم لديون مستحقة على البؤساء والمحرومين من جحافل 99%.


إن كان لليبرالية الاقتصادية الغربية من فلسفة فهي الافتراس وما في حكمه، ومحصلتها النهائية البقاء للمفترس الأقوى.


ففي ضوء ما تكشف من أزمات مدمرة وحروب عدمية (الحربين العالميتين الغربيتين) والصراع والتطاحن الاستعماري الذي أباد شعوبا، والعنصرية المقيتة والأنانية والتفكك الأسري، ومعدلات الفقر والبطالة والعطالة وجيوش البؤساء والمحرومين، ومعدلات الجريمة والمخدرات والبغاء. وأرقام الموت لا الحياة، يكون الغرب قد حقق أشأم رؤاه وحول العالم إلى أرض يباب وجعل من العدمية واللامعنى فلسفة حياة. ومن أصدق من الله قيلا: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾.


لقد صار حتما عليكم معشر المسلمين إقامة خلافة الإسلام الراشدة بوصفها فريضة شرعية وضرورة مصيرية إنسانية، لإنقاذ الإنسانية من هذا التيه السحيق لحضارة الغرب الكافرة وأنظمتها المدمرة، واستئناف حياتكم الإسلامية بوصفها الترجمة العملية للمنهج الرباني في الأرض، الذي لا عدل ولا رفاه ولا أمن إلا به، حتى لا تبقي الأرض في ظلها خيرا إلا أخرجته، ولا تبقي السماء من قطرها شيئا إلا أنزلته، ويلقي الإسلام بجرانه في الأرض.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ وَلَـكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾.

#أقيموا_الخلافة
#ReturnTheKhilafah
#YenidenHilafet
#خلافت_کو_قائم_کرو

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
مناجي محمد

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر