النظام في الإمارات يعلن انحيازه إلى أعداء الأمة
النظام في الإمارات يعلن انحيازه إلى أعداء الأمة

أُشفقُ على من يفني عمره في السياسة ثم لا تجده يرتفع عن أي متابع للجزيرة أو العربية أو أي قناة فضائية، والظن أن الخلل يأتي هؤلاء من أنهم يظنون أن التحليل السياسي وإعطاء وجهة نظر في المواقف السياسية لا يحتاج أكثر من متابعة نشرات الأخبار مع قراءة بعض ما كتبه الصحفيون، والحق أن السياسة كأي علم من العلوم، وكأي ثقافة من الثقافات، لها أصول ولها تفريعات، وليس التحليل كيفما اتفق.

0:00 0:00
السرعة:
August 30, 2020

النظام في الإمارات يعلن انحيازه إلى أعداء الأمة

النظام في الإمارات يعلن انحيازه إلى أعداء الأمة


أُشفقُ على من يفني عمره في السياسة ثم لا تجده يرتفع عن أي متابع للجزيرة أو العربية أو أي قناة فضائية، والظن أن الخلل يأتي هؤلاء من أنهم يظنون أن التحليل السياسي وإعطاء وجهة نظر في المواقف السياسية لا يحتاج أكثر من متابعة نشرات الأخبار مع قراءة بعض ما كتبه الصحفيون، والحق أن السياسة كأي علم من العلوم، وكأي ثقافة من الثقافات، لها أصول ولها تفريعات، وليس التحليل كيفما اتفق.


فمثلاً تجدهم في موضوع التطبيع الذي أعلنته الإمارات مع كيان يهود يخوضون في الدواعي التي جعلت الإمارات تفعل هذا الأمر، وما الذي تستفيده الإمارات، ولماذا اختارت هذا التوقيت؟ فتجدهم يتناولون التصرف الإماراتي كما لو أن الإمارات دولة مستقلة أو أنها تملك نفسها وقرارها فلو أن هؤلاء تعلموا أن للسياسة أصولاً كما للفقه وكما للنحو، لما خاطروا بهذه الآراء.


فالإمارات هي مجرد دولة عميلة لا تملك أن تفعل شيئاً في الداخل أو في الخارج دون إذن سيدها، ومن لا يدرك واقع الإمارات فليقرأ كيف تشكلت وكيف تأسست وكيف ساهمت الجمال والإبل في معرفة أبو ظبي عن دبي عن العين والشارقة، وإذا كانت سايكس بيكو اتفاقية أشرف عليها رجال، فإن الإمارات قسمتها الدواب، فقد كانت الجمال تُترك ثم عند وقوفها تُخط الخطوط وتوضع الحدود!


فالسياسي لا يستقيم في عقله أن يجعل الإمارات كروسيا، أو يجعل البحرين كألمانيا... ليسوا سواء! فالدول منها المستقلة ومنها العميلة التي لا ترد يد عابث.


أما أن يخوض السياسيون ويأخذون حظهم في الوقت والتحليل في نشرات الأخبار ثم يضعون حجراً على عمالة أشباه الدول هذه، فهذا ليس سياسة وليس تحليلاً، بل هو خبط عشواء.


السياسة يا سادة لها قواعد ولها أصول، وليست تصح إلا لمن عقل أصولها، وفهم فروعها، ففيها علة وفيها أوصاف مفهمة وفيها أوصاف لا تصلح للتعليل وفيها محكَم وفيها متشابه، وكل ما صح في العقول أصلاً صح وانسحب على السياسة، كأي علم من العلوم.


إن ما فعلته الإمارات من تطبيع علني بينها وبين كيان يهود، أو ما أظهرته فوق الطاولة بعد أن كان تحتها، ليس مفاجئاً للمتابع بحال، وليس ببدعة على هذه الأنظمة التي وُجدت لهكذا دور، وهي تقوم بالدور الذي ينيطه بها سيدها ولا تملك أمر نفسها، وقد سبقتها الأردن ومصر والسلطة الفلسطينية وموريتانيا وقطر وتركيا، لا بل إن نتنياهو يتحدى بأن الدول العربية ستلحق بالإمارات وتُظهر ما كانت تخفيه لعقود خلت.


إن التطبيع الذي أعلنته الإمارات بينها وبين يهود لا يضر المسلمين بشيء، ولا يضر إلا النظام العميل في الإمارات، فلم تكن الجيوش ترابط على الثغور وخانتها الإمارات بفعلها ذلك، وإنما من كان يغطي عورته بورقة توت طُلب منه أن يزيلها، والعلاقات بين الأنظمة العربية والتنسيق المخابراتي والتجسس ومحاربة الإسلام لم تتوقف يوماً بين هذا الكيان الوضيع وبين الدول العربية، بل إن بعضهم مدين بوجوده إلى كيان يهود ويحرص عليه أكثر من حرصه على نفسه.


كان ينبغي أن يكون الخبر المفاجئ (الإمارات تلغي علاقتها بكيان يهود)، فهذا ربما يحدث صدمة (shock)، أو أن تركيا أو الأردن أو مصر أو السلطة تقول: (لن نتعامل مع يهود بعد اليوم وسنوقف التعاون المشترك بيننا)، فهذا الخبر هو الذي يُتوقف عنده ويُوضع على (العاجل)، أما ما فعلته الإمارات وغيرها هو أصل وهو المحكم في سياستها الخارجية.


إن التأصيل لأي علم من العلوم أو ثقافة من الثقافات هو الذي يُفرق حاطب الليل عن حاطب النهار، وإن السياسة والتحليل السياسي إذا خلا من قواعد وأصول تفسَّر بها الأحداث وتُفهم بها الوقائع، فإن صاحبه يحيا ويموت ولا علم له بالسياسة، وإذا أضاف لعدم الفهم والإحاطة بالقواعد عدم وجود وجهة نظر، أي عدم النظر للأحداث من زاوية خاصة، فإنه من الخير له أن يترك السياسة لغيره، فما هي السياسة وما هو السياسي الذي ما زال يتحدث عن علاقة عداء بين تركيا وأمريكا! أو علاقة متوترة بين إيران وأمريكا؟!


فأمريكا إن طلبت من أردوغان أن ينفذ فسينفذ لا محالة، فها هي تستخدمه في الشام منذ سنوات، وها هو يريد أن يجعل لأمريكا موطئ قدم في ليبيا، وهي منطقة أوروبية صرفة والوسط السياسي كله فيها تابع لأوروبا، حتى أدخلت أمريكا عميلها حفتر ليجعل لها يداً في ليبيا، ثم ثنت بأردوغان الذي لا يكاد يرد لها قولاً! ولا يغرنك التهويش الإعلامي الذي يظهر أحياناً بحجة اختلاف مصلحة بين الطرفين، فهذا ذر للرماد في العيون، لا يكاد يظهر حتى يبتلعه النظام التركي، مثل صفقة طائرات F35 التي امتنعت أمريكا عن إعطائها لتركيا بحجة الاتفاق الذي أبرمته روسيا مع تركيا لشراء صواريخ S400، أو الرسوم التي ضربتها أمريكا على حديد الصلب الذي تستورده أمريكا من تركيا وأثارت احتجاج الأتراك، فكل هذا من قبيل التهويش الإعلامي غير الحقيقي، وإن كان حقيقياً فهو لا يرقى لقطع العلاقات الاستراتيجية بين الدولتين، ويكفي موقف تركيا عندما ترأست حلف الأطلسي في أفغانستان، فقد كانت طائراتها ليست بأقل فتكاً من الطائرات الأمريكية، فكلاهما كان يقوم بقتل المسلمين، العميل وسيده.


أما إيران التي صدّع بعض السياسيين رؤوسنا بالعلاقات المتوترة بينها وبين أمريكا فإنها لم تعمل يوماً لإيذاء سيدتها أمريكا، بل إن أمريكا قامت على صناعة النظام الإيراني كما صنعت النظام المصري والسوري سواء بسواء، فقد بدأت الاتصالات قبل الثورة الإيرانية بـ15 سنة أيام جون كندي، وبعد الثورة الإيرانية في عام 1979م ازدادت العلاقات بينها وبين عملائها في إيران، فوقفت إيران إلى جانب أمريكا في أفغانستان، وكانت لها مساهمة فعالة في إسقاط نظام طالبان، وكذلك فعلت في العراق، وكذلك تفعل في الشام لتحافظ أمريكا على عميلها بشار، وقد اعترف رفسنجاني بذلك قبل عدة سنوات عندما قال: "لم تكن أمريكا لتنجح في إسقاط طالبان والنظام في العراق لولا مساعدة إيران".


إن القواعد التأصيلية في السياسة تجعل السياسي عموماً وحامل الدعوة بخاصة يقف على أرضٍ صلبة لا يكاد يخدعه أو يضلله تصريح هنا أو تهويش هناك، فلم ينخدع حزب التحرير يوماً بمعاداة عبد الناصر للإمبريالية وقربه للشيوعية في الظاهر أن يقول إنه ليس عميلاً أمريكياً، وتبين ذلك مثل فلق الصبح وبان صواب رأي الحزب، ولم تخدعه يوماً جعجعة الأسد الأب والابن من أن يجهر بأنهما عميلان لأمريكا.


فالأصول في السياسة لا ينبغي إغفالها بحال، وإلا فإن ممتهنها لن يكون له حظ في السياسة وفهمها فضلاً عن إعطاء رأيه من زاوية خاصة، والتي هي بالنسبة للمسلم ولحامل الدعوة زاوية الإسلام، حتى إذا ما قامت الدولة تكون هناك طبقة من السياسيين يديرون دفة السياسة الخارجية للخلافة، ويكونون بمثابة مركز أبحاث استراتيجي وظيفته متابعة سير الدول المحاربة، وكيف تفكر، ومن هم عملاؤها في البلاد، وكل ذلك حتى تبقى دولة الخلافة دولة رعاية وتديم إحسان الرعاية في الداخل وتنشر الإسلام في الخارج، وتطهر الدولة من رجس العملاء والمنافقين.


‏نسأل الله أن يمكن لنا ديننا بإقامة الخلافة.


كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أبو المعتز بالله الأشقر

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر