القانون الدولي يجعل الدول الكبرى سيدة الغاب وباقي الدول عبيدا لها
August 04, 2020

القانون الدولي يجعل الدول الكبرى سيدة الغاب وباقي الدول عبيدا لها

القانون الدولي يجعل الدول الكبرى سيدة الغاب وباقي الدول عبيدا لها

الدول القائمة في عالمنا اليوم وخصوصا الدول الكبرى لا يوجد في قاموسها، نوايا حسنة وتنافس شريف، وحسن الجوار، وحب الغير، وبوادر حسنة، وأعمال بريئة، أو أعمال خيرة أو أعمال نبيلة...

والسبب أن هذه الدول تبنت عقيدة وفلسفة الثورة الفرنسية كفلسفة للحياة، ولذا كانت العقيدة الرأسمالية التي تقضي بفصل الدين عن الحياة (العلمانية) هي عقيدة هذه الدول الكبرى، وهذا يعني أن هذه الدول تحارب وجود أي قيمة في الحياة غير القيمة المادية أي المنافع والمصالح المادية.

والمنافع تنعكس على السياسة الخارجية للدول الرأسمالية وخصوصا الكبرى منها على شكل استعمار عسكري أو فكري أو ثقافي أو سياسي أو كل هذه الأشكال معا، أي أنها تبني سياساتها الخارجية على أساس الاستعمار (المصلحة بكلمات مزركشة).

فالدول الكبرى هي الذئاب التي تنظر للعالم على أنه مكان للصيد والافتراس، ولذا فلا حدود لأطماعهم ولا لأهدافهم وغاياتهم. إلا أن تنافس هذه الدول الكبرى وتصارعها فيما بينها محكوم بقوة كل واحد منهم ونفوذه ومدى استطاعته على تنحية الذئاب الأخرى وإزاحتها عن منطقة صيده ونفوذه. وهذا الصراع فيما بينها على مركز الأسد أي على مركز الدولة الأولى في العالم هو ما يعرف بالموقف الدولي أو المسرح الدولي.

وأما القانون الدولي فهو بالحقيقة قانون للدول الكبرى الاستعمارية وخصوصا الغربية منها أوروبا وأمريكا. فبريطانيا وفرنسا هما من أوجدته وأمريكا بعد ذلك تبنته، وهو وإن أطلق عليه بأنه دولي إلا أنه لتنظيم مصالح الدول الكبرى فقط - وخصوصا منها أمريكا وأوروبا - وللحيلولة دون وقوع تنافس شديد بين هولاء الذئاب يؤدي إلى إخلال بالتوازن بينها كما حدث في الحرب العالمية الأولى والثانية. ولذا فالقانون الدولي هو أداة لمنع قيام حروب بين الدول الكبرى المستعمرة فيما بينها وهو قانون لتنظيم استعمارها للدول والشعوب الأخرى.

ويكون للدولة الأولى طبعا حصة الأسد لما لها من سيطرة على مؤسسات هذا القانون الدولي وبما تقوم به من دفع تكاليف موظفيه ومؤسساته ونفقاته كما تفعل أمريكا اليوم، فقد تصل نسبة إنفاق أمريكا على مؤسسات الأمم المتحدة ما يزيد عن سبعين بالمئة، وبالمقابل فإن أمريكا تسير القانون الدولي لحد بعيد ليتماشى مع مصالحها ومنافعها الاستعمارية في العالم، وخير دليل على ذلك شهادة بطرس غالي على قناة الجزيرة


وما قاله في هذا الصدد حينما سئل عن ما تريده أمريكا من مبعوث الأمم المتحدة، حيث قال: (تريد أمريكا منه أن يعمل لحسابها بنسبة مئة بالمئة).

ولذا فمن السذاجة في بعض الشعوب أو الدول الصغرى حال وقوعها في أزمات التوجه للقانون الدولي والمؤسسات الدولية من أجل العون والغوث، فهي بذلك كالنعاج التي استجارت بالذئب ليعينها على نوائب الدهر أو كالمستجير من الرمضاء بالنار! فيذهبون بأقدامهم لشباك الدول الكبرى وحبالها التي سرعان ما تلتف على رقاب هذه الدول والشعوب فتخنقها وتسلبها كل ما عندها من ثروات وخيرات.

وفِي اللحظة الذي يصبح القانون الدولي ضد مصالح الذئاب والمستعمرين فإنها تلقيه في سلة القمامة وتفعل ما تشاء كما فعلت أمريكا في غزوها للعراق 2003.

ولتحسين الصورة القيبيحة لهذا المبدأ الرأسمالي وتلك الدول الكبرى المستعمرة وذلك القانون الدولي الجائر المتمثل بالثالوث القاتل: هيئة الأمم المتحدة والبنك الدولي وصندوق النقد، من أجل تحسين صورة هذه المؤسسات الاستعمارية، فقد قامت هذه الدول بسن معاهدات وإنشاء منظمات غير حكومية مختلفة ومتنوعة ذات طابع إنساني في الظاهر لترقيع أعمال المؤسسات الأم ولتحسين الصورة الاستعمارية البشعة لها. ومن الأمثلة على ذلك الصليب الأحمر، وهيومن رايتس ووتش والمنظمات الحقوقية المتعددة، ومنظمات حماية حقوق الطفل والمرأة، وحقوق العمال والمساجين وأسرى الحرب، والأمثلة كثيرة على حقيقة عمل مثل هذه المنظمات غير الحكومية، ولكن نضرب عليها مثالا لتبين الهدف الظاهري (الإنساني) والباطني (الاستعماري) لحقيقة عملها:

منظمة قوس الغابة الفرنسية (لارش دي زو) التي أعلنت في 2007 اعتزامها جلب أطفال أيتام من السودان لتتبناهم عائلات فرنسية ولكنها لم تفصح عن طريقة جلبهم. وكانت الفضيحة هي محاولة تهريب 103 أطفال أعمارهم بين عام و9 أعوام خطفتهم المنظمة من مخيمات النازحين واللاجئين في دارفور وشرق تشاد. وهذا المثال هو غيض من فيض وقطرة من بحر للتدليل على عمل هذه المنظمات.

كما أنه لا وجود للشفافية والتنافس الشريف العلمي والاقتصادي ولا لحسن الجوار في قواميس الدول الكبرى أي معنى أو أي قيمة، بل إن الدول الكبرى تعتبر هذه المفاهيم هي سلاح الضعفاء الذي يخفون ضعفهم بمفاهيم خيرة كطريقة لحمايتهم وحماية وجودهم المهدد من الدول الكبرى.

وخير مثال على ذلك شركة هواوي التي تفوقت على نظيراتها الأمريكية في تكنولوجيا فايف جي، فجُنّ جنون أمريكا ولم تبقِ تهمة ولا كذبا إلا وألقته على هذه الشركة وعلى الصين، ومع أن التكنولوجيا ليس لها علاقة بالتجسس وفك الشيفرات إلا أن أمريكا حولت الأمر لمسألة أمنية وخوفت الجميع من التعامل مع الصين ومن إمكانية تجسس الصين على الدول عبر تقنية الفايف جي عبر شركة هواوي ووصل الأمر لإغلاق قنصليات وتوتر شبه عال بين البلدين ومناورات أمريكية من نقل جنود أمريكان من ألمانيا لكوريا الجنوبية 2020/07/29 لتزيد عدد القوات الأمريكية في كوريا الجنوبية من 28 ألف جندي إلى ما يزيد عن الثلاثين ألفا. هذا هو التنافس الاقتصادي الشريف في عرف الوحوش الكاسرة (الدول الكبرى)!

وما يهمنا كمسلمين أن نعلم بعض الأمور التي لا يستقيم الحال بدونها:

١- إن القانون الدولي هو قانون لصالح الدول المستعمرة ولتثبيت وترسيخ وتوسيع استعمارها لدول العالم وخصوصا دول النفط والثروات الهائلة أي دول عالمنا العربي والإسلامي. ولذا لا يجوز لنا أن نستجير بهم عند كل أزمة لأن هذا يغضب ربنا ولأن هذا يزيد من استعمارهم لنا. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ﴾ ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾.

٢- إننا كمسلمين اليوم بدون راعٍ وبدون حام وبدون قائد كالأغنام على مائدة الذئاب واللئام، ولذا لا بد لنا من إمام وخليفة راشد. «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ، كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ، وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَتَكُونُ خُلَفَاءُ تَكْثُرُ»، قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ قَالَ: «فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ وَأَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ».

٣- إن حل مشاكلنا كمسلمين وإن الشفاء والدواء والعلاج في دستور الإسلام العظيم، وقد وضعه حزب التحرير في شكل قوانين ومواد مفصلة كدستور يصلح لتسيير الدولة على منهاج الله والنبوة وليس على منهاج قانون الدول الاستعمارية الكبرى، وبهذا فقط ننعتق من وصاية واستعمار الدول الكبرى لعقولنا قبل بلداننا وثرواتنا. ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾.

٤- إن الدول القطرية وحدود سايكس بيكو هي أس البلاء وسبب التفرقة وطريق لتركيع المسلمين لدول الاستعمار الغربي، وإن حكام هذه البلاد وأنظمتهم هي لإبقاء المسلمين وبلدانهم تحت رحمة دول الغرب.

هذا هو الداء وهذا هو الدواء. وصدق الله القائل سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

الدكتور فرج ممدوح

المزيد من القسم null

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

لا تنخدعوا بالأسماء فالعبرة بالمواقف لا بالأنساب

في كل مرة يُقدَّم لنا "رمز جديد" له جذور مسلمة أو ملامح شرقية، يهلل كثير من المسلمين، وتُبنى الآمال على وهمٍ اسمه "التمثيل السياسي" في نظامٍ كافر لا يعترف بالإسلام حكماً ولا عقيدةً ولا شريعةً.

نذكر جميعاً الفرح العارم الذي اجتاح مشاعر كثيرين عند فوز أوباما في 2008. فهو ابن كينيا، وله أب مسلم! وهنا توهم البعض أن الإسلام والمسلمين باتوا قريبين من النفوذ الأمريكي، لكن أوباما كان أحد أكثر الرؤساء إيذاءً للمسلمين فقد دمر ليبيا، وساهم في مأساة سوريا، وأشعل أفغانستان والعراق بطائراته وجنوده، بل كان سفاك الدماء في اليمن عبر أدواته وكان عهده استمراراً لعداء ممنهج ضد الأمة.

واليوم يتكرر المشهد، لكن بأسماء جديدة. فـزوهران ممداني يُحتفى به لأنه مسلم ومهاجر وشاب، وكأنه المنقذ! لكن قليلين فقط ينظرون إلى مواقفه السياسية والفكرية. هذا الرجل من الداعمين الأشداء للشواذ المثليين، ومشارك في فعالياتهم، ويعتبر انحرافهم حقوقاً إنسانية!

أي خزي هذا يُعلق عليه الناس آمالاً؟! ألم يكن تكراراً للخيبة السياسية والفكرية نفسها التي وقعت فيها الأمة مراراً وتكراراً؟! نعم لأنها تُفتن بالشكل لا بالجوهر! تُخدع بالابتسامات، وتتعامل بالعاطفة لا بالعقيدة، وبالأسماء لا بالمفاهيم، وبالرموز لا بالمبادئ!

إن هذا الانبهار بالأشكال والأسماء نتيجة غياب الوعي السياسي الشرعي، لأن الإسلام لا يقاس بالأصل أو الاسم أو العرق، بل بالالتزام بمبدأ الإسلام كاملاً؛ نظاماً وعقيدةً وشريعةً. ولا قيمة لمسلم لا يحكم بالإسلام ولا ينصره، بل يخضع للنظام الرأسمالي الكافر، ويبرر الكفر والانحرافات باسم "الحرية".

وليعلم جميع المسلمين الذين فرحوا بفوزه وظنّوا أنه بذرة خير أو بداية نهوض، أن النهوض لا يكون من داخل أنظمة الكفر، ولا بأدواتها، ولا عبر صناديق اقتراعها، ولا تحت سقف دساتيرها.

فمن يُقدّم نفسه عبر النظام الديمقراطي، ويقسم على احترام قوانينه، ثم يدافع عن الشذوذ الجنسي ويحتفل به، ويدعو إلى ما يغضب الله، فهو ليس نصيراً للإسلام ولا أملاً للأمة، بل هو أداة تلميع وتمييع، وتمثيل مزيّف لا يُقدّم ولا يؤخر.

إن ما تسمى النجاحات السياسية في الغرب لبعض الشخصيات ذات الأسماء الإسلامية، ما هي إلا فُتات يُقدَّم كمسكنات للأمة، ليقال لها: انظروا، التغيير ممكن عبر أنظمتنا.

 فما حقيقة هذا "التمثيل"؟

الغرب لا يفتح أبواب الحكم للإسلام، بل يفتحها فقط لمن يتماهى مع قيمه وأفكاره. وأي شخص يدخل نظامهم لا بد أن يقبل بدستورهم، وبقوانينهم الوضعية، وأن يتنكر لحكم الإسلام، فإن رضي بذلك، أصبح نموذجاً مقبولاً، أما المسلم الحق، فهو مرفوض عندهم من جذوره.

فمن هو زهران ممداني؟ ولماذا يُصنع هذا الوهم؟

هو شخص يحمل اسماً مسلماً لكنه متبنٍ لأجندة منحرفة مخالفة تماماً لفطرة الإسلام، من دعم المثليين، والترويج لما يُسمى بـ"حقوقهم"، وهو نموذج حي لكيف يصنع الغرب نماذجه: مسلم بالاسم، علماني بالفعل، خادم لأجندة الليبرالية الغربية لا أكثر. بل لإشغال الأمة عن طريقها الحقيقي، فبدل أن تطالب بدولة الإسلام والخلافة، تنشغل بالمقاعد النيابية والمناصب في أنظمة كفر! وبدل أن تتوجه لتحرير فلسطين، تنتظر مَن "يدافع عن غزة" من داخل الكونغرس الأمريكي أو البرلمان الأوروبي!

فحقيقة الأمر أن هذا تشويه لطريق التغيير الحقيقي، وهو إقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، التي تُعلي راية الإسلام، وتقيم شرع الله، وتوحد الأمة خلف خليفة واحد يُقاتل من ورائه ويُتقى به.

فلا تنخدعوا بالأسماء، ولا تفرحوا بمن ينتمي لكم شكلاً ويخالفكم مضموناً، فليس كل من حمل اسم سعيد أو علي أو زهران هو على طريق نبينا محمد ﷺ.

واعلموا أن التغيير لا يأتي من داخل برلمانات الكفر، بل من جيوش الأمة التي آن لها أن تتحرك، ومن شبابها الواعين الذين يعملون ليلا ونهارا لقلب الطاولة على رؤوس الغرب وأعوانه وأتباعه الخائنين في بلاد الإسلام والمسلمين.

فالمسلمون لن ينهضوا عبر انتخابات الديمقراطية ولا من خلال صناديق الغرب، بل بنهضة حقيقية على أساس العقيدة الإسلامية، بإقامة دولة الخلافة الراشدة التي تُعيد للإسلام مكانته، وللمسلمين عزّتهم، وتحطم أوهام الديمقراطية.

لا تنخدعوا بالأسماء، ولا تعلقوا آمالكم على أفراد في أنظمة كفر، بل ارجعوا إلى مشروعكم العظيم: استئناف الحياة الإسلامية، فهذا وحده طريق العزة والنصر والتمكين.

فالمشهد تكرار مُهين لمآسٍ قديمة: رموز مزيفة، وولاء للأنظمة الغربية، وانحراف عن طريق الإسلام. وكل من يُصفّق لهذا المسار، إنما يضلل الأمة. فعودوا إلى مشروع الخلافة، ولا تجعلوا أعداء الإسلام يصنعون لكم قادتكم وممثليكم. فالعزة ليست في مقاعد الديمقراطية، بل في سدة الخلافة التي يعمل لها حزب التحرير ويُحذر الأمة من هذا الانحدار الفكري والسياسي. فلا خلاص لنا إلا بدولة الخلافة، التي لا تسمح بأن يحكم المسلمين من يدين بدين غير الإسلام، ولا بمن يبرر الشذوذ والانحراف، ولا بمن يُشرّع للناس غير ما أنزل الله.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد المحمود العامري – ولاية اليمن

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر