النظام السوري الجديد   إسلامٌ يترخص بالضرورات وموازين القوى.. أم مؤامرات تتكرَّر وفخاخ؟!
September 03, 2025

النظام السوري الجديد إسلامٌ يترخص بالضرورات وموازين القوى.. أم مؤامرات تتكرَّر وفخاخ؟!

النظام السوري الجديد

إسلامٌ يترخص بالضرورات وموازين القوى.. أم مؤامرات تتكرَّر وفخاخ؟!

التقى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في 19 آب 2025 بوفد من كيان يهود في باريس برعاية أمريكية، لبحث عدد من الملفات، منها خفض التصعيد في الجنوب السوري وإعادة تفعيل اتفاق فك الاشتباك لعام 1974. وإثرَ الإعلان عن هذا اللقاء ثارت جدالات بين مناصري الثورة السورية وإسقاطِ بشار ونظامه، وبخاصة الذين يتطلعون إلى التغيير الإسلامي وتطبيق الإسلام ومناصرة قضايا المسلمين في العالم. وكان هؤلاء بين مسوِّغ لهذا اللقاء والتفاوض بذرائع عديدة منها موازين القوى والأوضاع الداخلية لسوريا المنهكة والمدمّرة، وبين رافض لهكذا لقاءات، يعدُّها خيانةً وسيراً في سياسات الخضوع والعمالة، وقضاءً على تطلعات الشعب السوري وطاقاته.

إنها ليست المرة الأولى ولا الثانية ولا العاشرة، وربما الأكثر بكثير، التي ينخدع فيها المسلمون وشعوبهم بأعمال وأوضاع مماثلة؛ يرون فيها إمكانية تحرر من قيود القهر والاستعباد، وتخلصٍ من ظلمٍ يفوق الخيال، ويحلمون فيها بانتصارات وتحقيق تطلعات، ثم تنكشف الأمور عن مؤامرات كانوا فيها ضحيةَ مؤامراتٍ من أعداء وعملاء مدسوسين، اعتادوا على تكرار مكائدهم ونصب فخاخهم، وكانوا في معظم مؤامراتهم ينجحون. وإذا ما تعثروا لسببٍ أو آخر، احتالوا لمؤامرتهم وداروا لها، وزادوا في ظلم الشعوب وقهرها، وشدوا عليها قيود القهر والإذلال. فما السبب أو الأسباب؟ وعلى من تقع المسؤولية؟ وإلى متى يستمر هذا الحال ويظل يتكرر؟

ومن نافلة القول بيان أن السؤال "إلى متى يستمر هذا الحال؟"، هو ليس عن المدة أو الزمن، وإنما عن أسباب الوقوع المتكرر، في فخاخ مؤامرات متشابهة. والجواب المطلوب هو بيان الأوضاع التي تزيل هذه الأسباب.

نعم، إنها خدع ومؤامرات تتكرر كل عام، منذ ما يزيد على مائة عام، بما فيها من قهرٍ وإذلالٍ قاتِلَيْن. ومع ذلك، لا يحصل نبذٌ لتلك الأسباب، ولا توبة عنها، وبالتالي لا اعتبار بمآلاتها الصعبة، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطاًنِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾، ولقوله أيضاً: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَام مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.

إن البحث والجواب المطلوب هنا ليس التعمق في دراسة واقع النظام السوري الجديد ورئيسه وطاقمه فهذا واضح، ولا في تحليل لقاء وزير خارجيته بوزير شؤون كيان يهود، ولا في كون هذا اللقاء يتم برعاية أمريكا. فإذا كانت هذه الأمور الواضحة تحتاج إلى بحث، فهذا يعني أن تضييع البوصلة والسقوط قد بلغا مبلغاً كبيراً. وليس الحديث هنا عن عامة الأمة، وإنما عن المتصدرين للقيام بالتغيير، من أصحاب مناصب الخطابة والتعليم الشرعي، ومواقع التوجيه الحركي والسياسي فيها. فالأمة بعمومها وعوامِّها لا تخطط ولا تغير ولا تقود، ولكنها تنقاد لمن يُفترض أنهم من أهل العلم والعمل والتوجيه القيادي، والناشطين المتصدِّرين للبناء والتغيير.

وإذا كان لا بد من كلمة عن هذا النظام الجديد في سوريا، فليس ثمَّ من يزعم أنه يطبق الإسلام، ولا من يجهل أنه لا يطبق الإسلام، وأنه يقوم على أسس الكفر العلمانية الغربية من حيث دستوره وقوانينه، ومن حيث التزامه مواثيق الأمم المتحدة وقراراتها. وليس ثمَّ من يجهل أن التحركات العسكرية لإسقاط نظام بشار أسد إنما كانت بتخطيط من أمريكا التي رتبت هذا الأمر وتفاصيله مع تركيا وروسيا. ولم يحصل أثناء ذلك وبعده أي موقف سياسي لهذا النظام أو مظهر ذي بال يُحسب للإسلام. بل هناك إمعان في سياسات داخلية تلبي طلبات أمريكا، وفي تجاهل مثير لاعتداءات يهود المتكررة على سوريا، والتي تثير شكوكاً واستفسارات!! فضلاً عن تجاهلٍ تامٍ ومثير للمجازر الرهيبة التي يرتكبها كيان يهود في غزة. فما الذي يسوِّغه المسوِّغون أو يروِّجون له، وهل هناك ذرائع شرعية فعلاً لتجاهلهم مواقف هذا النظام، ولتغاضيهم عن حقيقته، أم أن إسقاط نظام بشار هو فضيلة يحق له بعدها أن يرتكب كل الموبقات، ولو شابهت موبقات سائر أنظمة المنطقة؟ ولماذا هذا الرضا عنه من حكام الخليج كمحمد بن سلمان، ومن أردوغان ناهيك عن ترامب والمبعوث الأمريكي توم براك وغيرهم؟

لذلك، فإنّ هذا الإعلان عن لقاء الشيباني بوفد يهود، وما رافقه وتلاه من تصريحات رسمية عن السير باتجاه التطبيع معه، هو إماطة لثام أخرى عن وجه هذا النظام تكشف توجهاته الخطرة.

إن الذي يحتاج إلى بحث ضروري وتنبيه لازم هو أسباب قيام بعض المهتمين بشؤون الأمة، المتطلعين للتخلص من هيمنة الغرب وظلمه، والمنسوبين إليهم، بالدفاع عن هذا النظام وأركانه، وباستقصاء ذرائع للتغطية على ما ينكشف من سوءاته. فهؤلاء، بعملهم هذا، هم مع الأسف من أسباب ضعف المسلمين، وسيرهم في خطط أعدائهم، سواء بتهييج الصراعات الداخلية، أو السير بحسب مقتضيات سايكس بيكو وتجاهل العديد من قضايا المسلمين. ومع أنهم يرفضون المذهبية وسايكس بيكو والروابط الوطنية، فهم يخوضون فيها عملياً متذرِّعين بصعوبات الواقع وانغلاق السُبُل الموهوم. ويدفعون الناس بذلك لتأييد سياسات وأعمال، يتفاجؤون بعد حين بأنها كبلتهم بمزيد من القيود، وزادتهم رهقاً على رهق، وأحبطتهم بعد آمال عريضة وواعدة.

إن استحلال التغاضي عن منكرات هذا النظام وغيره، بذرائع موازين القوى وضغوط الواقع، وفقه النوازل والضرورات وما إلى ذلك، هو خطأ في الفهم والعمل، وإن كان عن حسن قصد. وهو من أسباب ما هي الأمة فيه من عجزٍ وحبرة، ويؤدي إلى المزيد من ذلك. ولست أدري بماذا تختلف هذه التسويغات، عن فتاوى غيرهم من علماء السلاطين. هل ثَمَّ شيءٌ مختلف سوى بعض المظاهر والنوايا المزعومة والذرائع الموهومة؟!

لذلك، إن سبب ما هي فيه الأمة من فشل متكرر، كالذي شاهدناه بعد الثورات في مصر وتونس وسوريا وغيرها، وسبب خذلان المسلمين الذي سبق أن وجدناه في أفغانستان وبورما وغيرهما، ونجده اليوم بشكلٍ أجلى وأصعب في غزة، وسببَ الترويج للنظام السوري الحالي، وهو لا يختلف عملياً عن النظام التونسي أو المصري سوى بغُلالات مخادعة، هو ليس الأمة التي تحركت وثارت وضحّت، وإنما هو النُخَب المذكورة؛ أي هو مشايخ ودُعاة وعاملون يحسنون النية والقصد، ولكنهم ينخدعون بمكائد الكفار ومؤامراتهم، ويُحسِنون الظن بعملاء ومدسوسين، بسبب مظاهر وأقوال هي بمثابة طُعم على مصيدة، فيرونهم أملاً واعداً بالتغيير المنشود، ويروِّجون لهم، ليسقطوا بعد ذلك في فخاخهم، ويسقط الشعب أو الأمة بهم ومعهم.

نعم، إن نهضة الأمة واهتداءها للجادَّة أو انحطاطها وتيهَها، وصحة مواقفها أو خطأها، واندفاعها أو انكفاءها، وتحركها أو قعودها، يرجع بالدرجة الأولى إلى وجود هذه الأمور عند نُخَبٍها؛ عند علمائها وخطبائها، ومنظِّميها وموجهيها، ومفكريها وسياسييها الذين تثق بهم وتنقاد لهم. وما يوجد في الأمة هو إلى حدٍ كبير مما عند هؤلاء.

ولكن، ما الذي يجعل هؤلاء، من أهل العلم والعمل، والنخب المتطلعة للتغيير الإسلامي بحرص وشوق وإخلاص، ما الذي يجعلهم فريسةً سهلةَ الوقوع في فخاخ المخادعين والمدسوسين، رغم تكرر المخادعات وتشابهها؟

يحتاج الجواب على هذا السؤال إلى دراسة جادة لأجل الوقوف عليها ومعالجتها، وإلى تعاون وحوار ومساهمة تتجاوز حدود هذه المقالة. ولكن مهما تعددت الأسباب، فهي ترجع إلى سبب أساسي، هو افتقار الأمة إلى رجال الدولة. أي إلى رجال يتقنون فهم المقاصد العليا لصيانة المجتمع الإسلامي والأمة الإسلامية، وفهم قضاياها العامة وأولويات هذه القضايا، بحيث يكون النظر السياسي؛ أي التفكير برعاية الشؤون العامة للأمة سجية من سجاياهم، فيقدمون الحلول العملية المنضبطة بالشرع لمشكلاتها، بعيداً عن اليأس أو الإحباط، وعن الذرائع غير الشرعية المنتشرة حالياً بين النخب التي تقدم ذكرها. ورجل الدولة المذكور يجمع بين العلم الشرعي المنضبط والبعيد عن ميوعة فتاوى التسويغ والذرائع النابعة من الميول وليس من العقل الفاهم والشرع الضابط، وبين خبرة فهم الواقع بموضوعية والقدرة على التخطيط لمعالجة المشكلات العامة والخروج من المآزق بأقصر مدة وأقل تكاليف. وبهذا المعيار يمكن القول إنه بناءً على الذرائع الخاطئة التي نعاينها، فإن الأمة الإسلامية تعاني من فقر شديد برجال الدولة، ومن المستبعد أن يقوم لها كيانٌ ويستمر، ما لم ينشأ فيها وينمو حشود من رجال الدولة، فضلاً عن أفراد متميزين منهم هم بُناةُ دولة، وليس فقط رجال دولة.

أما الأسباب التفصيلية لتسويغ الانحرافات واختلاق الذرائع لها، فلعل من أهمها صعوبة الواقع وحجم الفروق في موازين القوى بين الكفار والمسلمين، إضافة إلى التجارب العديدة والتكاليف الكبيرة، التي انتهت إلى فشل، وإلى تنبه الكفار إلى توجهات المسلمين وحركاتهم التي تستهدف التغيير واستئناف الحياة الإسلامية. يضاف إلى ذلك طول المدة وانقضاء أجيال من غير تحقيق الهدف، ما أدى إلى شعور عام بانغلاق سبل التغيير الإسلامي بغير توسيع أبواب الرخص. وهذه أفكار يأس تدفع إلى فتح أبواب الرخص على مصاريعها، والتحلل من اعتبار مواضعها وشروطها وموانعها. وهذا أهم وأخطر أسباب تسويغ ما يفعله النظام السوري الحالي، والدفاع عنه رغم سياساته التي لا تختلف عن الأنظمة الأخرى الموصوفة بالخيانة والعمالة. وليس عند أصحاب هذه الذرائع من دليل لمواقفهم سوى حالة شعورية ترجع إلى مظاهر شكلية ومزاعم تنقضها الوقائع، وإلى نوايا لا تُسعفها الأعمال بشيء. وهذا هو التعلق بحبال الهواء، أي بمتخيلات لا وجود لها، وكما يُقال: الغريق يتعلّق بقشَّة.

ولا بد من التأكيد على أن هذا التعلق بحبال الهواء أو بالقشة، ما كان ليكون لولا الافتقار لسياسيين رجال دولة، بما يعنيه ذلك ويقتضيه من توفر الإصرار والهمة والقصد، مهما طال الطريق وبلغت التضحيات. وهو الذي يضع غالبية النخب المذكورة عند التفكير بالتغيير أمام واقع صعب، لا يجدون له علاجاً سوى التذرع بالضعف والعجز والضرورات، الأمر الذي يُلجئهم إلى طريقٍ واحد هو الترخص بالمصالح والحاجات والمشقات العادية وهو غير شرعي، وليس بالضرورات الشرعية أو المشقات المعنِتة. وهذا لا يرجع إلى ضعف سياسي فقط وإنما إلى نقص علم أيضاً، وهما مما لا بد من توفرهما معاً في رجل الدولة.

وثمة مسألة يطرحها بعض المدافعين عن النظام السوري الحالي رغم كثرة دلائل عدم شرعيته، وافتقاره الشديد لجزئيات أو مواقف تدعم وصفه بالإسلامي. وهي قولهم مثلاً: إن التفاوض مع العدو جائز وليس حراماً. ثم يمضي هؤلاء الإخوة وكأن ما يفعله هذا النظام من مفاوضات متكررة مع ممثلي كيان يهود شرعيٌ وسائغ، والدليل هو أنه مصلحة لسوريا ونقطة على السطر. والجواب إن البحث ليس في حكم التفاوض فقط، فالنبي ﷺ فاوض الكفار في الخندق وفي الحديبية وغيرهما. والخلفاء الراشدون بعده فاوضوا، وكانت المفاوضات مباشرة وغير مباشرة. وإنما البحث هو في موضوع المفاوضات. أي على ماذا يحصل التفاوض، هل هو على استرجاع الحقوق أم على التنازل عنها؟ هل هو بهدف التضييق على كيان يهود والتهيئة لمحاربته، أو لأجل التقدم خطوة خطوة باتجاه تطبيع العلاقات معه والاعتراف به؟ هل يدخل في هذه المفاوضات أي قصد لإغاثة غزة؟ هل هناك أي نظر أو دليل على نظر عند حكام سوريا إلى أن سوريا وأهلها جزءٌ من البلاد الإسلامية، ويعنيهم ما يعني المسلمين في العالم، أم أن هذا أمر لا وجود له ولا قِبَل لهذا النظام به؟ وإذا كان الأمر كذلك فأين الإسلام في هذا النظام؟ وبماذا يختلف عن النظام الأردني مثلاً، أو السعودي؟ والأمر نفسه يقال عن العلاقات مع أمريكا، ومن إسفار بتطبيق العلمانية، وتهيئة لإضعاف سوريا لصالح جماعات غير مسلمة، إضافةً إلى مخاوف أخرى كالدخول التدريجي فيما يسمونه اتفاقات أبراهام.

ومن النقاط التي يتمسك بها المدافعون عن هذا النظام، وعن سياساته مع أمريكا وكيان يهود ودول المنطقة، هو أنه نظام جديد وعاجز عن الدخول في حرب مع يهود. وإذا لم يسكت على اعتداءاتهم فسيدمرونه. ولذلك، عليه أن يخضع وينفذ أوامر أمريكا كي تحفظ له وجوده! وإذا كان الأمر كذلك فما هو المرجو أو المتوقع من هكذا نظام؟ وما هي استراتيجيته لبناء القوة الذاتية والتحرر؟ وهل هو دولة بمعنى الكلمة أصلاً؟

يجادل المدافعون عن هذا النظام، بأن النبي ﷺ فاوض في الخندق وكاد أن يعرض تقديم تنازلات للكفار. وفاوض في الحديبية وقدم تنازلات. ومثل هذه الحجج واضحة الدلالة على الإفلاس في الاستنباط والاستدلال. فالنبي ﷺ، لم يكن في كل ذلك يخضع لأنظمة كفر ولا لقوانين أو سلطان غيره، ولا يلتزم توجيهات أو أوامر أعدائه في سياساته الداخلية أو الخارجية. وكانت مفاوضاته تحفظ دولته وسيادتها وسلطانها وفق ما يرى ويقرر. فأين ما يفعله حكام النظام الجديد في سوريا من هذا؟!

ومما يطرحه أيضاً المدافعون عن هذا النظام وأعماله قولُهم: ضع نفسك مكانهم، ماذا ستفعل؟ والجواب هو أنه لا يجوز أن يكون المسلم في هذا الموضع أصلاً، كما أنه لا يجوز له أن يكون مشرفاً على حانة خمر، أو مديراً لكازينو قمار وماخور زنا وخمر. ولا جدال أنه لا يجوز للمسلم أن يكون في موضع حاكمٍ بغير الإسلام. ولو عُرض عليه الحكم كاملا وبسلطانه الذاتي، بشرط أن لا يحكم بالإسلام فهذا لا يجوز قولاً واحداً. وقد عُرض مثل هذا الأمر على النبي ﷺ فرفضه رفضاً باتاً. ونزلت فيه آياتٌ بيناتٌ كانت بمثابة أمر إلهي وإعلان إسلامي عالمي يخاطب الكفار والعالم خطاباً دائمياً برفض هذا النمط من الحكم. فقد نزلت في ذلك سورة الكافرون، التي يتكرر فيها ثلاث مرات رفض الكفر في الحكم والعلاقات.

إنّ الواجب هو تطبيق الإسلام، ولا يصح أخذ الحكم أو الوصول إليه لتطبيق غير الإسلام، فأصل الموضوع والهدف الشرعي هو إعلاء كلمة الله وليس إعلاء الحركة أو الجماعة وأميرها. ولذلك، فإن مزاعم الضرورة هنا لا محل لها، وهي تضليل في تصوير الوقائع، إذ ليس ثمة ضرورة ليكون فلان أو الجماعة الفلانية في الحكم أو الوزارة أو في القصر. ولا تجوز خدمةُ الكفار والأعداء المستعمرين في حكم بلاد المسلمين أو جعل أي سيادة أو سلطان لهم عليها، ولو كان ذلك مقابل مصالح للمسلمين كإسقاط حاكم بالكفر أو طاغية. والواجب على المسلمين أن يعملوا للتغيير وإقامة الحكم بالإسلام وإسقاط الطغاة، بالتعاون مع المؤمنين، وبالموالاة فيما بين المؤمنين، والركون إلى المؤمنين. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وِيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُون * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وِرِسُولَه وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾. ولا يجوز الركون إلى الكفار في ذلك ولا إلى عملائهم، ولا التعاون معهم لأجل الوصول إلى الحكم، وهذه هي سنة النبي ﷺ وطريقته. قال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِياءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾.

﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الدكتور محمود عبد الهادي

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر