المشهد في اليمن لا يزال سواده حالكاً
المشهد في اليمن لا يزال سواده حالكاً

إن أي بلد في العالم لا يملك قراره السيادي يصبح ضحية وألعوبة بيد الأقوياء المسيطرين عليه والذين يملكون ويتحكمون بقراره، زد على ذلك إذا كان المتحكمون والمسيطرون لا توجد في مقاييسهم سوى قيمة واحدة يسعون لتحقيقها عند قيامهم بالأعمال وهي القيمة المادية، وهنا كيف سيكون حال هذا البلد؟ لا شك أنه سيصبح في حالة من السوء التي لا يمكن وصفها،

0:00 0:00
السرعة:
April 24, 2023

المشهد في اليمن لا يزال سواده حالكاً

المشهد في اليمن لا يزال سواده حالكاً

إن أي بلد في العالم لا يملك قراره السيادي يصبح ضحية وألعوبة بيد الأقوياء المسيطرين عليه والذين يملكون ويتحكمون بقراره، زد على ذلك إذا كان المتحكمون والمسيطرون لا توجد في مقاييسهم سوى قيمة واحدة يسعون لتحقيقها عند قيامهم بالأعمال وهي القيمة المادية، وهنا كيف سيكون حال هذا البلد؟ لا شك أنه سيصبح في حالة من السوء التي لا يمكن وصفها، زد على ذلك عدم وقوف البلدان المسيطرة عليه عن تحقيق القيمة المادية عند السيطرة عليه واستغلال ثرواته، بل هناك عامل آخر وهو يظهر جلياً في المشهد اليوم في بلاد المسلمين وهو أن البلدان المسيطرة والمستعمرة تحمل في طياتها العداء الكبير لأمة الإسلام الذي لا يتوقف عند نهب الثروات بل يتجاوز ذلك وهو جعل هذه البلدان منزوعة الهوية والثروة لتصبح ألعوبة وحقل تجارب لهم.

إن هذا المشهد يتكرر اليوم في بلاد المسلمين؛ في العراق وليبيا وسوريا والسودان ...إلخ، وسوف نسلط الضوء على اليمن كنموذج ليعرف الناس ويحسوا بعِظم المآسي التي يعيشونها كنموذج قد يكون ليس الأكثر ألماً، فعندما يعيش الإنسان في هذا الواقع فإن إحساسه بالمأساة ليس كمن يقرأ عنه.

إن الهدف من هذه المقالة ليس مجرد المعرفة فقط بل بعد المعرفة يجب أن يقوم المسلم بدوره؛ وهو أن ينفض عن ظهر أمته هذه الآلام ويأخذ على يد الظالم ويقطع يد الكافر المستعمر ليحررها من التبعية ليكون لها مقعد الصدارة بين الأمم الذي أراده لها ربها وإنقاذ البشرية جميعاً من براثن العلمانية الرأسمالية المتوحشة التي تفترس كل شيء حتى أبنائها.

المشهد الأول: لمحة بسيطة على آخر الأحداث التي حصلت في الأسابيع الأخيرة حيث شهدت توقيع اتفاقية إطلاق الأسرى بين أطراف الصراع في اليمن برعاية مبعوث الأمم المتحدة، حيث تم إطلاق مئات الأسرى من الجانبين وقد قضوا في السجون فترات طويلة وصل بعضهم إلى ثماني سنوات ومنهم من كان محكوما عليه بالإعدام، ومنهم من بُلّغ أهله أنه قد مات في المعارك ولكنه فجأة يعود إليهم، ومنهم من عُذب تعذيبا شديدا على يد سجانيه، والسؤال هنا لماذا كل هذه التضحيات والمعاناة التي ألمت بهؤلاء الأسرى من الطرفين؟! هل هي لأجل سيادة الإسلام والموت في سبيله؟! هل هي للجهاد ضد الكافر المستعمر؟! وكم قتل من جنود الكفار المستعمرين؟! إن على كل من وقع عليه ألم وشدة من هذا الوضع أن يجيب على هذا السؤال. وقبل البحث عن الإجابة يجب عليه أن يدرس جيداً أعمال وأفكار وتوجهات طرفي الصراع الذي عانى من أجلهم، فهل ما يسمى بالشرعية (مؤتمر الخارج وحزب الإصلاح) أو المجلس الانتقالي أو القوات المرابطة بالساحل الغربي من يمجدون الهالك ليل نهار، وأتباع مجلس الإنقاذ بالمهرة أو الهبة الحضرمية ومؤتمر حضرموت الجامع، هل هم جمعيهم يريدون الإسلام وغايتهم تحكيم شرع الله، أم أنهم ينفذون ما يملى عليهم من السفير البريطاني إما مباشرة أو عبر الإمارات وقطر، وفوق هذا لا ينسون أنفسهم فيسرقون الأموال ويغذون أرصدتهم ويستثمرون أموال البلاد بعد نهبها في تركيا ومصر والخليج وأوروبا وأمريكا؟!

وفي المقابل هل الطرف الآخر الحوثيون ومؤتمر صنعاء وهم شركاء متشاكسون يريدون الإسلام وتحكيم شرع الله وتحرير المسجد الأقصى كما يرددون في جلساتهم؟ أليس النظام الجمهوري قائماً كما هو؟ أليس الدستور علمانياً؟ أليس مجلس النواب يمارس التشريع من دون الله؟ فالحوثيون يعقدون الجلسات ويتلقون التعليمات من إيران. ألا يعرفون ويتابعون أعمال إيران ونظامها العلماني وخدماتها التي تقدمها لأمريكا في العراق وسوريا ومن قبل في أفغانستان؟ ألم يسمعوا عن صفقة إيران كونترا مع يهود؟ ألا يدركون كذبها ودجلها في خطابها منذ سنوات حول تحرير المسجد الأقصى ولم نر رصاصة واحدة تطلق على يهود قاتلهم الله؟! فإن قالوا نحن لا نتبع إيران فلماذا تم الاتفاق مع آل سعود المجرمين العملاء بعد إصلاح العلاقة بينهم وبين إيران، أليس هذا دليلا واضحا على تبعيتهم لإيران؟ أما مؤتمر الداخل فتصله التعليمات من بريطانيا عبر الإمارات ولهم دور مرسوم ومعروف وهو الحصول على نصيب مع الحوثيين في أي تسوية، ودورهم هو الحفاظ على حصة لبريطانيا من حصة الحوثيين والتجسس على الحوثيين وصنع الفخاخ والعراقيل للحوثيين من تحت الستار.

هذا المشهد الأسود مستمر من حيث إن ملف الأسرى لم يتحلحل بشكل كامل بل منهم من قتل في السجن ومنهم المفقودون ومنهم من لم تدخل أسماؤهم في صفقة الأسرى نهائيا مثل الأسرى المعتقلين من قبل القوات الإماراتية، وأيضا الاعتقالات لا زالت إلى اليوم مستمرة في بعض المناطق فكيف يطلقون أسرى ويعتقلون آخرين؟! أما بقية الملفات فالملف الاقتصادي الذي قسم إلى ملفات من فتح المنافذ والمطارات إلى ملف البنك والعملة إلى ملف الرواتب وإيرادات الثروات النفطية، والملف الإنساني ومنه الأسرى والمفقودون وفتح المعابر بين مناطق السيطرة لم يكتمل بعد، وإلى الملف السياسي الأكثر صعوبة، فالمشكلة الواحدة يحولها النظام الرأسمالي إلى مشاكل متعددة.

أما المشهد الثاني: فهو سوء الحال الذي أوصلت أطراف الصراع أهل اليمن إليه من سوء الرعاية وانعدام تام للخدمات الأساسية في الكثير من المناطق، ونحن نتكلم عن الخدمات الأساسية وليس الكمالية؛ فالأمن منعدم والقتل مستحر حتى في يوم العيد لم يسلم أحد الخطباء وهو محسوب على حزب الإصلاح في محافظة شبوة مديرية بيحان من القتل بعد أدائه لصلاة وخطبة العيد حيث باشره القتلة بالقتل. أما الكهرباء في مناطق المجلس الرئاسي في عدن وتمثل عاصمتهم فهي في انقطاع مستمر حتى إنهم لم يراعوا الشهر الفضيل فيستحيوا من الله ومن عباده في شهر الصيام، وبقية الخدمات حدث ولا حرج فلا تعليم سوي، ولا قضاء ينصف المظلوم، ولا مياه صالحة للشرب ومتوفرة، ولا طرقات معبدة بل ما تحصده حوادث السير في كل اليمن يقارب ما تحصده الحروب، أما البطالة فقد وصلت مبلغاً عظيما فالكثير من الناس لا يجد أمامه إلا طرقاً مهلكة. وأما القتال ففي صفوف المتصارعين أو الهجرة لخارج البلد وبالذات لدول الجوار وفيها يلاقون من الويلات من قوانين حكام آل سعود الظلم والضيم، أما الفقر والفاقة التي وصل لها الناس فقد سطره مشهد الموت في منطقة باب اليمن في العاصمة صنعاء حيث أعلن عن وفاة أكثر من 80 شخصاً وهم يتزاحمون للحصول على مبلغ لا يتجاوز 20 دولاراً في آخر أيام الشهر الفضيل ومن هؤلاء الثمانين من هو في ريعان الشباب ومنهم المدرسون والعسكر والموظفون الذين انقطعت رواتبهم فذهبوا يتحسسون ما يسد رمقهم بعد الإفطار مباشرة للوقوف في الصفوف المتزاحمة فلقوا الله وهم بهذه الحالة من الفقر والفاقة يشكون سوء الرعاية من قبل الحكام العملاء الذين يتنعمون بالثروة ويقتاتون على دمائهم وأرواحهم.

إن المشهد حقا محزن مؤلم ولن تخرج الأمة مما هي فيه اليوم إلا بعودة القرار بيدها فتنفض عنها كل عميل من الحكام وتتصدر المشهد فيعود أبيض ألقاً وينشر نور عدل الإسلام في ربوع الدنيا بعدما ملأته الرأسمالية والاشتراكية قبلها سواداً، وهذا لن يكون إلا في ظل دولة الخلافة الراشدة الثانية، ولهذه الغاية العظيمة يعمل حزب التحرير. قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيباً﴾.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الهادي حيدر – ولاية اليمن

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر