النصر بين الإيمان بالله وقانون السببية
October 22, 2024

النصر بين الإيمان بالله وقانون السببية

النصر بين الإيمان بالله وقانون السببية

انتظمت الدنيا بأسباب ومسببات، فما من مسبَّب إلا وله سبب، وإذا حصل أن نتج مسبب بغير سبب فإنّ ذلك لا يكون إلا على سبيل المعجزة، فالنار تحرق على كلّ حالٍ فكانت سبباً للحرق، والسكين تقطع فكانت سبباً للقطع، وقل مثل ذلك في الماء، وإذا فقد أي من هذه الأشياء خاصيته، في الحرق أو القطع أو الإغراق، كما حصل مع إبراهيم وبني إسرائيل، فإنّ ذلك لا يكون إلا لمعجزة، وهي لا تكون إلا لإثبات نبوة أو شيء بمعناها، المهم أنّ سلب السبب سببيته لا يكون إلا على خلاف الأصل، وقل مثل ذلك في كل سبب، فلا يصح أن يقال قد يجلس المرء أو يقف على الماء في البحر ولا يغرق، ثم يقول بقدرة الله سبحانه، لأنّ الله سبحانه لم يرد أن تكون قدرته خرقاً للسببية، وإلا فإنّ الدنيا ستسير على غير هدي وعلى غير انتظام.

والأسباب سواء أكانت كونية أو عقلية أو شرعية، لا بد أن ينتج عنها مسببها حتماً، وإذا تخلف المسبب عن سببه فإنّ ذلك لا يكون إلا لأحد أمرين:

الأول: وهو أن يحصل ذلك على سبيل المعجزة كما حصل مع إبراهيم عليه السلام لمّا سُلبت النار خاصية الإحراق، وبدلاً من أن تصبح مادة للتعذيب أصبحت برداً وسلاماً، وكما حصل مع موسى لمّا ضرب الله له طريقاً يبساً داخل البحر فعطّل سببية البحر ثم أغرق فرعون، ولمّا لحق بموسى ظناً منه أنّ البحر قد فقد خاصيته في الإغراق، فأعاد الله خاصية البحر له لمّا قضى موسى وقومه منه حاجتهم. فنزع الخاصية أو تعطيل الأسباب لا يكون إلا لمعجزة.

الأمر الثاني: وهو كون الأسباب التي ظنت أسباباً هي ليست كذلك، كمن أراد علاج السرطان مثلاً بمسكنات، أو أراد نقل صخرة عظيمة من مكان لآخر بقوته المتواضعة، ففي هاتين الحالتين فقط فإنّ المسبب لا يكون.

ففي الحالة الأولى والتي حصلت على سبيل الإعجاز، نزع الله الأسباب فيها، أي عطل قانون السببية، وفي الحالة الثانية لم يكن السبب سبباً، حتى ينتج عنه المسبب، أمّا في غير هاتين الحالتين فإنّ السببية وقانونها سارية في كل شيء في الكونيات والعقليات والشرعيات.

وحتى لا يطول بنا الحديث في المقدمات، وليس همّنا هنا أن نتحدث في الأسباب العقلية أو غيرها، وإنّما نريد الحديث في الأسباب الشرعية، وهل ينطبق عليها ما جاء في الأسباب العقلية، أي أنّ مسببها ينتج عنها حتماً، فنقول:

إنّ الشارع سبحانه وتعالى قد طلب من المكلفين أعمالاً وأفعالاً جعلها أسباباً أو شروطاً ليتحقق بها المسبب أو المشروط، وجعل هذه الأسباب والشروط أحكاماً شرعية، لا تتحقق الأحكام الشرعية في الواقع ولا توجد إلا بوجودها، فجعل دلوك الشمس سبباً في وجود صلاة الظهر ووجوبها على المكلف، مع تحقق الشروط وانتفاء الموانع، وجعل امتلاك النصاب في الزكاة سبباً لوجوبها في عنق المكلف، وجعل حولان الحول شرطاً والدين مانعاً وهكذا، وما من حكم شرعي إلا وله حكم شرعي آخر، والذي اصطلح على تسميته أحكام الوضع، وما نقوله في الصلاة والزكاة نقوله في الحج والجهاد والنصر.

وحتى لا يبقى الحديث في عموميات، فإنّنا سنحصر حديثنا في بحث موضوع النصر، وهل يصح أن يقال إنّ للنصر أسباباً وشروطاً لا يتحقق إلا بها، وبالتالي فإنّ المكلف يقوم بها وهو يعلم أنّ المسبب سينتج منها وعنها حتماً، أم أنّ المكلف يقوم بالأعمال والأفعال التي طلبها الشارع دون النظر كونها أسباباً أم لا، بمعنى هل للمكلف مثلاً أن يتوسل بحفظ القرآن أو قيام الليل أو الجهاد وكلها مطلوبة شرعاً ويجعلها سبيلاً للنصر؟ بمعنى أوضح هل أعطاه الشارع الحرية في اختيار الأعمال والأفعال ينصبها سبباً أو طريقاً للنصر؟ وإذا كان الأمر غير ذلك، فهل هناك أعمال طلبها الشارع على وجه سببي لتكون طريقاً لحصول المسبب، وهو النصر؟ وهل يتعارض ذلك - أي جعل جمل من الأعمال سبباً للنصر - مع قوله سبحانه: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللهِ﴾؟

قلنا إنّ السببية أصل منذ خلق الله الدنيا ومَن عليها، فهي لا بد منها حتى ينتظم سير البشر على هذه الأرض، وليس في ذلك إلزام للخالق فعل شيء ولا مانع، إذن أن يربط الله النصر بأقوال وأفعال يتحقق النصر بها على وجه السببية، ما دام أنّه سبحانه لم يعط وعداً أو عهداً بوقت النصر وميعاده.

وهذا الضرب من الأفعال كثيرة أمثلته، فمثلاً طلب الله الزواج ليكون سبباً في الإنجاب، وبالتالي فإنّ الزوجين يقومان بالزواج سبباً في الإنجاب، مع علمنا أنّ الله وحده هو الذي يهب لمَن يشاء الذكور والإناث ويجعل مَن يشاء عقيماً، وأيضاً فإنّ الله سبحانه في أحكام شرعية كثيرة علل أفعاله بعلل شرعية، بمعنى أنّه أطلع المكلف على باعثه على تشريع الفعل، وليس في ذلك انتقاص من ألوهيته أو التعرض لشيء من صفاته، ولا يتعارض ذلك مع قوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾.

إذن فإنّ كون الخالق سبحانه يربط النصر بأعمال وأفعال على وجه سببي لا يخالف قوله: ﴿ومَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِندِ اللهِ﴾، فإنّ الآية في موضعيها في آل عمران والأنفال تتحدث في إمداد المؤمنين بالملائكة في بدر، وأنّ الله لم يجعل هذا الإمداد إلا بشرى، فليست الملائكة سبباً في النصر، وإنّما النصر من الله وحده، وفي هذا عناية بالناحية الإيمانية عند المؤمن، وهذا لا يتعارض مع الأعمال والأقوال التي طلب الشارع من المكلف القيام بها على وجه سببي.

قلنا إنّ الشارع قد خلق الدنيا وضبط سيرها وسيّر مَن فيها من المخلوقات على وجه سببي، ولم تكن حركة الإنسان ببدع من هذا السير، بل إنّه سيّر حياته بأسباب لا تتحقق المسببات إلا بها، فإن حصل خرق لهذه القاعدة فإنّه يكون على خلاف الأصل كما ذكرنا في النقطتين، فالأسباب لا بد أن تنتج عنها مسبباتها، والمسببات لا تنتج إلا عن أسبابها.

وفي حالة النصر التي نحن بصدد توضيحها فإنّها من قبيل الأسباب والمسببات، مع استحضار الناحية الإيمانية أنّ النصر من عند الله وحده، بموعد وميقات محدد، وليست الأسباب بموجبة على الله النصر بوقت وميعاد. وبذلك يكون الجمع بين الناحية الإيمانية العقدية وبين التلبس بالأعمال التي لا يتأتى النصر إلا بها.

يقول الشيخ تقي الدين النبهاني رحمه الله: "صحيح أنّ الله هو الفعال لما يريد، الخالق لكل شيء، ولكنّ الله جعل لهذا الكون نواميس يسير عليها، وجعل للأشياء قوانين تتشكل بحسبها وتتحول أو تبقى وفق هذه القوانين، وهو وإن كان قادراً على خرق هذه النواميس وتلك القوانين، ولكنّه لا يخرقها إلا لنبي، ولا ينقضها إلا لرسول، فالإيمان بأنّ الله قادر على نصر المؤمنين على الكافرين لا يعني أنّه سينصر المؤمنين وهم لا يأخذون بأسباب النصر، لأنّ النصر بدون الأخذ بأسبابه مستحيل، وقدرة الله لا تتعلق بالمستحيل، فكون الله قادر على الشيء لا يعني أنّ الفرد أو الجماعة أو الأمة قادرة عليه، فقدرة الله هي صفة خاصة به، وقدرة العبد خاصة به، ولا علاقة لها بقدرة الله، فالخلط بين قدرة الله والإيمان بها وقدرة العبد وقيامه بما أمر الله هو الذي يحمل على القعود، وهو الذي يخدر الأمم والشعوب، وإنّ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ﴾".

قد يحصل أن يكون السبب مكوناً من أوصاف عدة لا يتحقق المسبب إلا بها مجتمعة، وإن لم تكن أمثلة ذلك في الفقه كثيرة، فمثلاً يقول الفقهاء: إنّ القود لا يكون إلا في القتل العمد العدوان، فلا يكون في القتل وحده، وإنّما يجب أن تجتمع هذه الصفات الثلاث، بمعنى أنّ هذه الصفات كلها هي التي تسمى سبباً، وإذا انفصل أحدها عن الآخر لا يقاد القاتل بمن قتله، فقد يكون القتل عمداً ولكن من غير عدوان؛ مثل قتل الخليفة رجلاً قصاصاً، فهذا القتل عمداً لكنّه ليس عدواناً، فلا يترتب عليه حكم.

أما في حالتنا - أي في حزب التحرير - فإنّ الحزب قد عمل منذ تأسيسه على تحقيق كل الأعمال والأفعال التي يتحقق بها النصر، وهي باجتماعها تصح تسميتها سبباً، فالتثقيف المركز والجماعي، وكشف الخطط، وتبني المصالح، وطلب النصرة، كل هذه مجتمعة هي سبب في النصر أو هي أوصاف إذا اجتمعت مع إحسان العمل بها كما أحسنها عليه الصلاة والسلام فإنّه ينتج عنها مسببها حتماً، مع استحضار الناحية الإيمانية بأنّ النصر من عند الله بوقته وميعاده، وليس تقديم الأسباب يوجب على الخالق فعل شيء.

بقيت مسألة أخيرة وهي قراءتنا لقوله سبحانه: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ في ضوء ما نريد إثباته وتوضيحه، فعلماء الأصول يقولون:

إنّ الشروط اللغوية هي على الحقيقة أسباب شرعية، بمعنى أنّ الله سبحانه قد طلب من الأعمال والأفعال الشرعية ما يصح تسميته سبباً، ولا يتحقق المسبب أي النصر إلا به، ونصرة الله على الحقيقة تكون بنصرة دينه أو شريعته كما قال ابن عباس وغيره، ويصبح المعنى أو التقدير إن تنصروا دين الله أو شريعته ينصركم، وهذا النصر لدينه وشريعته لا يتحقق كيفما اتفق، بل إنّه عليه الصلاة والسلام قد قام بأعمال خاصة هي سبب للنصر، من تثقيف وتفاعل وطلب للنصرة وغير ذلك.

فلا يصح أن يتوسل للنصر بأسباب انتقائية يختارها المكلف وفق هواه، ولا يصح خلط الناحية الإيمانية من أنّه سبحانه هو واهب النصر، وهو الذي بيده أن ينصر المسلمين، وبين ما هو مطلوب من الفرد أو الجماعة القيام به، فالله سبحانه لن ينزل ملائكة لتقيم الخلافة أو تحرر البلاد والعباد، وإن كان قادراً على ذلك، ولكنّه أجرى قانون السبية فانتظمت به الدنيا، ولن يخرقه، لا لحزب التحرير، ولا لغيره، ولسنا في زمن المعجزات والخوارق.

نسأل الله بمنّه وكرمه وفضله أن ينصر الأمّة بِنا، وأن يجعلنا سبباً في عزّها ومجدها، وأن يأخذ بيدنا إن نحن قصرنا، ويجعل لنا من أمرنا رشداً.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

خالد الأشقر (أبو المعتز بالله)

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر