النهضة التي نريدها للأمة
July 09, 2023

النهضة التي نريدها للأمة

النهضة التي نريدها للأمة

يقول الله عز وجل: ﴿وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ فلا سبيل إلا سبيلان؛ سبيل الله عز وجل حاديه شرعُه المنزل، وسبيل المجرمين حاديه إبليسُ وأعوانه من الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا. وقد شاءت حكمته سبحانه أن يظل هذان الفريقان متصارعين متناحرين يتصارعان بصور شتى وأشكال متعددة، من لدن آدم عليه السلام وإلى يومنا بفصول مختلفة ووسائل وأشكال متعددة متغيرة.

إن واقع الأمة اليوم وفي ظل غياب دولة الإسلام وحكمها بقوانين الغرب الرأسمالية، وتجهيلها بالقدر الذي جعلها لا تعرف دينها ولا تدرك ما علق بعقيدتها من أفكار الغرب فلا تستطيع تنقية هذه العقيدة ولا نزع الشوائب التي أدخلها المستعمر عليها وكساها ثوب الإسلام، كل هذا جعل لزاما على من يسعى للنهوض بالأمة أن يبدأ عمله من أفكارها فيحمل لها أولا أفكار الإسلام لتنقية عقيدتها وليضع لها طريقة تفكير صحيحة، تجعلها تطرد كل فكر دخيل، ويبني أفكار الإسلام بنقائها وصفائها وتبلورها، وهذا عينه ما قام به النبي ﷺ في مكة عندما صارع أفكار الكفر ولم يخضع لقوانينه وأفكاره وتقاليده بل كان لها محاربا متحديا تحديا سافرا، وقد نزل القرآن مبينا تلك الطريقة، فنبينا ﷺ لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، لهذا عاب أصنامهم وتطفيفهم الكيل والميزان ووأدهم للبنات وغير ذلك من الأفعال التي كانت تعبر عن أفكار الكفر والجاهلية الأولى لأهل مكة.

إن التغيير وتبدل الأحوال سنة كونية حتمية في حياة الأمم، والله مالك الملك يعز من يشاء ويذل من يشاء، فلماذا يعز أقواماً ويذل آخرين؟ وما الذي يجعلهم مستحقين لنعمة الله بالعز والتمكين أو لغضبه بالذل والانحطاط أو إمهاله لهم بتركهم في الغي حتى إذا أخذهم لم يفلتهم بل يأخذهم أخذ عزيز مقتدر؟

لقد بين الله عز وجل ذلك في قوله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ فالذي يتغير في النفوس ليس الأعضاء الداخلية؛ ليست المعدة ولا الأمعاء ولا الرئة، وإنما التغيير في النفس أي في الأفكار والمفاهيم ونوعها وتأثيرها في الإنسان، فهل صار لها واقع مصدق وتحولت لمفاهيم تؤثر في سلوكه؟ وهل تحولت داخله إلى مقاييس وقناعات؟ وما نوع هذه الأفكار؟ وهل هي أفكار كلية تجيب على أسئلة العقل السليم بإجابات حقيقية تقنع العقل وتوافق ما في فطرة الإنسان من عجز واحتياج لخالق مدبر، أم أنها مجرد أجوبة توصل العقل إليها دون قناعة بها لمجرد ملء الفراغ الذي أوجدته تلك الأسئلة في داخله؟ وما هي تلك الأسئلة؟ وهل تستطيع الأجوبة التي لم تقنع العقل ملء الفراغ الناجم عنها؟ وكيف سيتعامل العقل معها؟

إذا كان الذي يتغير في الإنسان أفكاره وهي التي تدفعه نحو الرقي والنهضة فيجب أن تجيب هذه الأفكار على كل أسئلة العقل لضمان صلاحية تلك الأفكار للتأثير في السلوك الإنساني وتغييره لما هو أفضل، فيجب أن تفسر للإنسان كيفية الخلق وبداية الوجود الإنساني وماذا قبل الخلق وماذا بعد الموت وفناء الكون كله؟ وما هي السعادة وكيف تتحقق؟ إلى غير ذلك من أسئلة يطرحها العقل تباعا، وإجابتها تتوقف عادة على إجابة السؤال الأول وحل العقدة الكبرى لدى الإنسان (لماذا أنا موجود؟ ومن أين جئت؟ وإلى أين أنتهي؟)، وعلى أساس حل هذه العقدة والإجابة على أسئلتها تكون الإجابة على ما يتلوها من أسئلة، ويكون رقي الأمم التي تحمل هذه الإجابات ونهضتها دائمة أو مؤقتة، فإن وافقت الفطرة وأقنعت العقل حينها نضمن أنها ستكون أساسا لنهضة حقيقية ودائمة.

إن العقل دائما يبحث عن سبب وجوده ومن أين أتى وإلى أين يذهب، وهو السؤال الفطري الحقيقي الذي حير المفكرين والفلاسفة على مدى العصور، وتكلموا فيه كثيرا ووضعوا لذلك نظريات وتصورات لكيفية بدء الخليقة جلها ليس على أساس عقلي بل هي افتراضات توهّم العقل حدوثها وأشبعت لدى البعض جانبا لم يستطيعوا إشباعه بعقولهم القاصرة، واستطاعوا النهوض من خلال التمسك بتلك الأفكار. فرغم فسادها إلا أنها أجابت عن الأسئلة التي حيرت العقل ولو كانت بإجابات خاطئة ولم تقنع العقل وإن قبلها على مضض، ولهذا صارت تفسيراتها لمفاهيم الإنسان وحاجاته تفسيرات خاطئة ولم تفرق بين حاجاته وغرائزه ولا ميوله ورغباته، وبالتالي لم تضع تصورا لما هو واجب الإشباع أولا، ولا ما هو ترتيب سلم الأولويات في الإشباع لدى الإنسان ولا متى وكيف يشبع. حتى تفسير مفهوم السعادة ارتبط بفساد الفكرة فصارت السعادة هي تحصيل القدر الأكبر من المتع الجسدية! نعم هذا ما ينتجه العقل القاصر العاجز عندما تفسد طريقة تفكيره ويظن نفسه غير محتاج لخالق مدبر وأنه يستطيع بعقله هذا تدبير شؤون نفسه في هذه الحياة، هكذا يفكر الإنسان الرأسمالي وهكذا يعيش؛ نفعي منغمس في الملذات لا يقيم وزنا لقيم ولا لمقاييس وليست لديه قناعات إلا بكيفية تحقيق القيمة المادية فقط. بينما نجد أن التفكير السليم على أساس عقلي يهدي صاحبه إلى وجود الله عز وجل وأن هذا الكون مخلوق لخالق عظيم هو الله تعالى وأنه متصف بكل صفات الكمال سبحانه. وهنا عندما نقول على أساس عقلي أي أن صاحبه قد اهتدى لوجود الله على أساس المسلمات العقلية الثابتة التي تقضي بأن أعلى مستوى لإدراك الإنسان لا يخرج عن الكون والإنسان والحياة، فالإنسان لا يدرك ما وراء الكون ولا ما قبل حياته ولا ما بعدها، والكون والإنسان والحياة كلها محدودات؛ ناقصة وعاجزة ومحتاجة وفي مجموعها الذي تكمل فيه بعضها تثبت عجزها وأنها تحتاج لهذا الخالق الذي أوجدها وأوجد النظام الذي وضعت فيه، فسير الشمس والقمر ووضع النجوم وخلق الخلق. ومن تمام قدرته أنه فوق إدراك العقل، فالعقل يعجز عن إدراكه وإن أدرك وجوده بآثاره في مخلوقاته التي تثبت له الوجود والقدرة والعظمة، ولنا في الخليل إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أسوة حسنة؛ فقد قص علينا القرآن الطريقة التي اهتدى بها لوجود الله عز وجل وكونه الخالق المدبر فاطر السماوات والأرض (الآيات). ونقول خالقا مدبرا هنا للزوم الأمرين معا، فالخالق لا بد أن يكون مدبرا لعلاقات الإنسان ولا يجوز ترك تنظيم العلاقات وتدبيرها لعقل الإنسان العاجز الناقص الذي لا يدرك حتى حاجاته هو بشكل شخصي فكيف بحاجات باقي الناس، وكيف بحاجات من لا يعرفهم ومن لم يشهدهم والأجيال التي لن يراها، والعقل يؤكد أن الصانع أولى وأعلم بما صنع، فلو اشترينا جهازا وأصابه عطب سنعود للصانع الذي عادة ما يضع لنا كتيبا ليرشدنا لكيفية التعامل مع الجهاز وكيفية تشغيله وصيانته وكيفية الاستفادة منه على الوجه الأكمل، أليس الأولى أن نعود هنا للخالق ليبين لنا كيف نسير أمورنا وكيف ننظم علاقاتنا الثلاث في هذه الحياة الدنيا؟! قطعا يجب أن نعود إليه وننتظر منه رسالة تبين لنا كيفية تنظيم هذه العلاقات. وقد توالت الرسالات يحملها الرسل بآيات واضحة تبين صدقهم في تبليغ الرسالة عن رب العزة جل وعلا حتى وصلتنا آخر رسالة مع آخر رسول يقول إنه مرسل من عند الله عز وجل. وحتى نصدق الرسول ﷺ يجب أن نبحث في الرسالة وهي القرآن الذي تحدى العرب والعجم وتحدى الإنس والجن أن يأتوا بمثله، وقد أتى بلسان العرب وبلون جديد من كلامهم لم يعرفوه ولم يستطيعوا أن يأتوا بمثله وهم أهل البلاغة والفصاحة واللغة، وقد تحداهم القرآن تحديا معجزا قائما إلى قيام الساعة، ولم يأتوا بسورة من مثله كما طلب منهم القرآن، وعجز العرب عجز لغيرهم من الناس، ونفي كونه من عند العرب نفي لكونه من عند محمد ﷺ وإثبات أنه كلام الله المنزل من عنده سبحانه وإثبات لنبوة محمد ﷺ وإثبات لكل ما جاء فيه من بيان ومن غيب لا يعلمه الإنسان ولا يراه؛ فالجنة حق والنار حق والملائكة والرسل والأمم السابقة التي أخبر عنها القرآن وجعل الأمة شهيدة عليها وعلى تلقيها لرسالات أنبياء الله كلها حق.

وهنا نجد في هذا الكتاب كل الإجابات على كل الأسئلة التي يطرحها العقل آنيا والتي قد يطرحها مستقبلا، بل ومعالجات لكل مشكلات الإنسان بحلول توافق الفطرة وتقنع العقل فتملأ النفس طمأنينة.

هذه الفكرة الكلية بعد كل ما بينته كيف ستؤثر في حياة الإنسان وكيف ستغيرها؟ قطعا ستغيرها تغييرا جذريا شاملا، فالفرق كبير بين من ينكر وجود الخالق أو يدعي أنه لا يدبر شؤون الناس، وبالتالي فلا حساب ولا جزاء فيعكف هو على تدبير شؤونه بنفسه وبعجزه وربما بجشعه وتوحشه، وبين من يدرك أنه مخلوق لله عز وجل وأنه يجب أن يسير في حياته وفق أوامر الله ونواهيه وأن هناك بعثا وحسابا وجزاء، وأنه محاسب على أفعاله في هذه الحياة الدنيا، فكيف ستكون حياته. لقد قيل "من أمن العقوبة أساء الأدب"، وقد رأينا ونرى كيف تفعل الرأسمالية التي هي من نتاج عقول البشر، وكيف تستعبد الناس وتنهب ثرواتهم، وكيف أشعلت حروبا وأبادت شعوبا من أجل الاستحواذ على الثروات وسرقتها من أصحابها.

إن الحاجة ماسة لأن تكون الفكرة الكلية الصحيحة التي أشرنا إليها والتي أساسها عقيدة الإسلام هي أساس النهضة، فبها فقط وفي ظل ما انبثق عنها من أحكام وقوانين ومعالجات يضمن الناس إشباع حاجاتهم وغرائزهم على الوجه الصحيح، وعلى أساسها تقوم الدولة التي تنهض بالناس وترعاهم رعاية حقيقية لا غاية من ورائها إلا رضا الله عز وجل، وهي الدولة نفسها التي أقامها سابقا رسول الله ﷺ في المدينة وأرسى دعائمها حتى بقيت بعده ما يزيد على ثلاثة عشر قرنا من الزمان أزالت دولاً من الوجود وأوجدت عدلا ونهضة لا زالت آثارها باقية شاهدة رغم غيابها لما يزيد عن 100 عام، هذه هي النهضة التي نريد والتي نطمح لها؛ نهضة أساسها وأساس دولتها عقيدة الإسلام التي توافق فطرة الناس التي فطرهم الله عليها والتي تضمن لهم حقوقهم وكرامتهم ولا تفرق بينهم مسلمين وغير مسلمين.

ونحن نعلم يقينا أنها ستكون يوما وقريبا إن شاء الله، فيا بشرى من عمل لها وشهد قيامها، فلن يستوي العاملون لها مع المصفقين لها عند قيامها، نسأل الله أن نكون من جنودها وأهلها وشهودها.

﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر