النظام الأردني يحاول أن يبرر خيانته
May 06, 2024

النظام الأردني يحاول أن يبرر خيانته

النظام الأردني يحاول أن يبرر خيانته

أدلى وزير خارجية النظام الأردني أيمن الصفدي عبر التلفزيون الأردني الرسمي يوم 2024/4/27 بتصريحات يبرر فيها خيانة النظام بإصراره على الالتزام بالاتفاقية التي وقعها مع كيان يهود وادّعى كذبا وزورا أنها تخدم الشعبين الأردني والفلسطيني وأنها أعطته الحق في حماية المقدسات وأعادت له أرضا وعرّفت حدوده، وبالغ في كذبه قائلا "لو اعتقدنا للحظة أن إلغاء اتفاقية السلام سيسهم في خدمة الشعب الفلسطيني أو سيحمي الأردن أو سيساعده على القيام بدوره لما ترددنا".

أولا: حاول وزير الخارجية تبرير ارتكاب النظام الأردني خيانة الاعتراف بكيان يهود والتطبيع معه في اتفاقية وادي عربة التي وقعها الهالك الملك حسين برعاية أمريكية مع كيان يهود يوم 1994/10/26 بقوله "في سياق عربي جماعي من أجل تحقيق سلام عادل وشامل". فهل السياق العربي الجماعي، ويقصد فيه استعداد حكام العرب لارتكاب الخيانة، هل هذا السياق مبرر لارتكاب الخيانة بالاعتراف بكيان يهود واغتصابه لنحو 80% من فلسطين ومن ثم التطبيع معه وإقامة العلاقات التجارية لتقوية الكيان ومدّه بأسباب البقاء؟!

لقد ارتكب حاكم مصر أنور السادات الخيانة العظمى عام 1979 بتوقيع اتفاقية السلام في كامب ديفيد مع كيان يهود برعاية أمريكية. فكل العرب والمسلمون حينها اتهموه بارتكابه الخيانة العظمى، حتى الأنظمة العربية خشيت الرأي العام ونأت بنفسها عن هذه الخيانة نفاقا وجمدت عضوية مصر في الجامعة العربية ونقلت مركزها من القاهرة إلى تونس مداراة للرأي العام. ومن ثم نال الخائن السادات جزاءه على يد أهل مصر الغيورين بسبب ارتكابه هذه الخيانة وبسبب قيامه باضطهاد الجماعات والأحزاب الإسلامية حيث زج بالآلاف من المنتسبين لها في السجون، وكان شعار المسلم الغيور الذي نفذ حكم الشعب المصري وحكم الأمة الإسلامية فيه: "إما الخلافة وإما الموت". وساق الأسباب التي دعته لمعاقبة الرئيس الذي لا يحق له أن يطبق الكفر ويرتكب الخيانات ويضطهد الناس، فليس هو فوق القانون الشرعي.

وبعد هذه الحال خنس النظام الأردني وغيره من الأنظمة من الاقتداء بالنظام المصري للقيام بجريمة الاعتراف بكيان يهود، ولولا هذه الحادثة لهرول الجميع للتطبيع وارتكاب الخيانة، إلى أن ارتكبت منظمة التحرير الفلسطينية بزعيمها ياسر عرفات هذه الجريمة فأشار إليها الوزير الأردني قائلا: "وإن الأردن وقع الاتفاقية بعد أن وقع أشقاؤنا في السلطة الوطنية الفلسطينية اتفاقية أوسلو (1993)". أي أراد أن يبرر ارتكاب الخيانة بإيجاد سند قانوني وسياسي بأن من يمثل أهل فلسطين قد ارتكب هذه الخيانة قبل النظام الأردني! وهذا لا يعطيه الحق من جهة أن منظمة التحرير الفلسطينية والقائمين عليها لا يمثلون أهل فلسطين بأية صورة من الصور، فالذي أعطاها هذه الشرعية مؤسسات جائرة من الجامعة العربية إلى منظمة المؤتمر الإسلامي إلى الأمم المتحدة. فاعترفوا بأن هذه المنظمة هي "الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني" لتقوم بارتكاب هذه الخيانة العظمى ويكون ذلك مبررا للنظام الأردني ولغيره من الأنظمة بارتكابها، وليقولوا إذا كان من يمثل الشعب الفلسطيني اعترف بكيان يهود وطبع معه فهل ذلك محرم علينا وهل سنكون ملكيين أكثر من الملك؟! علما أن الشعب الفلسطيني كله رافض لهذه الخيانة ولا يقبل بها.

وثانيا: إن فلسطين ليست ملكا للشعب الفلسطيني وحده، بل هي ملك للأمة الإسلامية كلها، وهذه الأمة كلها ترفض هذه الخيانة، ولهذا فإن خليفتهم عبد الحميد الثاني رحمه الله قالها ولم يسمح له دينه أن يقدم عليها وهو الذي كان يعتبر الممثل الشرعي والوحيد للأمة الإسلامية وكانت ظروف الدولة من أسوأ ما يكون وقدم اليهود له كل الإغراءات المالية وكان في أمس الحاجة إليها ولكنه رفض وقال مقالته الشهيرة "فلسطين ملك للأمة الإسلامية لا يحق لأحد أن يفرط بشبر منها". وهذه الأمة تؤمن بالله وبدينه الحق فلا تحل إلا ما أحل الله، فتأتمر بأمره وتنتهي عن نهيه. وأوجب عليها أن تقاتل من لا يحرم ما حرم الله ورسوله. فلم يحل الإسلام قطعا الاعتراف بمغتصب الأرض ولو كان شبرا واحدا، وأوجب قتاله حتى يرد ما اغتصب ويعاقب على جريمته. فكيف إن كان هذا المغتصب عدوا مارقا أتى به المستعمرون الصليبيون الجدد من أصقاع الأرض ليكون أداتهم في المنطقة يحاربون بهؤلاء اليهود المغتصبين أمة الإسلام؟! وقد أخرجوا أهل الأرض الشرعيين منها أو كثيرا منهم ويعتدون عليهم يوميا ويرتكبون المجازر ويعملون على تهجيرهم، وغزة شاهد على ذلك. فأوجب الله قطع كل علاقة معهم وأوجب قتالهم بآيات محكمات مؤكدات أن يقاتلهم المسلمون حيث ثقفوهم ويخرجوهم من حيث أخرجوهم.

وثالثا: إن الوزير يبرر الخيانة والإصرار عليها بمبرر آخر قائلا: "منذ ذلك والأردن يوظف هذه الاتفاقية لخدمة الشعب الفلسطيني الشقيق ولحماية مصالحنا". فما هي هذه الخدمات يا سيادة الوزير؟! فمن أجاز لك الكذب! فمنذ هذه الاتفاقية واضطهاد يهود يزداد لأهل فلسطين، ويقضمون أراضيهم ويصادرونها، كما يصادرون بيوتهم أو يهدمونها، وقد تضاعف عدد المستوطنين والمستوطنات أضعافا مضاعفة في الضفة الغربية ووصلت إلى حدود الأردن حيث صادر مؤخرا، يوم 2024/3/21 نحو 8 آلاف دونم من الأراضي في غور الأردن، فهو يزحف نحو الأردن. وما هي المصالح التي حققها الأردن؟! فهل شراؤه الغاز والماء من كيان يهود هي المصالح التي تقصدها؟ علما أن هذا الغاز وهذه المياه هي ملك للأردن ولفلسطين وللمسلمين وليس لليهود أي حق فيها، فقد سيطروا عليها بالقوة غصبا من أهلها ومن ثم بدأوا يبيعونها لأهلها في فلسطين والأردن! بل إن النظام الأردني يحقق مصالح يهود ويمول كيان يهود باحتياجاته من الخضار والفاكهة أثناء تجويعه لأهل غزة، وهو طريق للإمدادات التي تأتي من الإمارات حيث حكامها قرناء لحكام الأردن وهم جميعا أولياء لليهود.

ورابعا: أشار الوزير إلى أنه سمع الكثير من المطالبات بإلغاء اتفاقية السلام فقال متسائلا: "من المستفيد وماذا سيخدم؟" وقال "إن اتفاقية السلام أعادت لنا أرضا محتلة، وعرفت حدودنا وأتاحت دورا خاصا للأردن في إدارة المقدسات الإسلامية والمسيحية، ولولا هذا الدور لتسللت (إسرائيل) عبر هذا الفراغ من أجل فرض سيادتها وإدارتها على المقدسات". فأي أرض أعادت له؟ فكان ملك الأردن الهالك حسين قد منح اليهود استغلال أراض في شرق الأردن حسب اتفاقية وادي عربة "حق (إسرائيل) التصرف في أراضي الباقورة والغمر لمدة 25 عاما. ويتجدد الحق تلقائيا في حال لم تبلغ الأردن (إسرائيل) برغبتها في استعادة هذه الأراضي قبل عام من انتهاء المدة"، ومن ثم تم انكشاف الأمر فقام الناس واحتجوا على ذلك، فقام الملك الحالي يوم 2018/10/21 وقال: "أبلغنا (إسرائيل) بإنهاء العمل بملحقي الباقورة والغمر في اتفاقية السلام". ألغى العمل بهما حاليا ولكنه لم يقم بإلغاء الملحقين المتعلقين بهذه الأراضي، أي أن الاتفاقية باقية وألغى العمل بها شكليا! فلم تعد الاتفاقية أراضي أردنية، وإنما الملك منحهم هذه الأراضي. وهل اعتراف كيان يهود غير الشرعي بشرق النهر دولة أردنية نصرا وتعريفا لحدود الأردن؟ فأي مغالطة يغالطها هذا الوزير؟! علما أن الملك الهالك حسين ارتكب الخيانة العظمى بتسليمه الضفة الغربية بما فيها القدس لليهود في مسرحية حرب الأيام الستة عام 1967؟ وكل من عاش تلك الفترة في تلك المنطقة شاهد على ذلك، وأنا من الشاهدين. فهل تخلي الملك الهالك حسين لليهود عن الضفة الغربية والاكتفاء بالضفة الشرقية هو تحقيق مصلحة بتعريف حدود الأردن؟!

وما هذه المغالطة بقول الوزير إن هذه الاتفاقية الخيانية "أتاحت دورا خاصا للأردن في إدارة المقدسات الإسلامية والمسيحية"؟ فكانت هذه المقدسات تحت إدارته قبل عام 1967 ومن ثم سلمها لليهود ومن ثم يقول إن اليهود أتاحوا له الفرصة أن يكون للأردن دور بموجب تلك الاتفاقية! فما هذه السخافة والانحطاط؟ شخص يسلم أرضه ومقدساته للعدو ومن ثم يتمنن عليه العدو لأنه يمنحه حق إدارة شكلية على المقدسات! فيرى الوزير قليل العقل أن العدو منحه فرصة كبيرة في إدارة المقدسات وهي تحت حرابه وتدنيسه ويعتبر ذلك نصرا! علما أن هذه الفرصة لم تفد المقدسات ولا أهلها بشيء. فهؤلاء اليهود الذين منحوا هذه الفرصة للأردن حسب ادّعاء الوزير يدنسون المسجد الأقصى يوميا ويعتدون على المصلين! فماذا يعمل نظامه حامي الحمى وصاحب الفرصة في إدارتها تجاه كل هذه الانتهاكات؟! لا شيء سوى بعض التصريحات المنتقدة والخجولة! ويتمادى الوزير في الكذب قائلا "ولولا هذا الدور لتسللت (إسرائيل) عبر هذا الفراغ من أجل فرض سيادتها وإدارتها على المقدسات". وقد فرض اليهود سيادتهم وإدارتهم على المقدسات، وما إدارة النظام الأردني إلا اسمية، بل تبرر ليهود أن يدنسوا المسجد الأقصى لأنه مشارك في إدارته ولا يتحرك لتحريره وتطهيره من رجس اليهود.

وخامسا: زاد الوزير على كذبه كذبا قائلا "لو اعتقدنا للحظة أن إلغاء اتفاقية السلام سيسهم في خدمة الشعب الفلسطيني أو سيحمي الأردن أو سيساعده على القيام بدوره لما ترددنا". فهذه قمة المغالطات والأكاذيب والادعاءات الباطلة! فهل استمرار الاعتراف بكيان يهود والتطبيع معه يخدم الشعب الفلسطيني؟ وهل قلل ذلك من القتل والتهجير والاضطهاد ومصادرة أراضيه أم ضاعفه؟ وبماذا حمى الأردن؟ فهل عدم مهاجمة كيان يهود حاليا للأردن حماية له؟ والواجب على الأردن هو ما يريده أهله، أن يحرك الجيوش لخدمة الشعب الفلسطيني وحماية الأردن ولتحرير فلسطين والمسجد الأقصى وهو قادر على ذلك. والوزير يعلم أن الأردن قادر على ذلك ولكنه خادم كاذب لملكه خادم الإنجليز واليهود فيقلب الحقائق ويظهر أنه عاجز عن القيام بذلك فيقول يوم 2023/4/6 لقناة الجزيرة عن اعتداءات يهود على المسجد الأقصى "الأردن وحده لا يستطيع أن ينهي الاحتلال ولا يستطيع أن يوقف هذه الاعتداءات". وذكر أن كيان يهود "يدفع باتجاه التصعيد وانتهاكا لحرمة الأماكن المقدسة وهو عمل يخرق كل القوانين الدولية ويخرق مسؤولية (إسرائيل) بصفتها القوة القائمة بالاحتلال"! وقوله هذا ينقض كلامه أن اتفاقية وادي عربة منحت دورا للأردن في إدارة الأماكن المقدسة! فيجعل المسؤولية على المحتل، وهو ليس عليه مسؤولية أن يقوم ويوقف هذا المحتل عند حده! وهذا يؤكد أن الوزير كان يكذب وليس صادقا في كل ادعاءاته التي سردها.

وقد ذكر مثل ذلك يوم 2024/4/15 قائلا: "إن هناك متطرفين (إسرائيليين) بينهم وزراء في الحكومة (الإسرائيلية) يريدون إلغاء اتفاقية السلام وهو ما سيعيدنا للمربع الأول وسيعيدنا إلى مسألة الحدود والصراع ويفقدنا القدرة على القيام بدورنا.. سيصبح التركيز على أن الأردن انسحب من اتفاقية السلام بدلا من التركيز على الانتهاكات (الإسرائيلية)". فكأن اتفاقية السلام حق وعدل فلا يريد أن يكون النظام الأردني هو من ينسحب منها فيصبح مذنبا! ويريد أن يتهم المطالبين بإلغاء اتفاقية الخيانة بأنهم مثل المتطرفين اليهود وتصب في مصلحتهم! ويحاول أن يضلل الناس وما يضل إلا نفسه فيقول "يجب التركيز على الانتهاكات (الإسرائيلية)" ونظامه لا يعمل شيئا تجاهها! وهو لا يريد أن يدخل في الصراع مع اليهود وهو الواجب القيام به ومقارعة العدو وقهره وإخراجه من الأرض المباركة. واليهود قد انتهكوا الاتفاقية فلا يجوز الالتزام بها وقد اعترف بذلك عندما صرح يوم 2023/11/14 للتلفزيون الأردني الرسمي قائلا "إن القادم أسوأ، لأننا نتعامل مع حكومات (إسرائيلية) تجاوزت كل الخطوط الحمراء ولم تترك قانونا دوليا إلا وخرقته". فهل بقي بعد ذلك اتفاقية؟ فقد أسقط اليهود الاتفاقية باعتراف الوزير وتجاوزوا كل الخطوط الحمراء وخرقوا كل القوانين الدولية. فلماذا يدافع الوزير ونظامه عن اتفاقية أسقطها الطرف الآخر وهو لا يجوز له أصلا توقيعه لها ولا الالتزام بها؟!

فليتق الوزير ربه وليقل الحق وليتخلّ عن خدمته للملك الموظف لدى الدوائر البريطانية واليهودية والذي أباح أرض الأردن لهم وجعله قواعد أمريكية وغربية، وقد ظهر ذلك في تصديه للصواريخ والمسيرات الإيرانية وإسقاطها لحماية كيان يهود. وقد ظهر أن الأردن لديه القدرات لحماية نفسه ولديه القدرة على تحرير فلسطين وشعبه أظهر استعداده للتضحية وللقتال. وليعلم الوزير أن ملكه الذي لا يخاف الله ويتمادى بالخيانة التي ورثها عن أبيه وجده عبد الله الأول وشريف مكة الحسين بن علي، لن يغني عنه شيئا يوم القيامة وسيحاسب حسابا عسيرا إن لم يتب من قريب ويصلح ما أفسد حتى يقبل الله توبته.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أسعد منصور

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر