September 05, 2014

النظرة القاصرة لزواج القاصرات .. عود على بَدءٍ

ارتبط اسم بعض البلدان دون بعضها الآخر بقضية زواج القاصرات أو ما يسميه البعض زواج الطفلات (تزويج الفتيات دون سن الثامنة عشرة)، وقد تكررت القصص المأساوية نفسها التي يتناولها الإعلام العربي والعالمي لحالات فتيات قد حرمن من فرص الحياة بسبب جشع الآباء أو أنانيتهم. واحتلت اليمن الصدارة في هذه القائمة، وقد سيطر على الإعلام أسماء فتيات اليمن اللاواتي نجون من مصير "عرائس الموت" كما أسماه الإعلام. والغريب أنه بعد أن تصدرت أخبار زواج القاصرات الإعلام في الفترة الأخيرة فكان من المستبعد أن تضم لبنان البلد الإسلامي لهذه القائمة ويصبح زواج القاصرات محل بحث فيها حيث أعلن فادي كرم، الأمين العام للهيئة الوطنية لشؤون المرأة اللبنانية، أن الهيئة أعدت مشروعا لقانون يحدد الأطر القانونية لزواج القاصرات. وينص مشروع القانون الجديد المزمع تقديمه على وجوب استشارة قاضي (الأحداث) للحصول على تراخيص لزواج القاصرات. وفي حال الرفض ووقوع الزواج، فلا يكون الزواج باطلاً ولكن على من تزوج مخالفاً يغرم ماليا حسب القانون المقترح.

إن هذا المقترح قد أعاد الجدل حول انتشار زواج القاصرات في بلاد المسلمين (والبلاد العربية خاصة) وتبعه سيل من المقالات المغرضة والتعليقات المتهكمة التي تنتقد نظرة الإسلام للمرأة وتؤكد خطورة ترك شؤون المرأة بعيداً عن حماية السلطة المدنية.. وقد عزا عدد من المتخصصين هذا الانتشار لزواج الصغيرات في مخيمات النازحين السوريين في لبنان وتجمعاتهم بعد أحداث سوريا وتدفق اللاجئين السوريين إلى لبنان وأن الظاهرة غريبة على المجتمعين اللبناني والسوري، وقد تواترت التقارير الإعلامية بأن تزويج الفتيات في سن مبكر يعود لضيق ذات اليد وخوف الآباء على أعراض بناتهم من انتشار حالات التحرش وصعوبة توفير الأمان لهن. كما صرحت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) أن الحرب السورية ونزوح أكثر من 1,3 مليون سوري إلى لبنان، قد فاقما من ظاهرة زواج القاصرات في مخيمات وتجمعات النازحين، إذ بات تزويج الفتاة يعني تقليص عدد الأشخاص الواجب إطعامهم واحداً. كذلك فإن الأهالي يخشون تعرض بناتهم لاعتداءات بسبب الأحوال المعيشية المتردية التي يعيشون فيها داخل مخيمات النازحين.

لم تأت هذه الحملة من فراغ بل جاءت في إطار الحركة العالمية "بنات لا عرائس" والتحضير لافتتاح مجلس حقوق الإنسان دورته السابعة والعشرين الأسبوع المقبل في جنيف، وسيتناول فيها البحث في قضايا تزويج الأطفال والزواج المبكر والقسري وسبل القضاء عليها وحلها. وجدير بالذكر أن هذه القضايا قد نص عليها في اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) وفي ما ترتب عنها من مواثيق. كما نلاحظ استخدام لجنة سيداو في الآونة الأخيرة لمصطلح "تزويج الأطفال" و"الزواج القسري" مُعرِّفة الطفل بأنه كل إنسان لم يبلغ سن الثامنة عشرة وتعتبر زواج الأطفال انتهاكا لميثاق حقوق الإنسان ونوعاً من أنواع الزواج القسري والعنف ضد الطفل. وأن هذه الحملة ظهرت بإملاءات دولية تماماً مثل الحملة السابقة عن العنف ضد المرأة، فسال المداد حول العنف ضد المرأة وكأن الأمة لا تشغلها سوى هذه القضية ولا زالت الأقلام تكتب حول القاصرات دون أن توضح أن هناك من يملي عليها ما تكتبه.

وتشير التقارير الأممية إلى أن 14,2 مليون فتاة يُزوَّجن في كل عام فيما يعد انتهاكاً لحقهن في الحياة والحرية والأمن والحصول على التعليم وأن هذا الزواج يوقعهن وبلادهن في دائرة من الفقر والجهل والمرض. ويقول المركز الدولي للأبحاث الخاصة بالمرأة إن ثلث نساء العالم يتزوجن قبل بلوغ سن 18 عاماً وتسود هذه العادة في جنوب آسيا. وبالرغم من التغطية الإعلامية المكثفة التي تستهدف بعض البلدان العربية مثل اليمن والمغرب ومصر وما تورده وسائل الإعلام عن المخاطر الصحية التي تتعرض لها الفتيات الصغيرات ليلة الزفاف واستشهادها بقصص عرائس الموت (ما صح منها وما لم يصح) إلا أن هذه البلدان لم تحتل المركز الأول في قائمة الدول التي ينتشر فيها زواج القاصرات[i] بل لم تكن ضمن المراكز العشرين الأولى التي لم تضم أي بلد عربي (إذا استثنينا الصومال التي ذكرت في المركز الرابع عشر بالرغم من افتقار البلاد لمقومات ومؤسسات الدولة قرابة العقدين من الزمان مما يطرح أسئلة عن مصداقية الإحصاءات المتعلقة بها).

وفيما يلي جدول بترتيب أول عشرين دولة من حيث انتشار زواج القاصرات (أو ما يسمى بالنقاط الساخنة لانتشار زواج القاصرات) :

النسبة

الدولة

الترتيب

75

النيجر

1

68

تشاد

2

68

جهورية أفريقيا الوسطى

3

66

بنجلاديش

4

63

غينيا

5

56

موزنبيق

6

55

مالي

7

52

بوركينا فآسو

8

52

جنوب السودان

9

52

ملاوي

10

48

مدغشقر

11

47

إريتريا

12

47

الهند

13

45

الصومال

14

44

سيراليون

15

42

زامبيا

16

41

جمهورية الدومينيك

17

41

إثيوبيا

18

41

نيبال

19

41

نيكاراجوا

20

هذا هو ترتيب الدول حسب انتشار زواج القاصرات ونرى فيه إهمال المجتمع الدولي لشؤون الطفولة المعذبة في بوركينا فاسو ونيبال ونيكاراجوا وتسليط الضوء على اليمن وأهلها حتى باتت قضايا فتيات اليمن لا تغيب عن الإعلام الغربي وأتباعه في العالم فلماذا تحتل صور فتيات اليمن الصحف العربية والعالمية بينما يتجاهل العالم زواج الفتيات في سن الخامسة عشرة في إثيوبيا وفي سن الثانية عشرة في فيتنام وتترك الهند التي لا تقل فيها عن 47 بالمائة من نسبة زواج الأطفال، أم أن السر يكمن في أنها ليست في الجبهة الإسلامية ولا في المجابهة مع المسلمين.

تُعدّ النيجر أعلى الدول نسبة في زواج القاصرات ولكنها لا تحتل المرتبة الأولى في الطرح الإعلامي بل تتصدر أخبار الدول العربية التي ارتبطت ذهنيا بالإسلام وأصبحت مصب انتقاد الغرب للعالم الإسلامي وأهله ليظهر عبر هذا النقد التفوق الحضاري المزعوم والهيمنة على تفاصيل حياة الشعوب. عند سماع الأخبار عن زواج القاصرات تتبادر إلى الأذهان صور فتيات اليمن وهن يزوجن في التاسعة والجدل حول الإسلام وحكم الشرع في زواج الصغيرات وإدانة علماء الدين أو إرهابهم لحد التنصل من زواج الرسول صلى الله عليه وسلم من السيدة عائشة في سن مبكرة. ولعل اللافت أن الزواج المبكر في النيجر ليس فيه أي مخالفة قانونية لأن السن القانوني للزواج هو الخامسة عشرة، وتتزوج حوالي ربع الفتيات في هذا السن." (بي بي سي 30 مايو 2014) وتتزوج ثلاثة أرباع الفتيات دون سن الثامنة عشرة (ومن ضمن هؤلاء من تتزوج قبل الثامنة عشرة بشهر واحد أو أقل فتحسب على الطفولة رغماً عنها وبغض النظر عن مدى نضجها واستعدادها للزواج).

إن الإرهاب الفكري الذي أصبح اللغة السائدة اليوم يجرم الشعوب ويضع سن الثامنة عشرة بشكل اعتباطي كسن موحد للزواج. فيساوي بين بني البشر دون أدنى مراعاة لاختلاف البيئة والثقافة والنشأة وهذا هو عين الظلم فهذه المساواة التي تسطر بمسطرة عمياء تستند إلى نظرية خيالية تناقض فطرة الإنسان وطبيعة التفاوت الموجودة بين أفراد المجتمع الواحد ناهيك عن شعوب العالم على اختلافاتها. إنهم يخوضون حرب المسميات ويلقون باللوم على زواج الفتيات في سن مبكرة ويخلطون عمداً بين الزواج بالإكراه والزواج المبكر.

إن الداعين لتحديد سن الزواج لم يأتوا بأي دليل على أن سن الثامنة عشرة حد فاصل في القدرة على تحمل أعباء الزواج ولم يروا في الحسبان ضرورة تهيئة المجتمع للفتيات لتحمل هذه الأعباء وأنها بالدرجة الأولى استعداد نفسي واجتماعي قبل أن تكون مسألة سن معينة، كما لم يبينوا الفرق بين كون الفتاة ممن تتحمل الوطء وبين الاستعداد النفسي للزواج، والأهم من هذا كله أن هيمنة أي جهة على تنظيم السلوك البشري وتبني وجهة نظر بناء على معلومات محدودة ومغلوطة ومبدأً من صنع الإنسان القاصر ليصبح فكرا لبني البشر وينفذ بسلطة القانون هو أمر في غاية الخطورة ويؤدي إلى شقاء الإنسان. هذا الإنسان الذي يجهل ويعجز عن فهم الحاجة الحقيقية لنفسه فلا يستطيع إذن أن ينظم السلوك البشري ويتمادى على ما هو لله وحده. هذه القضية كسابقاتها تثبت أن النظرة القاصرة إلى المرأة وشؤونها كإنسان لا تجلب لها سوى التشتت والضياع ولا تجلب للمجتمعات سوى الفرقة والنزاع.

التف العالم الغربي حول قضية تجريم زواج الفتيات قبل سن الثامنة عشرة وركز الجهود على إيجاد رأي عام عالمي وكأن مسألة زواج القاصرات أصبحت القضية الأهم في حياة الشعوب. فقد أسند التحالف الدولي الطارئ لأجل التعليم في العاشر من أبريل/نيسان أربعة أصفار بهدف القضاء على بعض الممارسات التي تهدد الطفولة:

-صفر لزواج الأطفال

-وصفر لعمل الأطفال

-وصفر للتمييز ضد الفتيات

-وصفر للإقصاء من التعليم

واللافت أن التحالف لم يدعُ لصفر فساد مالي وصفر تبعية سياسية وقهر للشعوب المغلوبة على أمرها وصفر استغلال للضعفاء وصفر لنشر الفقر والعوز عبر السياسات الرأسمالية. وحتى عندما تبرعت الدول الكبرى بسخاء من أجل القضاء على زواج الصغيرات فإن هذه التبرعات لم تقدم شيئاً للفتيات ولا قضت على الفقر الذي تسبب في استغلال الفتيات حسب دراساتهم (كما في نيبال والهند وفيتنام وغيرها). لقد وضعت الميزانيات الضخمة لإنهاء زواج الفتيات في سن السابعة عشرة بينما تُركن للموت من الجوع وسوء الرعاية وغياب الأمان. أليس من الغريب أن يجرم العالم زواج الفتيات في الخامسة عشرة ولا يجرم الفقر في النيجر وهي واحدة من أفقر دول العالم وآخرها في مؤشرات التنمية؟!! بل إنهم يدعون أن زواج الصغيرات من مسببات الفقر ليذروا الرماد في العيون ويلفتوا الأنظار إلى الرأسمالية كمنقذ وديع للبنات الصغيرات! وحقيقة الحال أن هذه الرأسمالية المتحكمة في العالم قد أكلت الأخضر واليابس وجلبت البؤس والشقاء للإنسانية جمعاء.

إن هذه الحملات ضد الزواج لا تستهدف المحافظة على طفولة الفتيات؛ فها هو حال الدول الغربية لا يخفى على أحد فالمرأة سلعة سواء كانت كبيرة أم صغيرة والطفولة مستهدفة ومجتمعاتهم تعاني من أزمة حمل المراهقات ولم تتمكن من الحد من هذه الظاهرة إلا عبر نشر موانع الحمل ونشر الثقافة الجنسية في المدارس، وبذلك ساهمت في نشر العلاقات قبل الزواج.. لقد أصبحت الفتاة تعيش علاقات متعددة وهي لم تبلغ الثامنة عشرة والمجتمع فشل في الحفاظ على براءة الطفولة ونجح في الحفاظ على خزينة الدولة لكي لا تتحول الفتيات القاصرات لعبء مادي بدلاً من أن يكن نساء مشاركات في العملية الاقتصادية في ظل نظام رأسمالي يقيم الإنسان بمقدار مشاركته في الاقتصاد. إن هذه الحملات على الزواج المبكر تحارب العلاقة في إطار الزواج بينما تحترم وتشجع الفتاة على القيام بعلاقات خارج إطار الزواج!

وختاماَ، إذا كان الفقر هو السبب في تزويج الناس لبناتهم في سن مبكرة فإن إطلاق الحملات ليس هو الحل، والأولى بالدولة التي تحترم مسؤوليتها والواجب المنوط بعهدتها أن تعالج هذا الفقر لأن آثاره على الفرد والمجتمع تتعدى مسألة زواج الصغيرات، وإن كان الأمر متعلقا بخوف الأهالي على بناتهم فهل وفرت الدولة الحماية والأمان لهؤلاء الفتيات بعد منع هذا الزواج المبكر؟ إن كلتا الحالتين تدينان الدولة قبل الآباء وتشيران إلى مدى التقصير في رعاية شؤون الذين يعيشون فيها، فإذا عجز رب الدار عن حماية الذراري فكيف تعلن الحكومات هذا العجز على عيون الأشهاد دون خجل. إن القصور الحقيقي هو في نظام عالمي يتفنن في إحصاء مآسي البشر وابتكار سبل الإلهاء عن الداء الحقيقي وفي حكومات جمعت بين التبعية والفشل فاختارت أن تحارب الشعوب وتضيع حقوقها بذريعة الدفاع عن الفتاة ومحاربة استغلالها.. أليست أحلام هذه الطفلة قد اغتالتها الرأسمالية كما اغتالت أحلام أولادها وتركتها مكبلة في الاستعمار جيلا بعد جيل؟ (لبئس ما يحكمون).

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُسَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ:«كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

أم يحيى بنت محمد


Source: UNICEF State of the World's Children, 2013 - data from UNICEF Multiple Indicator Cluster Surveys (MICS), Demographic and Health Surveys (DHS) and other national surveys, and refers to the most recent year available during the period 2002-2011. Source: United Nations


International Center for Research on Women (ICRW)


http://www.icrw.org/files/images/Child-Marriage-Fact-Sheet-Around-the-World.pdf

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر