June 29, 2014

النظام الإيراني أداة أمريكية لضرب الخلافة المرتقبة


في الثاني والعشرين من الشهر الجاري نشرت وكالة أنباء (فارس) الإيرانية المقربة من الحرس الثوري، خبرا غريبا عجيبا مفاده أن الغرب يدعم حلم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام والمعروف بـ(تنظيم الدولة) بإقامة الخلافة الإسلامية. بالطبع فإن الوكالة لم تقل لنا ما هو موقف النظام الإيراني من الخلافة، والغريب العجيب في الخبر القول بأن الغرب يدعم العمل لقيام دولة الخلافة كتعويض لفشل مشروع (سايكس - بيكو)، الذي رُسم بأقلام منظري السياسة الغربية في أوائل القرن الماضي في أعقاب القضاء على الدولة العثمانية. وهو غريب عجيب لأن من المعلوم سوى عند قاصري النظر أن النظام الإيراني كما غيره من الأنظمة في العالم الإسلامي كنز استراتيجي للغرب يقوم بدور معوق للأمة. فكيف تتخلى اليوم دول الكفر الغربية عن مشروع (سايكس - بيكو)، أي عن المشروع التفتيتي للأمة لصالح الخلافة التي من أهم بديهيات نظامها الوحدة وليس الاتحاد بين أقطار العالم الإسلامي؟!.


طبعا نحن لسنا في حاجة أن تبين لنا وكالة (فارس) موقف الدولة الإيرانية من مشروع الخلافة لأنه معروف ومعلوم والتاريخ شاهد عليه، ولذا فليس مستغربا أن تحاول الدولة الإيرانية تشويه الخلافة وربطها بالغرب باعتبارها هدفا للغرب يسعى إليه ويخطط له. وإنه لمنتهى السذاجة أن يصدق أحد أن الغرب الذي تلقى ضربات مميتة على يد دولة الخلافة التي حاصرته في أوروبا، ولكنها توقفت عند أسوار فينا، ليبدأ الغرب من بعدها مسيرته الجهنمية للقضاء على تلك الدولة، لينجح بمعونة بعض الخونة من الترك والعرب في هدم دولة الخلافة العثمانية سنة 1924م، فإذا بتخرصات وكالة (فارس) تريد أن تلقي في أذهان الأمة أن هذا الغرب نفسه يريد بل ويدعم إعادة الخلافة. وكيف لهذا الكلام أن يمحو من أذهان الأمة ما قاله اللورد كرزون وزير خارجية بريطانيا الذي هُدمت الخـلافة في عهده عندما قال: «لقدْ قضينا على تركيا، التي لنْ تقومَ لها قائمةٌ بعدَ اليومِ... لأننا قضينا على قوتِهَا المتمثلةِ في أمرينِ: الإسلام والخـلافة».


ونحن نستبعد أن تكون وكالة (فارس) تريد تنبيه الأمة من الوقوع في فخ نصبته أمريكا من قبل ووقعت فيه الأمة، يوم دعمت أمريكا الخميني في ثورة أوهمت الأمة حينها أنها ثورة إسلامية، وهي في الحقيقة قد أنتجت نظاما عميلا لأمريكا في إيران فتم تغيير جهة العمالة من بريطانيا لأمريكا. لنتعلم الدرس ولا ننخدع بالمظاهر الكاذبة فنصدق أن أمريكا تدعم المعارضة ضد نظام المجرم بشار.


لقد استطاع النظام الإيراني لعقود مضت أن يخفي عمالته لأمريكا تحت ترداد مقولات الشيطان الأكبر ومحور الشر، وانطلى ذلك على الكثيرين من أبناء الأمة بما فيهم من يعتبر نفسه محللا سياسيا من الطراز الأول. لقد استطاع حزب التحرير من اللحظة الأولى أن يدرك واقع النظام الإيراني وجمهوريته الإسلامية المزعومة، بينما غرق البعض في نشوة النصر للثورة الإيرانية، كشف حزب التحرير بعمق تحليلاته السياسية، ومتابعته الدقيقة للوضع السياسي في المنطقة ونظرته للسياسة الدولية من زاوية خاصة ومن خلال وجهة نظر معينة. فكشف ما يجري تحت الطاولة بينما التهى البعض بتصريحات عنترية جوفاء يكذبها الواقع. وما كان يجري في السابق تحت الطاولة بدأت اليوم تنكشف خيوطه في وضح النهار.


لقد قامت أمريكا (الشيطان الأكبر) بتلزيم إيران (الدولة الثالثة في محور الشر حسب التصنيف الأمريكي)، قامت بتلزيمها العراق ولبنان وسوريا. وبالأخص سوريا التي تدار بشكل مباشر من إيران تسليحا وتمويلا وتدريبا وقتالا، بل نكاد نجزم أن بشار أسد ما هو إلا صورة لا قيمة لها، سوى حفظ الكرسي لحين إيجاد عميل أمريكي آخر. ولا يختلف الأمر كثيرا في العراق الذي احتلته أمريكا لتسلمه لجماعة إيران ليديروا لها مشروعها التفتيتي للعراق الذي ربما وصل إلى نهايته من خلال الضغط بكل ما هو متاح في يد المالكي الطائفي الذي عمل طوال السنوات الماضية على دفع السنة دفعا لرفض العيش في ظل نظامه الخبيث المرضي عنه أمريكيا وإيرانيا حتى الساعة.


لقد بدأت عمالة إيران لأمريكا تتكشف لمن كان على بصره غشاوة، وأصبحت الأمور واضحة، وعلى من لا يزال يراوح مكانه أن يحل هذه المعضلة المتمثلة في الإجابة على السؤال التالي: كيف يمكن التصديق بأن أمريكا تعادي إيران في سوريا بينما هي تطلب منها التدخل لحل المشكلة العراقية؟!، ثم ألم يطلب كيري في زيارة الساعات المعدودة لبيروت في الرابع من يونيو الجاري من حزب الله أن يساعد في حل المشكلة السورية، فكيف يكون من هو جزء من المشكلة أن يكون في نفس الوقت جزءاً من الحل؟ وفي يوم الجمعة 27 يونيو الجاري أوضحت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية ماري هارف أن: "واشنطن ترى أن إيران على النقيض من سوريا"، أي أنها يمكن أن تلعب دورا بناء في استقرار الوضع في العراق إذا اتخذت طهران خطوات في اتجاه تشكيل حكومة شاملة فيه. وكان حميد أبو طالبي النائب السياسي في مكتب الرئيس الإيراني حسن روحاني قد قال: "أن هناك فرصة للتعاون الدبلوماسي بين إيران والولايات المتحدة الأميركية حول التطورات التي يتعرض لها العراق". وكان الرئيس الإيراني حسن روحاني في 14 يونيو الجاري صرح في مؤتمر صحفي: "أنه في حال تدخلت الولايات المتحدة في القتال ضد تنظيم (تنظيم الدولة) في العراق فإن طهران ستفكر في التعاون معها".


والأغرب في التطورات الجارية على صعيد العلاقات الأمريكية الإيرانية استخدام مصطلح (الحرب على الإرهاب) من قبل مرشد الثورة الإيرانية على خامنئي يوم السبت 28 يونيو، حيث اعتبر ما يجري في العراق: "بأنه ليس حربا بين الشيعة والسنة، بل هي حرب بين الإرهابيين ومعارضي الإرهاب". فالإرهاب الذي كانت تصف به أمريكا النظام الإيراني تحول بقدرة قادر إلى إرهاب من نفس النوع يصف به أعلى مرجع إيراني فصيلاً من الأمة ثار على نظام القمع الذي أسسته أمريكا في العراق!.


إذاً ما نفهمه من كلام وكالة (فارس) هو إعلان جهوزية إيرانية للقيام بالدور الذي كانت تعد له منذ تأسيس (الجمهورية الإسلامية) فيها، وهو أن تكون رأس حربة تشهر في وجه مشروع الخلافة الذي يقض مضاجع الغرب وعلى رأسه أمريكا، فالنظام الإيراني الذي هو مشروع غربي استعماري بامتياز، يريد أن يصور للأمة أن مشروع الخلافة الذي احتضنته الأمة ما هو إلا مشروع غربي استعماري، وعلى الأمة أن تحل تلك العقدة الواهية الأطراف الممزقة الحبال، لأنها لا تنطلي على الأمة الإسلامية التي أدركت من هو عدوها الحقيقي ومن هم أدواته في المنطقة. وعلى أصحاب مشروع الخلافة الحقيقي ألا يقعوا في الفخ الأمريكي عندما تقوم الدولة الإسلامية، فينجروا لصراع سني شيعي تريده أمريكا وتسعى له منذ أمد بعيد. وعليهم أن يدركوا أن معركتهم الحقيقية هي مع أمريكا والغرب الكافر المستعمر وربيبتهم دويلة يهود.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
شريف زايد
رئيس المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر