المشكلة الأولى للأمة الإسلامية اليوم  افتقارُها لسياسيين رجال دولة كالخلفاء الراشدين
June 01, 2025

المشكلة الأولى للأمة الإسلامية اليوم افتقارُها لسياسيين رجال دولة كالخلفاء الراشدين

المشكلة الأولى للأمة الإسلامية اليوم

افتقارُها لسياسيين رجال دولة كالخلفاء الراشدين

تتزايد تساؤلات المسلمين اليوم في كل أصقاع الأرض، مفكرين وعلماء وعوام، عن أسباب العجز المريب والشامل عن مواجهة المجازر وصنوف أنواع الإبادة الجارية في أهل غزة، ويظهر هذا في مقالات وخطب، ورسائل حوارات لا تنحصر. وقد بلغ العجز والقهر أوجَهما مع تساؤلات محيِّرة ومستفِزة، حتى عند الأطفال ومن بالكاد يسمع أو يعقل، لماذا نحن هكذا؟ لماذا الأمة الإسلامية والمليارية هكذا؟ فهل كل السبل مسدودةٌ أمامنا فعلاً؟! أما من حلّ؟! أما من إمكانية تحركات تغيث غزة وأهلها، فضلاً عن أن تقضي على كيان يهود هذا وتستأصله من شأفته؟!

إنَّ مشكلة الأمة في غزة اليوم ليست الأولى في زمن الذلِّ هذا ولا الأخيرة بين فتن تتوالى عليها، وليست هي الأصعب أمام تطلعها وتملمُلِها لتتخلص من هذا العجز والاستضعاف والإذلال. فقد مرَّ عليها الكثير مثلها عبر التاريخ، وخلال القرن الفائت، وهي اليوم مستمرة وتزداد.

وإذا مرت فترات كانت أسباب مشكلات المسلمين ونكباتهم ترجع إلى أشياء عندهم وفيهم، كالتيه والجهل بحقيقة هويتهم ورابطتهم، أو التنكُّر لبعض أحكام الإسلام، وإلى خذلان بعضهم بعضاً، فالوقائع تؤكد أن الأمر اليوم مختلف إلى حدٍّ كبير. فعجز الأمة اليوم، سواءٌ عن إغاثة غزة، أو عن أيِّ فعل مؤثر في مواجهة هذا الظلم الرهيب، لا يرجع إلى خذلان أو عدم اكتراث، ولا إلى وهن أو جبن أو قلة دين، بل هو يرجع إلى العجز عن تصور سبيلٍ للخروج من هذا الواقع، وإلى ضعفِ التفكير وقلة المعرفة والخبرة في وضع خطط للحل. وإذا كان طبيعياً أن يصيب هذا الأمر عامة الناس لأنهم مستضعفون كما جاء في قوله تعالى: ﴿إلّا المُسْتضْعفينَ منِ الرجَالِ والنِساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطيعونِ حِيلةً وَلا يَهتَدونَ سَبيلاً﴾، فمن غير الطبيعي أن تخلو الأمة من أعداد كافية من الرجال القادرين على استشراف المشكلات والأخطار العامة والتحذير منها قبل وقوعها واستفحال أمرها، وكذلك تقديم الحلول العملية لمواجهتها ومعالجتها، وهذا هو العمل السياسي الأرقى، وهؤلاء هم رجال الدولة.

وهذه المشكلات مشكلات سياسية، وحلولها هي خطط وتوجيهات سياسية بأعمال تنقاد لها الأمة وقواها. وهذا يحتاج لأفكار وخطط يقدمها سياسيون فقهاء، أي سياسيون بالدرجة الأولى، فلا يكفي في ذلك علماء أو وُعّاظ ومفتون وشرّاح متون. ومواقف العجز التي تلف الأمة اليوم من أقصاها إلى أقصاها في حمأة هذه المشاهد والمجريات التاريخية والمصيرية، مع كثرة العلماء على اختلاف مذاهبهم، وفي ظل انتشار صحوة إسلامية تصاعدت في العالم منذ أكثر من أربعة عقود، يؤكد أن مشكلة الأمة الأولى اليوم، ليست في نقص العلم والعلماء، ولا في عدم التزام المسلمين أو عدم اكتراثهم لنصرة بعضهم بعضاً، بل هي في الحيرة وعدم الاهتداء إلى ما العمل وكيفية نصر غزة وكيف ينتصر المسلمون بعضُهم لبعض. أي أن المشكلة هي القحط أو شبه انعدام وجود رجال دولة على أساس الإسلام، وبالتالي انعدام الحلول العملية المباشرة للمشكلات والنوازل، كالتي نقاسيها الآن في غزة. وإذا أردنا علاجاً حقيقياً ومسؤولاً لهذه المشكلات بل النكسات والمجازر المتلاحقة، ولأي مشكلة أو قضية عامة، فالخطوة الأولى في الحلول وخط سير التغيير هي إيجاد سياسيين رجال دولة. وبغير ذلك، لا حصاد لبَذر، ولا دوامَ لنصر، وكلُّ نصرٍ ينقلبُ إلى ضده.

ولا تختلف أسباب هذا العجز أو قلة الحيلة رغم حجم الأمة الإسلامية وطاقاتها المعطّلة، عما كانت عليه الأمة إبّان هدم الخلافة وقبلها، حيث كانت تنفعل مفعولاً بها وضعيفة الفعالية، رغم أنها كانت دولة كبيرة، فضلاً عن أنها دولة الأمة الإسلامية. ولهذا أكّد السياسيُّ الفقيه تقي الدين النبهاني رحمه الله افتقار الأمة الإسلامية إلى رجال الدولة الذين يعالجون المشكلات منذ ما قبل هدم الدولة الإسلامية. وقال إن الدولة الإسلامية كانت منذ إقامتها عامرة بحشد من رجال الدولة، ولكن في القرن الـ18 بدأ يدب القحط في إنبات عقليات الحكم، فقلّ عدد رجال الدولة. وعرَّف رجل الدولة بأنه: "القائد السياسي المبدع، وأنه كل رجل يتمتع بعقلية الحكم، وهو يستطيع إدارة شؤون الدولة ومعالجة المشكلات والتحكم في العلاقات الخاصة والعامة". وأضاف أنّه عندما هُدمت الخلافة لم يقف الأمر عند حد القحط، بل انعدمت الخواص التي تُنبت رجل الدولة، ولم تعد الأمّة الإسلامية تنجب رجالاً لهم عقليات الحكم، ولذلك انتهى وجودهم في الأمّة، لأنّ رجل الدولة لا ينبت إلا في وسطٍ فكريٍّ وسياسيٍّ راقٍ. وبيَّن أن أهمية رجل الدولة هي في نظره في الأعمال السياسية التي من شأنها تحقيق أهداف محددة، أي في إطلاق الفكر للإبداع بغير قيود سوى أن تكون الأهداف شرعية، وألّا تتعدى الخطط حدودَ النصوص الشرعية.

لذلك، يجدر التنبيه إلى أنه ليس المراد برجل الدولة أو السياسي، ذلك الذي يحلل الأحداث والسياسات والخطط ويقدم رؤيته لها. فهذا ضروري للسياسي ورجل الدولة، ومن مستلزمات عمله، ولكنه لا يجعل من يقوم به سياسياً فضلاً عن أن يكون رجل دولة. فهذا العمل يقوم به موظف في صحيفة أو مركز دراسات أو مراقب من طبعه فهم الأحداث وتحليل السياسات. وإنما رجل الدولة الذي يهتم بالوقائع وتحليلها وفهمها لإدراك حقيقتها أو خطرها بهدف اتخاذ إجراءات حيال ذلك وفق مقتضيات مبدئه وفقهه وهدفه، كما تبين في وصفه آنفاً.

ومن الشواهد أو الأمثلة على أن هذه هي أهم مشكلات الأمة اليوم، وأهم أسباب المعاناة في طريق تحريكها، أن الإسلام كان هو الحاكمَ في الدولة العثمانية، وكانت الشريعة مطبقة حتى تاريخ سقوطها، بينما كانت خطط إسقاطها تُنسج أثناء ذلك بداخلها وفي عواصم أوروبا. فلم يحُل تطبيق الشرع دون سقوطها، ما يعني أن المشكلة أو الخطر كان في مكان آخر. لقد كان في ضعف التفكير السياسي، أي في الافتقار لسياسيين يحللون سياسات الأعداء، ويرسمون السياسات المضادة، التي تحقق الأهداف أو المقاصد الشرعية. ورجال الدولة هم من يقوم بذلك.

وإذا نظرنا إلى المجتمع الإسلامي عند إقامة الدولة الإسلامية في المدينة المنورة، نجد نهوضاً سريعاً ولافتاً في المدينة المنورة ومحيطها خلال حياة النبي ﷺ، وهذا لا يرجع إلى العقيدة والأحكام الشرعية فقط، بل إلى ذلك أولاً، وإلى سياسة النبي ﷺ وخططه في الرعاية وبناء المجتمع وتحقيق أهداف الدعوة، وكذلك إلى تعليم الصحابة السياسة الشرعية في التطبيق والرعاية. والأمر نفسه يُقال عن المحافظة على المجتمع الإسلامي على يد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وعن انتشار الإسلام السريع في مختلف جهات الأرض، وصعود الدولة الإسلامية على مستوى عالمي. وذلك بطاقاتِ وقدراتِ مجتمعٍ يقوم على أساس العقيدة الإسلامية وشريعتها، وكذلك على السياسة التي نفذها حكامٌ تجسد فيهم فهمُ الشريعة أولاً، ثم البراعة في التفكير السياسي لتحقيق أهدافها، فكانت سياساتهم سياساتٍ شرعيةً بحق، وكان صعودهم سريعاً ومتميزاً بشكل مثيرٍ بل خارق. وقد فهموا هذا كله من سياسة النبي ﷺ في تطبيق القرآن والسنة، وليس من تطبيقهما فقط. وهذا ما يمكن فهمه من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي» حديث صحيح، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد وغيرهم. فهو يأمر باتباع سنة الخلفاء الراشدين بعده. ومِن المعلوم أنه لا أحدَ واجبُ الاتِّباع بعده ﷺ، ولا سنةَ غيرَ سنته في التشريع. فتكون سنتهم بمعنى طريقتهم في الحكم، أي في أساليب تحقيق الأهداف أو المقاصد الشرعية. ويترجح هذا الأمر أكثر بقوله ﷺ: «وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ»، ولم يقل "سنة الصحابة". وفي هذا دلالة على أن الأمر يتعلق بأساليب الحكم، أي بخطط وسياسات تطبيق الشريعة وليس فقط تطبيقها، لأن هذه هو ما يميز الخليفة عن غيره. ولذلك، فإن الشرع يأمر ليس فقط بتطبيق الشرع، بل باعتماد السياسات والأساليب المُثلى في ذلك. وبغير ذلك تفقد الجماعة فعاليتها كما حصل عندما أسقطت الخلافة وكما هو حاصلٌ الآن من عجز وجمود.

وعلى ذلك، لا يكفي وجود الأفكار العقدية والأحكام الشرعية وانتشارها لأجل وضع خطط المواجهة وتنفيذها وتفعيل طاقات الأمة والخروج من المآزق. ولا حتى كثرة الفقهاء والمفكرين والمحللين السياسيين، بل لا بد من رسم السياسات واتخاذ الإجراءات التي تفعِّل قدرات الناس وتستثمر طاقاتهم في التغيير وتحقيق الأهداف القريبة والبعيدة. وهذا يحتاج لسياسيين رجال دولة ولتحقيق الكفاية في ذلك.

وهذا ما كان عليه الخلفاء الراشدون رضي الله عنهم، ولذلك اتصفت الأمة في عهدهم بما مكنهم من فتح الدنيا بهم. وهو ما يبين للمتصدرين للتغيير والنهضة والأخذ بيد الأمة وقيادتها، أن الواجب ليس فقط فهم الإسلام وتطبيقه، بل اتباع السياسة الشرعية الرشيدة في ذلك. وهذا بخلاف أحوال الأمة إبان انحلال الدولة العثمانية، وبخلاف أحوالها اليوم وهي تقف من أقصاها إلى أقصاها، مليارين وثلث المليار، عاجزةً عن أي فعل يردع المعتدين، أو يواجه سفك دمائها وتدنيس مقدساتها وانتهاك حرماتها، حتى اعتاد المسلمون على تدمير غزة وقتل أهلها بناءً على أن لا حول لهم ولا قوة، ومثل ذلك صارت انتهاكات اليهود للمسجد الأقصى وكأنّ كل واحد من المسلمين يقول وماذا أستطيع أن أفعل؟! وما الفائدة من تحركات مآلها مزيدٌ من الانتهاكات والهدم وسفك الدماء؟!

لا بد من ملاحظة أن الإسلام لا يعمل وحده لأجل الكفاح المحقق لأهدافه، أو لإحداث النهضة وتحقيق الانتصارات والصعود، وحتى لو طُبِّق في دولة قوية، ينتشر فيها العلماء والمفتون، وأقبلت عليه الأمة وانطلق به العُبّادُ والمجاهدون. فلا بد له من رجالٍ مؤهلين يعرفون الطرق وكيفية السير فيها إلى تحقيق الأهداف وإنجاز الأمور، وأن هذا يلزم فيه اعتبار حقائق الأشياء والناس والجماعات والمجتمعات والدول، فيُبدِعون في تحقيق حتى ما كان يُظنُّ أنه غير ممكن، وهؤلاء هم رجال الدولة، وفي مقدمة هؤلاء بعد النبي ﷺ أبو بكرٍ الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، كما في الحديث: «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» حديث حسن عن حذيفة بن اليمان، أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد وغيرهم. فبأي شيء نقتدي بهما بعده، سوى سياسة الحكم والرعاية، وهما ما عاشا بعده ﷺ إلا حكاماً وخلفاء.

﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الدكتور محمود عبد الهادي

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر