الناتو وأفريكوم جنوب المتوسط، توغّلٌ قصد التغوّل
July 28, 2024

الناتو وأفريكوم جنوب المتوسط، توغّلٌ قصد التغوّل

الناتو وأفريكوم جنوب المتوسط، توغّلٌ قصد التغوّل

نهاية العام المنقضي، وخلال الحرب على غزة ومشاركة أمريكا ربيبتها دولة يهود جرائمها، بحث قائد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا "أفريكوم" مايكل لانغلي، مع قائد قوات شرق ليبيا خليفة حفتر، أهمية تشكيل حكومة وطنية منتخبة، وإعادة توحيد جيش البلاد، وذلك إثر لقاء بينهما في مدينة بنغازي، بحضور المبعوث الأمريكي الخاص لدى ليبيا ريتشارد نورلاند، وفق بيان سفارة واشنطن عبر منصة إكس. وقالت السفارة الأمريكية آنذاك: "بحث لانغلي وحفتر أهمية تشكيل حكومة وطنية منتخبة ديمقراطيا، وإعادة توحيد الجيش الليبي وحماية السيادة الوطنية عن طريق إزالة المرتزقة الأجانب". (وكالة الأناضول، 2023/09/21).

هذا اللقاء كان ثمرة جهود قادها لانغلي بنفسه قصد توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، من خلال جهود الوساطة بين الفريق محمد الحداد وقيادات المنطقة الغربية من جهة، والفريق أول عبد الرازق الناظوري وأعضاء اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) من المنطقة الشرقية من جهة أخرى. حيث أشادت الولايات المتحدة بالتزام رئيسيْ الأركان العامة؛ التابع لحكومة الوحدة الوطنية الموقتة الفريق محمد الحداد، والتابع للقيادة العامة الفريق عبد الرازق الناظوري "بإعادة توحيد المؤسسة العسكرية الليبية"، معلنة تأييدها "إنشاء وحدة مشتركة كخطوة أولى" لتوحيد الجيش الليبي.

وقد جاءت الإشادة الأمريكية على لسان قائد القوات العسكرية الأمريكية في أفريقيا "أفريكوم" الفريق مايكل لانغلي، خلال لقائه في شهر آذار/مارس من العام الماضي مع الناظوري والحداد في العاصمة الإيطالية روما على هامش مشاركتهما في ندوة رؤساء الدفاع الأفارقة في روما الذي يستضيفه لانغلي. (بوابة الوسط، 2023/03/02)

وفي الوقت الذي شارك فيه الحداد والناظوري في مؤتمر وزراء الدفاع ورؤساء الأركان لجيوش دول قارة أفريقيا والقيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا "أفريكوم" بالعاصمة البوتسوانية غابورون بتاريخ 2024/06/26، وما رافق ذلك من تأكيد على المضي قدما في إنشاء الجيش الليبي الموحد، ناقش قائد القيادة العامة المشير خليفة حفتر مع القائمة بأعمال رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ستيفاني خوري، سبل الوصول إلى حلول توافقية لعقد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، بحسب ما نشره مكتب إعلام القيادة العامة عبر صفحته على فيسبوك، حيث استقبل حفتر في مكتبه بمقر القيادة العامة بمنطقة الرجمة في بنغازي، يوم 2024/06/30 خوري والوفد المرافق لها، في لقاء هو الثاني بين الجانبين خلال شهر واحد!

هذا الحرص الأمريكي على توحيد الجيش الليبي تحت قيادة حفتر من جهة، وعلى إجراء انتخابات تحاول أمريكا التحكم في نتائجها من جهة أخرى، يدل على أن خطة الاختراق التركي الناعم واستعمال الفزاعة الروسية قد آتت أكلها في ليبيا، لتبسط أمريكا كامل نفوذها في هذا البلد الغني بالنفط، وعينها على بقية منطقة الشمال الأفريقي ومنها خاصرتها الرخوة تونس كما سيأتي بيانه.

فمن جهة، شهدت البلاد ترقيات عسكرية لافتة لأبناء حفتر، إذ تم تعيين ابنه الأصغر، صدام، رئيساً لقواته البرية المسيطرة على الشرق والجنوب، بينما منح نجله خالد، منصب رئاسة الوحدات الأمنية بصلاحيات واسعة داخل الجيش الليبي. ويترأس ابنه الآخر، بلقاسم حفتر - المعين من قبل البرلمان في شباط/فبراير 2024 - صندوق إعادة إعمار ليبيا، دون أن يُطرح أي سؤال حول مصادر الأموال الضخمة التي يغدقها حفتر في إنشاء المشاريع ضمن حملة انتخابية مبكرة.

ومن جهة أخرى، نقلت وسائل إعلام ليبية عن موقع تاسك آند بيربوس العسكري الأمريكي تقريرا تناول تصريحات صحفية لقائد أفريكوم الجنرال مايكل لانغلي، أشار فيها إلى بحث واشنطن عن حلفاء جدد في المنطقة بما في ذلك الليبيين، ما أثار تساؤلات كبيرة في الشارع الليبي والعربي، عن احتمالية ترسيخ نفوذ أمريكا في ليبيا من خلال إنشاء قاعدة عسكرية، وعلاقة ذلك بالقوات والنفوذ التركي في العاصمة طرابلس. حيث قال لانغلي للصحفيين وفقا لهذا التقرير قبيل مؤتمر بوتسوانا الدفاعي الأفريقي "مع عدم الترحيب بالقوات الأمريكية في النيجر نبحث عن حلفاء جدد في المنطقة بما في ذلك الليبيين".

وتأكيداً على ما ذكر، تجدر الإشارة إلى أن معهد الشرق الأوسط في واشنطن، أكد في وقت سابق أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) بدأ الانخراط بشكل أكبر في الشرق الأوسط وأفريقيا، بسبب التهديدات المختلفة ضد الملاحة البحرية والبنية التحتية، وأنه من المقرر أن يبحث الحلف في قمته التي عقدت في واشنطن في الفترة بين التاسع إلى الحادي عشر من تموز/يوليو جميع التهديدات التي يواجهها في القارة الأفريقية وليبيا، في لحظة بالغة الأهمية من مسيرة الحلف، الذي استدعى لقمته عددا من الدول العربية، من بينها الدول المجاورة لليبيا شرقا وغربا (أي مصر وتونس والجزائر)، فضلا عن قادة كيان يهود، وهو ما أكده المتحدث باسم الخارجية الأمريكية ماثيو ميلر ضمن ندوة صحفية بتاريخ 2024/07/09. ومن يدري ما هي الدول المدعوة للمشاركة في إنشاء "ناتو عربي" هدفه حماية كيان يهود من الزوال، بعد إعلان الحلف بأنه سيفتتح أول مكتب اتصال له في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في العاصمة الأردنية عمان.

كما تناقلت مؤخراً وسائل الإعلام ومواقع التواصل الإلكتروني الليبية، أخباراً مفادها وصول الفريق الأمريكي تشارلز براون إلى مدينة مصراتة ولقائه أعياناً وشخصيات نافذة في المدينة لدراسة إمكانية إنشاء قاعدة عسكرية أمريكية في المنطقة. بل أكد خبراء عسكريون بحسب بوابة أفريقيا الإخبارية، أن زيارة الفريق تشارلز براون إلى مصراتة هي نقطة يبدأ منها العد التنازلي لإنشاء قاعدة عسكرية أمريكية رسمية على الأراضي الليبية، تخلف الشركة الأمنية الأمريكية الخاصة (أمينتوم) التي مارست أعمالها بعيداً عن عدسات الإعلام.

وللتذكير، فقد كشف موقع أفريكا إنتيليجنس الاستخباراتي وصول عـناصر تابعة لشركة أمينتوم الأمريكية العسكرية إلى ليبيا بالاتفاق مع رئيس الحكومة في طرابلس لتدريب المجموعات المسلحة في طرابلس. وأفاد هذا الموقع الاستخباراتي الفرنسي بأن الشركة ستشرف على تدريبات اللواء 444 بقيادة محمود حمزة واللواء 111 بقيادة زوبي و166 بقيادة الحصان وسيتم تنسيق العمل بينها وبين الخارجية الأمريكية لوضع هذه المجموعات في إطار موحد لتأمين الحدود ونزع السلاح. (روسيا اليوم، 2024/04/11)

وفي الوقت الذي تتبادل فيه روسيا وتركيا الأدوار شرقا وغربا داخل ليبيا، استئناسا بالتجربة السورية، يحاول جمع من مرتزقة الإعلام والسياسة إقناع الرأي العام بدور واشنطن في مواجهة النفوذ التركي في الغرب الليبي في المقام الأول، قبيل مواجهة وصد النفوذ الروسي المتمدد شرقي ليبيا على وجه خاص وفي القارة الأفريقية بشكل عام.

يذكر أن صحيفة واشنطن بوست قد كشفت في 2018 أن الولايات المتحدة كانت تجري عمليات استطلاع بطائرات بدون طيار داخل ليبيا من قاعدة جوية في تونس دون ذكر مزيد من التفاصيل. وحتى إن لم يصح هذا الخبر، فإن الواضح أن أمريكا هي المسؤول الأول عن افتعال الأزمات وصناعة وضعية عدم الاستقرار في المنطقة، من خلال ما تفعله في ليبيا والسودان، ومن خلال وضع يدها على منطقة الساحل الأفريقي لتطويق دول الشمال، والاستثمار بعد ذلك في هذه الوضعية المصطنعة والتهديدات المفتعلة للولوج إلى كامل المنطقة.

والدليل على ذلك، جاء خلال اجتماع بوتسوانا الأخير، حيث قال لانغلي: "إن كل بلد أفريقي لديه تهديدات متعددة الطبقات، خاصة عبر منطقة الساحل، فلدى كل دولة أنواع مختلفة من التحديات ودوافع عدم الاستقرار". مؤكدا أن الدول الأفريقية في الغرب والشمال وعبر منطقة الساحل اتصلت بالولايات المتحدة لإجراء مناقشات حول كيفية تحقيق أهدافها الأمنية، لأنها تعرف "القيمة الجوهرية" التي تجلبها الولايات المتحدة. وقال إن إحدى هذه الدول هي ليبيا، فيما تنتهج السلطات التونسية خيار الصمت، دون أن تفصح عن مضمون الاتفاقية العسكرية (لمدة عشر سنوات) التي وقعها وزير الدفاع الأمريكي مارك إسبر مع نظيره التونسي إبراهيم البرتاجي بتاريخ 30 أيلول/سبتمبر 2020، أو تعلق على مشاركة وزير الدفاع التونسي يوم 26 نيسان/أبريل 2022 في قمة عسكرية لحلف الناتو بمقر قاعدته بمدينة رامشتين الألمانية تحت إشراف وزير الحرب الأمريكي لويد أوستن وبمشاركة وزير الحرب الصهيوني غانتس، أو على تصريحات المتحدث باسم الخارجية الأمريكية ماثيو ميلر حول مشاركتها الأخيرة في قمة الناتو بواشنطن.

وبينما يتجول سفراء أمريكا في أروقة المقرات الحكومية والوزارات السيادية في شمال أفريقيا، وبينما تحاول أمريكا النفاذ لقادة الجيوش بدعوى التدريب والمساعدات العسكرية، وبينما أمضى رئيس اللجنة العسكرية لمنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) الأميرال روب باور أسبوعا كاملا بين تونس والجزائر خلال شهر نيسان/أبريل من هذا العام لبحث التهديدات التي تواجه المنطقة، وكلها أحداث تتزامن مع سكب شلالات الدماء في غزة وشلالات الألم والقهر في باقي بلاد المسلمين، عقد معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى يوم 8 تموز/يوليو 2024 ندوة افتراضية بعنوان: "مواجهة النفوذ الصيني والروسي في شمال أفريقيا"، استضاف فيها السفير الأمريكي في تونس جوي هود والمستشار السابق لسياسة الشرق الأوسط في البنتاغون غرانت روملي المعروف بمواقفه الداعمة لتسليح كيان يهود في الحرب على غزة، وبين فيشمان المدير السابق لشمال أفريقيا في مجلس الأمن القومي.

وهكذا تبدو أمريكا جادة في زرع قاعدة عسكرية لأفريكوم في مصراتة بليبيا، محاولة تثبيت مركز استخباراتي للناتو في تونس، وفرضه كدعامة للعملية البحرية متعددة الأهداف في البحر الأبيض المتوسط، والتي أطلقها الحلف تحت اسم "الحارس البحري" بهدف ضمان الأمن في البحر المتوسط، وعينها في ذلك كله على الجزائر، لتتضافر جهود أفريكوم مع أجندة الناتو ليشكلا فكي كماشة لسياسة الهيمنة الأمريكية على المنطقة أو ما يسمونه بمشروع الشرق الأوسط الكبير.

أما الضعفاء والعملاء فيكفي أن تشهر أمريكا في وجوههم سلاح مواجهة النفوذ الروسي واحتوائه، وأن تُضيف للبعبع الإيراني في منطقة الخليج، بعبع القطب الإيراني الروسي الصيني في العالم، ليخروا أمامها راكعين بل ساجدين كما فعل حكام دول الطوق، مع أن جميعها فزاعات توظفها أمريكا لصالحها سعيا لفرض مشروع الهيمنة الأمريكية الذي لن يوقف تمدده سوى دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة بإذن الله. قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أن يَكُونَ قَرِيباً

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المهندس وسام الأطرش – ولاية تونس

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر