النظام اﻷردني بين كذب السياسة وسياسة الكذب
January 07, 2018

النظام اﻷردني بين كذب السياسة وسياسة الكذب

النظام اﻷردني بين كذب السياسة وسياسة الكذب

كذب السياسة: أن يدعي النظام في اﻷردن أنه صاحب الرعاية والوﻻية على اﻷقصى المحتل اﻷسير، خصوصا بعد إعلان ترامب نقل السفارة اﻷمريكية إلى شرقي القدس، حيث وظف النظام كل طاقاته لحشد الناس للخروج في مظاهرات نصرة للمقدسات التي يرعاها عن بعد بلا رعاية ولا شأن له بحمايتها، فتأتي استجابة الشارع مخيبة ﻵماله في إشارة واضحة من الناس للنظام أن كفاكم لعبا وكذبا على مشاعر المسلمين وآمالهم، فأنتم ﻻ شأن لكم ﻻ برعاية المقدسات وﻻ بحمايتها، ثم تتعالى اﻷصوات في صالونات النظام السياسية للدعوة إلى إصباغ لقب خادم أولى القبلتين على ملك اﻷردن! تكريسا لمفهوم الولاية والرعاية المزعومة، في تنافس محموم بين نظام اﻷردن وتركيا والسعودية على شرف لن يناله أي منهم، ﻷن شرف الرعاية والوﻻية لن يكون إﻻ للنظام الذي يحمي المقدسات وأرضها وأهلها ابتداء ويحررها من رجس الاحتلال البغيض، وليس للأنظمة التي تتسابق على الارتماء في أحضان الكافر المستعمر لتقوم بحماية كيان يهود المسخ من أن يناله من المسلمين أي أذى ليستمر جاثما على صدور أهلنا ومقدساتنا، فأي كذب فاضخ مفضوح هذا؟! أﻻ تستحون؟!

سياسة الكذب: اكتشف المسلمون في اﻷردن حجم الكذب والتضليل والخداع الذي يمارسه النظام على الناس فيما يخص الأحداث التي رافقت إعلان الرئيس اﻷمريكي نقل سفارته إلى (القدس الشرقية)، فمن جهة يقوم النظام بحشد الناس لتسيير المسيرات ضد قرار ترامب ليظهر اعتراضه عليه، للضغط ربما باتجاه تغيير الموقف اﻷمريكي، ومن جهة ﻻ يقوى النظام اﻷردني على تحمل استمرار المظاهرات والوقفات التي تناديه بضرورة تحمل مسؤولياته نحو حماية المقدسات ورعايتها بتحريك جيوش اﻷمة لنصرة فلسطين واﻷقصى واستئصال كيان يهود.

ترى لماذا منع النظام اﻷردني تلك الوقفات والمسيرات التي أعلن عنها حزب التحرير مسبقا أمام المساجد المختلفة في أكثر من مدينة أردنية؟! أليس هو من حشد وجيش الناس للخروج في مسيرات ومظاهرات قبل أيام؟! فما الفرق يا ترى بين مظاهرات يقبلها ويعمل لها وبين مسيرات ووقفات حزب التحرير فيرفضها ويمنعها؟! مع أن الكل يرفع شعارات لنصرة اﻷقصى؟! فما الفرق أن يهتف المسلم بقوله "بالروح بالدم نفديك يا أقصى"، وبين أن يهتف المسلم التحريري مستنصرا جيوش اﻷمة للتحرك نحو نصرة فلسطين، على غرار "وين جيوش اﻷمة وين" أو "اﻷمة تريد تحريك الجيوش"؟! ما الفرق بين أن يهتف المسلم التائه الحائر المحب لفلسطين واﻷقصى بحبه لتحرير اﻷقصى وطرد يهود، وبين أن يهتف المسلم التحريري واضعا إصبعه على الجرح وعلى زناد الحل، فيطالب المسلمين أن يدركوا أن فلسطين لم يحتلها الصهاينة إﻻ بسبب تخاذل حكام الأنظمة العربية فهي أنظمة شريكة في مساعدة المحتل وليست أنظمة تعمل لصالح تحرير أرضنا وأمتنا؟! والدليل على ذلك أنه مهما جرى لفلسطين والمسلمين فيها فإن ذلك لم يحرك في هذه اﻷنظمة شعرة عز وكرامة أو إحساس بكرامة أمة مهدورة، ولا أدل على ذلك مما جرى ويجري مرارا لغزة أو للأقصى.

أيها المسلمون:

 من منا ﻻ يعلم أن فلسطين محتلة، وأن اﻷقصى أسير بيد كيان يهود؟! ﻻ بل من منكم يصدق أن تحرير فلسطين واﻷقصى يحصل بالمسيرات والمظاهرات؟! فما هو دور الجيوش إذا لم تكن لتحرير أرضنا ومقدساتنا المحتلة إذن؟!

وإذا كان ﻻ بد من التعبير عن حالة الغضب التي تجتاح كيان اﻷمة فإن الواجب يملي علينا مطالبة من بيدهم القرار من حكام بلادنا، ومن بيدهم السلاح والقوة من أبناء أمتنا بضرورة تحمل مسؤولياتهم حيال ذلك أو إخلاء الساحة أمام المخلصين من أبناء اﻷمة ﻹنجاز وعد الله بتحرير أهلنا وأرضنا ومقدساتنا من تلك الشرذمة المسخ التي عاثت في أرضنا فسادا.

أيها المسلمون:

إن أفراد اﻷمن والجيش وضباطه وقادته هم أبناؤكم وإخوانكم يسرُّهم ما يسركم، لكن إرادتهم محتلة مأسورة كفلسطين واﻷقصى، مأسورون لحاجاتهم ومصالحهم التي ارتبطت بشكل أو بآخر بوظيفة هذه اﻷنظمة، إﻻ أن هذا اﻷسْر لن يطول، فكأني بنفوسهم تتوق إلى عسكرية عز وكرامة يسطرون من خلالها ملاحم البطولة والفداء والتضحية في سبيل رضوان الله، فأجملوا لهم بالطلب والحجة وردوهم إلى إسلامهم وقرآنهم وسالف مجد أمتهم ورجالها، لعل الله يخرج لنا من بينهم من ينصر دينه وأمته وما ذلك على الله بعزيز.

ولهؤﻻء الرجال نقول:

نعلم أن فيكم الرجال والرجولة واﻷبطال وصانعي البطولة، ونعلم أن المهمة ليست سهلة، لكننا نعلم أيضا أنكم أحفاد رجال اليرموك والكرامة، فلا تهنوا وﻻ تحزنوا، فبإسلامكم أنتم اﻷعلى واﻷجدر بنصر الله، فمن يغلبكم إذا نصركم الله؟! فاطرحوا عنكم الخوف إﻻ من الله وﻻ تطلبوا العزة والمجد إﻻ في جنبه، فوالله إنه ليحزننا أن تظلوا على هامش الدنيا تأتون إلى الدنيا وتخرجون منها أعدادا ورتبا عسكرية بلا سيرة مشرفة يذكرها أو يخلدها تاريخ!!

وأخيراً فهذه رسالة إلى أفراد وضباط اﻷمن العام، ألستم أنتم الذين رافقتم وقفاتنا ومسيراتنا في الجُمَع السابقة من بدايتها إلى نهايتها؟! فما الذي جرى حتى تشاركوا بمنع وقفات المسلمين أمام المساجد، هل تم تحرير فلسطين واﻷقصى؟! أم هل تحركت الجيوش لنصرتها؟! اسألوا أصحاب القرار لماذا سمحوا هناك ومنعوا هنا؟! أي لعب وكذب سياسي هذا الذي يمارسونه وعلى من؟! علينا أم عليكم؟! أم علينا جميعا؟!

أيها اﻹخوة أفراد وضباط اﻷمن، يا من شاركتم في جمعة المنع! لقد أدينا صلاة الجمعة وإياكم سويا وجنبا إلى جنب، ونحن نعلم أنكم جئتم لتنفيذ أمرٍ للنظام ليدوس بنعالكم حرمات الإسلام والمسلمين، فما الذي صنعتم بمنعكم المسلمين من أن يهتفوا لنصرة فلسطين واﻷقصى ويكبروا؟! بالله عليكم هل شعرتم بالنصر علينا أم بالنصر لهم، يضربون اﻷمة بأبنائها "أنتم" نعم "أنتم"، وهم في حصونهم وقصورهم يحتسون كؤوس نصر الذليل على العزيز، فلصالح من يتم ذلك؟ فكّروا معنا، ﻻ بل إننا نناشدكم الله أأزعجكم أنتم تكبيرنا أم أزعجكم شعاراتنا عندما نقول إن القدس لنا وأننا نطالب جيوشنا بالتحرك لنصرتها، أصحيح أنكم تريدون إسكاتنا ليهنأ اليهود في أرضنا المقدسة، بل ماذا ستقولون لربكم عن سبب اعتقالكم لنا؟! هل اعتقلتم مجرمين أو سارقين وقطاع طرق أم ماذا؟! ﻻ تقولوا لنا إنكم عبيد مأمورون فهذا ما لا ترضاه لكم أمهاتكم وآباؤكم ولا زوجاتكم وأوﻻدكم، فنحن نريد لكم أن تكونوا أسيادا على أرضكم وفي قراركم، فلا يختطفنكم أحد إلى حيث ﻻ مصلحة لكم وﻻ ﻷهلكم وﻻ ﻷمتكم، عندها فقط ستجدون أن حناجرنا ستصدح سويا كما في صلاة العيد في كل مناسبة من مناسبات أمتنا، وﻻ يفوتنا أن نحذركم من أن تظلوا مجرد أتباع ﻻ رأي لكم وﻻ قرار، فإن حياة آخرها موت ثم جنة أو نار، لجدير بمن يعيشها أن يتفحص أين يضع قدميه وفي أي اتجاه يخطو، فاحذروا قول الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾.

اللهم إننا نتحرك باستمرار باتجاه استنصار إخوان لنا في الدين والدم ليقوموا بواجبهم الذي تدربوا وحملوا السلاح من أجله، اللهم فإننا نرى بعضهم ﻻ يستأسد إلا علينا ونحن نذكرهم بواجبهم ويذرون الظالمين غارقين في فجورهم وغيهم طمعا ربما في فتات راتب أو رتبة، اللهم يا من تحول بين المرء وقلبه أيقظ في نفوس إخوتنا من الجند والضباط واﻷمن والدرك إحساسهم بواجبهم حيال دينهم وأمتهم وبلادهم، ليأخذوا على يد الظالمين واجعل منهم قادة لعز اﻹسلام ومجده... اللهم إنا بلغنا اللهم فاشهد

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الرؤوف بني عطا "أبو حذيفة"

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر